تعريف الإعسار والفرق بينه وبين الإفلاس
المطلب الأول : تعريف الإعسار في اللغة والفقه الإسلامي والنظام :
الإعسار لغة : مصدر من الفعل أعسر أي أضاق وافتقر ، والعسر ضد اليسر وهو الضيق والشدة والصعوبة ، والعسرة هي قلة ذات اليد وكذلك الإعسار (1).
الإعسار عند الفقهاء :
المعسر عند الحنفية : من عُدِمَ المال أصلاً (2).
وعند المالكية : هو الذي ليس عنده ما يباع (3).
وأورد الشافعية له تعريفات منها :
من لا يملك شيئاً من المال (4).
الذي لا يملك زيادة على كفاية يوم وليلة (5).
من ليس عنده فاضل عما يترك للمفلس (6).
وعند الحنابلة : من لا شيء له ولا يقدر على شيء (7)
ولهم تعريف آخر وهو أنه : من لا يقدر على النفقة لا بماله ولا بكسبه (8).
وبتمعن هذه التعريفات نرى أن معظمها غير دقيق ، فتعريف الحنفية والمالكية ، وتعريفا الشافعية والحنابلة الأولان غير جامعة ، لأن الإنسان قد يملك ما يعدّ مالاً أو ما يمكن بيعه ويبقى مع ذلك معسراً كمن لا يملك سوى ثياب بدنه أو متاع بيته الضروري فإنها أموال وأشياء يمكن بيعها ومع ذلك لا تخرجه عن حد الإعسار ، وتعريفا الشافعية والحنابلة الثانيان يصدقان على المعسر بالنفقة ، وأقرب التعريفات في نظري هو تعريف الشافعية الثالث لكن يلاحظ عليه أن معرفة معنى المعسر فيه متوقف على معرفة معنى المفلس وما الذي يترك له ولا يعرف الشيء بما يساويه في الخفاء .
الإعسار في النظام :
تطرقت المادتان 230 ــ 231 من نظام المرافعات الشرعية السعودي ولوائحه التنفيذية لبعض إجراءات إثبات الإعسار ، ولكنها لم تنص على تعريف له ، وبالرجوع لكتب القانون نجد أن رجال القانون يقسمون الإعسار إلى قسمين :
إعسار فعلي : وهو عدم كفاية أموال المدين للوفاء بديونه الحالة والمؤجلة .
وإعسار قانوني : وهو عدم كفاية أموال المدين للوفاء بديونه المستحقة الأداء (9).
ويترتب على هذا الفرق عندهم بعض الآثار القانونية
 الفرق بين المفلس والمعسر في الفقه والنظام :
المفلس في الفقه الإسلامي :
المفلس عند الفقهاء : هو من عليه ديون حالة زائدة على ماله (10).
المفلس في النظام :
جاء في نظام المحكمة التجارية السعودي(11) تعريف المفلس بأنه من استغرقت الديون جميع أمواله فعجز عن تأديتها .
ونلاحظ أن هذا التعريف موافق لتعريف الفقهاء للمفلس ، ويتفق أيضاً مع تعريف المعسر في القوانين المدنية الحديثة .
في حين ذهب أغلب واضعي القوانين التجارية الحديثة إلى اعتبار التاجر مفلساً متى توقف عن الوفاء بدين عليه في الميعاد المحدد (12).
وعليه فلا اعتبار عندهم لكون التاجر المدين معسراً بالفعل حال كزن ديونه أكثر من موجوداته أم لا ، كأن لديه موجودات تزيد على ديونه ولكن لا تتوفر لديه سيولة كافية للسداد مثلاً .  
الفرق بين الإعسار والإفلاس في الفقه الإسلامي :
من الفقهاء من لا يرى فرقاً بين الاثنين وأنه لا مسوغ للفرق بينهما في الشرع ولا في اللغة ، إذ المعسر من يتعسر عليه قضاء دينه ، والمفلس من أفلس من قضاء دينه ، فهما من هذه الحيثية متحدان لأن معناهما ، يرجع إلى شيء واحد(13) .
وذهب جمهور الفقهاء إلى الفرق بينهما في الاصطلاح ، فالمفلس عنده أصل مال ، ولكنه لا يفي  بسداد كافة ديونه ، وأما المعسر فهو من لا مال له فاضلاً عن حاجته الضرورية كما بينا ، ولكن قد يؤول حال المفلس إلى الإعسار إذا صرف ماله في سداد يدنه ولهذا يتجوز بعض الفقهاء ويطلق لفظ المفلس على المعسر ، ولهذا قال ابن شرد رحمه الله ، ( الإفلاس يطلق على معنيين : أحدهما أن يستغرق الدين مال المدين فلا يكون في ماله وفاء بديونه ، والثاني ألاّ يكون له مال معلوم أصلاً (14).
والصحيح أن المفلس أعم من المعسر ، فكل معسر يصدق عليه أنه مفلس ، ولا عكس ، ومن أبرز الفروق بينهما ما يلي :
1 ــ أنه ينبني على تفليس المدين منعه من التصرف في ماله ، والحجر عليه فيه ، غذ التفليس هو النداء على المفلس وشهرته بصفة الإفلاس ، وأما الإعسار فبخلاف ذلك ، إذ لا يمنع المعسر من الاكتساب ليحصل ما يسد به دينه .
2 ــ أنه ينبني على التفليس بيع أموال المدين وتصفية موجوداته وتوزيعها على الغرماء ورجوع الإنسان في عين ماله ، وأما الإعسار فليس كذلك إذ ليس للمعسر ما يباع .
3 ــ أن دعوى إثبات الإعسار تكون بطلب المدين غالباً ، أما دعوى التفليس فلا تكون إلا بطلب الغرماء عند جمهور العلماء ، خلافاً للشافعية (15).
4 ــ أن إثبات إعسار المدين لا اثر له في حلول الديون المؤجلة التي لم يحل موعد سدادها باتفاق الفقهاء ، أما حلول الديون الآجلة بسبب التفليس فقد قال به المالكية وهو قول عند الشافعية(16) .
الفرق بين الإعسار المدني والإفلاس التجاري :
كلا النظامين يعدان وسيلة لإجبار المدين على السداد ويهدفان إلى تصفية أموال المدين لتوزيعها على الدائنين حسب حصة كل منهم ، ويفترقان في الآتي :
1 ــ نظام الإعسار خاص بالمدينين غير التجار ومحله القانون المدني ، أما الإفلاس فيختص بالتجار ومحله القانون التجاري(17) .
2 ــ أنه لا يوجد في الإعسار المدني تصفية جماعية يقوم بها ممثل الدائنين كما في الإفلاس التجاري ، بل يبقى أمر التنفيذ على أموال المدين موكلاً إلى إجراءات فردية يقوم بها كل دائن باسمه الخاص .
3 ــ أنه يجوز شهر إفلاس المدين مهما بلغ من اليسار إذا توقف عن دفع دين مستحق الأداء ، أما الإعسار فلا يشهر إلا إذا لم تف أموال المدين بسداده ديونه .


