Search This Blog

الجمعة، 30 يونيو، 2017

نموذج طلب خطي لكفالة طفل

طلب التكفل بطفل مهمل

مرفوع الى السيد القاضي
المكلف بشؤون القاصرين
بمحكمة عين السبع البيضاء
لفائدة السيد **************
و السيدة **********
الساكنين **************


السيد القاضي المحترم
يشرفنا سيدي القاضي المحترم بان نتقدم اليكم بطلبنا هذا المتمثل في التكفل بالطفل المهمل ********* المزداد بتاريخ 20/01/2015 وذلك لرغبتنا في انقاد مستقبله من الضياع و التشرد ونعلمكم سيدي القاضي أننا سنقوم بالتكفل برعاية هذا الطفل (إبننا )على أحسن وجه وذلك بالتكفل بجميع مصاريفه من ملبس ومأكل ومسكن وتمدرس وجميع مايحتاجه


وتقبلوا سيدي القاضي فائق احترامي و تقديري

إمضاء                                                         امضاء



نموذج طلب خطي لكفالة طفل
كيفية كتابة شهادة كفالة
نموذج طلب خطي لكفالة عائلية
نموذج شهادة الكفالة
نموذج طلب كفالة متهم

الجمعة، 9 يونيو، 2017

نموذج الإلتزام الكتابي من أجل المشاركة في مباريات التوظيف بموجب عقود في وزارة التربية و التعليم

الـتـزام
أنا الموقع (ة) أسفله
السيد(ة):. ..................
الحامل (ة)للبطاقة الوطنية للتعريف رقم. .................
أشهد:
·        أنني اطلعت على مضامين الإعلان المتعلق بشروط إجراء مباراة التوظيف بموجب عقد من طرف الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الدرالبيضاء سطات
·        أنني على علم أن هذه المباراة لاتهم التوظيف في أسلاك الوظيفة العمومية؛
·        أنني أعلم أن التعاقد مع الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، لا يخول لي الحق في الإدماج المباشر  في أسلاك الوظيفة العمومية؛
·        أنني لاتربطني أية علاقة شغل بموجب عقد مع أي مشغل آخر، وإذا ثبت العكس فإنني أتحمل شخصيا كامل المسؤولية؛
·        أنه في حالة نجاحي في مباراة التوظيف بموجب عقد ، والموافقة على التعاقد مع الأكاديمية،ألتزم بما يلي:
- بالنسبة للتعليم الابتدائي: قبول التعيين داخل المجال الترابي للمديرية الإقليمية التي قدمت ترشيحي بها، أو بإحدى المديريات الإقليمية الواقعة في المجال الترابي للأكاديمية، في حالة إدراج إسمي ضمن لائحة الانتظار، حسب الاستحقاق.
- بالنسبة للتعليم الثانوي: قبول التعيين بإحدى المديريات الإقليمية الواقعة في المجال الترابي للأكاديمية .
كما ألتزم بما يلي:
1.     احترام جميع بنود العقد الذي سيتم توقيعه بيني وبين الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين؛
2.     مزاولة مهام التربية والتدريس طيلة الموسم الدراسي، كما تحدده مقررات تنظيم السنة الدراسية؛
3.     عدم المطالبة بالإدماج المباشر في أسلاك الوظيفة العمومية بعد التعاقد مع الأكاديمية .

إمضاء المعني(ة) بالأمر    المصادقة وتصحيح الإمضاء
                             من طرف السلطات المختصة
       