(1)  أنظر لسان العرب 4/563 ، المصباح المنير ص 155 ، والمطلع على ألفاظ المقنع ص 255
(2) رد المحتار 4/318 .
(3) حاشية الدسوقي 4/231 .
(4) إعانة الطالبين 4/63
(5) (6) إعانة الطالبين 2/114 .
(7) (8) الإنصاف 24/299.

(9) أنظر الوسيط في شرح القانون المدني الجديد للسنهوري 2/1213 ، مقومات الإفلاس في الفقه الإسلامي والقانون المقارن ص 22 .
(10)  أنظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3/263 ــ 265 ، مغني المحتاج 2/146 ، الشرح الكبير لابن قدامة 13/227 ، وذهب بعض المالكية إلى أنه يجوز التفليس إذا لم يف ماله بديونه الحالة والمؤجلة .
(11) صدرت الموافقة الملكية على هذا النظام في 15/1/1350هـ وتطرقت المواد 103، 137 منه للإجراءات المنظمة لعملية إفلاس التجار وما يتعلق بذلك ، وانتقل اختصاص العمل بهذا النظام إلى اللجان التجارية بديوان المظالم بعد إلغاء المحكمة التجارية .
(12) أنظر الوسيط 2/1214 ، مقومات الإفلاس في الفقه الإسلامي والقانون المقارن ص 28 .
(13) أنظر السيل الجرار للشوكاني فقد شنع على صاحب المتن ( حدائق الأزهار ) في لتفريقه بينهما 1/244 .
(14) بداية المجتهد 4/73 .
(15) أنظر حاشية المحلى على المنهاج 2/286 .
(16) أنظر الشرح الكبير للدردير 3/265 ، ومغني المحتاج 2/147 .
(17) لم تميز بعض التقنيات بين الإفلاس التجاري والإعسار المدني ، فتجعل المدين المعسر التاجر وغير التاجر خاضعاً لنظام واحد كما في ألمانيا وإنجلترا وبعض القوانين نظمت الإفلاس التجاري وتركت الإعسار المدني دون تنظيم كما في سويسرا و مصر سابقا وبعضها نظم الإعسار المدني تنظيما مستقلا عن الإفلاس التجاري كأسبانيا وهو الذي عليه العمل في النظام العراقي والسوري والمصري الجديد ، أنظر الوسيط 2/1201 ــ 1206 .

Post a Comment

أحدث أقدم