الأربعاء، 7 يونيو، 2017

المثاقفة في الادب

المثاقفة في الادب

المثاقفة بين الآداب، أي: أَخْذ الثقافات والآداب بعضها عن بعض؛ بُغيةَ التجديد والتطوير والتحسين، ومعروف أنه لو بقي الماء في مكانه دون حركة ودون تجدد لصار راكدًا تعافه الناس بل ضارًّا يؤذي.
وهذه المثاقفه من شأنها أن توسع الأفق، إذ ترينا كيف أن الأذواق والأوضاع والقيم الأدبية تختلف من أدب إلى آخر، ومن أمة إلى أخرى، رغم أن هناك أشياء مشتركة كثيرة أيضًا، وهذا الاختلاف دليل على ثراء الحياة وعلى غنى القدرة الإلهية المبدعة التي لا تنفد، ولا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء، وهذه الآية وإن كانت تتعلق بالأديان واختلافها واختلاف الناس بشأنها، من الممكن الاستشهاد بها هنا، فالاختلاف بين البشر لا يقتصر على الأديان، بل يشمل كل شيء يتعلق بهم، إنه سنة بشرية مثلما التشابه في بعض الجوانب سنة بشرية أخرى.
ولا شك أن اطلاعنا على ما عند غيرنا وتحققنا من أنه يختلف كثيرًا أو قليلًا عما عندنا، جدير أن يعمق فهمنا للحياة والأحياء، ويوسع مداركنا ويجعلنا نتقبل الآخرين، ونتفهم حقيقة اختلافهم عنا، فنكون أرحب صدرًا وأقدر على التسامح مع تمسكنا بما لدينا في ذات الوقت، وإلا تحول الأدب المقارن نقمةً وأذًى إذا كانت ثمرته تمييع مواقفنا، والانتهاء بنا إلى العجز عن اتخاذ موقف ثابت نابع من إيمان حقيقي بفائدة ما في أيدينا وصحته وأحقيته.
لنأخذ على سبيل المثال ما كتبه رفاعة الطهطاوي أبو المقارنين العرب في العصر الحديث، في موضوع المقارنة بين الأدبين العربي والفرنسي في كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريس) الذي كتبه وهو في فرنسا في النصف الأخير من ثاني عقود القرن التاسع عشر، وهو الوقت الذي أنشئ فيه "أول كورسي" الأدب المقارن في فرنسا، ولم يكن قد مر على وصول رفاعة إلى باريس إلا عامان. وهو كتاب عجيب لا يمكن تجاهله أبدًا إذا ما أردنا الكلام عن بدايات عصر النهضة في مصر، إذ يبدو وكأنه يحتوي على كل شيء يتعلق بذلك العصر.
المهم أن كاتبنا قد خصص بضع صفحات من ذلك الكتاب على درجة عالية من القيمة في المقارنة بين اللغتين الفرنسية والعربية، وبين أدبيهما، ففي عدة مواضع من ذلك الكتاب نراه يعقد مقارنةً بين لغتنا وبين لغة الفرنسيس، وبلاغتنا وبلاغة الفرنسيس، فيقول مثلًا: إن لكل لغة قواعد خاصة مِن تنظيم استعمالها والتفاهم بها، وأنه إذا كان لأقسام الكلمة في لساننا ثلاثة هي الاسم والفعل والحرف، فإنها في الفرنسية هذه الثلاثة المذكورة، مضافًا إليها الضمير، وحرف التعريف، والنعت، واسم الفعل واسم المفعول، والظرف، وحروف الجر، وحروف الربط، وحروف النداء، والتعجب، ونحوه، وإن الكلمة قد تكون حرف جر في موضع، وظرفًا هي نفسها في موضع آخر؛ لأنها إذا جاء بعدها اسم كانت حرفًا، بخلاف ما لو استقلت بنفسها فإنها تكون حينئذٍ ظرفًا.
ومما قارن به بين اللسانين والبلاغتين أيضًا قوله: إنهم في فرنسا لا يعرفون نَظْم العلوم كما هو الحال عندنا في (الألفية) مثلًا، وهذا راجع إلى اتساع العربية، وضيق المجال في لغة الفرنسيين.
وبالمثل تكلم عن الفرق بين العَروض العربية ونظيره الفرنسي، قائلًا: إن لكل لغة عروضها الخاص بها، وإن النثر الفرنسي لا يعرف التقفية، أي: أنهم لا يلجئون إلى السجع، بخلاف الحال عندنا حيث استخدموا السجع في الرثاء والخطب والتاريخ، وما إلى ذلك، حسبما يقول.
كما أن المؤلفين الفرنسيين يهتمون بالتدقيق في ألفاظهم وعباراتهم، ويعملون على أن يجيء ما يكتبونه واضحًا لا يحوج إلى معاناة في الفهم والتعلم، ولا إلى ما كان يسمى عندنا بفك الألفاظ، ومن ثم فليس للكتب الفرنسية شروح ولا حواش، اللهم إلا إذا استلزم الأمر بعض التعليقات السريعة بمزيد من الضبط والإتقان.
وعلى نفس المنوال يمضي رفاعة مقارنًا بين البلاغة لدينا وبين البلاغة لدى الفرنسيين، فيقول: إن هذا الفن موجود في كل اللغات، ومنها الفرنسية بطبيعة الحال، بيد أنه في لغتنا أكمل منه في لغة الفرنسيين، كما أن علم البديع يوشك أن يكون خاصًّا بالعربية. وهو في هذه النقطة يختلف مع تلك الطائفة من الكتاب العرب القدماء ممن قالوا بخلو اللغات الأخرى من التشبيهات والاستعارات والمجاز، وما إلى ذلك. ويضيف الطهطاوي قائلًا: إن من الصور البيانية ما تستحسنه الأذواق في كل اللغات، ومنها ما يستحسنه بعض منها دون بعض، مثال ذلك: تشبيهنا الرجل الشجاع بالأسد، فهو تشبيه مقبول ومستحسن من الجميع، بخلاف كلام الشعراء العرب عن ريق الحبيبة، إذ لا يفهم الرجل الفرنسي ويعجز عن تذوقه، قائلًا: إنه بُصاق، والبصاق يبعث على النفور لا التلذذ.
وبالنسبة للشعر الفرنسي يقول رفاعة: إنه يجري على عادة الجاهلية اليونانية التي تعرف لكل معنًى من المعاني ولكل شعور من المشاعر إلهًا خاصًّا، فتراهم يقولون: إله الجمال، وإله العشق، وهذا كفر كما صرَّح، وإن أضاف أنهم لا يعتقدون في شيء من هذا، بل هو مجرد تمثيل، وهو يحكم على الأشعار الفرنسية بأن الكثير منها لا بأس بها، ولا ريب أن هذا حكم جريء يستغربه الأديب العربي الحالي الذي قد يرى أن الآداب الأوربية أرقى من الآداب العربية، أما رفاعة فرغم إعجابه بجوانب كثيرة من مدنية الفرنسيين، كان يرى أننا متفوقون عليهم في أمور الدين والاعتقاد، وكذلك في ميدان الشعر والبلاغة.
ومن الطريف قوله عن ترجمته لإحدى القصائد من الفرنسية للعربية: أخرجتُها من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام. ثم تعقيبه على جهده في ذلك بقوله: إن الترجمة تذهب بحسن الأصل الأدبي في أية لغة، يستوي في ذلك أن تكون القصيدة منقولةً من الفرنسية بلغتنا أو العكس.
هذا، وقد تكررت الإشارة إلى حرص الغرب على نشر ثقافته وآدابه في العالم على حساب الثقافات والآداب الأخرى، وهو ما يسمى بالاختراق الحضاري، أي: العمل على غزو الشعوب الأخرى غزوًا ثقافيًّا وأدبيًّا، وطبعها بطابع غربي؛ كي يسهل انقيادها وشعورها بأنها تابعة للغرب، فلا تبدي مقاومةً لمخططات في إخضاعها سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا، ومن ثَم لا يحتاج إلى جيوش يجيشها، وأموال ينفقها، وجنود وضباط تزهق أرواحهم في المواجهة بين المقاومة الوطنية وجيوش احتلاله.
وقد سبق أني استشهدت بقول الدكتور حسام الدين الخطيب: إنه ينبغي الاعتراف بأن الذي تغير اليوم هو الوعي العالمي العام، بأن النموذج الغربي متفوق حقًّا في مختلف مجالات الثقافة والعلم، والإنتاج والقوة المادية، والاتصال، وغزو الفضاء، ولكن له مشكلاته ونقائصه وتناقضاته، ولا سيما بين المثل الأعلى المعلن والمثل غير الأعلى للهيمنة والسيطرة والاستيلاب، ولذلك ينبغي أن يكون الموقف منه حذرًا وانتقائيًّا وغيرَ مبني على الانبهار والتسليم الأعمى، كما أن هناك شيئًا آخر مهمًّا قد تغير في مجال المقارنة مع المركزية الأوربية، وهو الاعتراف الضمني أو الصريح بعظمة حضارات العالم القديم في إفريقيا وآسيا، والتسليم بما قدمته هذه الحضارات، ومنها الحضارة العربية الإسلامية من إسهام مباشر أو غير مباشر في مسيرة الحضارة الإنسانية.
وهنا أيضًا يقتضي الإنصاف منا الإشارة إلى أن عددًا لا يُستهان به من مثقفي الغرب وعلمائهم وأدبائه، أسهموا في دعم هذه الفكرة ونشرها، وإلى جانبها فكرة أصالة الإنتاج الفني والأدبي الراهن في بلدان العالم القديم أو بلدان الجنوب، وضرورة وضعه في واجهة لائحة التثقيف اليومي للأجيال من جهة، والاستعانة به في جهة أخرى؛ لترسيخ النزعة الإنسانية والفطرية لدى جمهرة المتنقلة في العالم.
ومثال ذلك رسالة منظمة اليونسكو، ولا سيما في مجال إحياء الثقافات المستضعفة، وإعادة بناء قائمة الروائع الأدبية العالمية، بحيث تشمل منجزات العالم القديم الثالث، وكل هذه التغيرات تصب في صالح المقارنة؛ لتجعل منها رافدًا فعالًا من روافد الصبوة العريقة للاتجاه نحو بناء حضارة إنسانية منسجمة مع ذاتها أو مثلها، وغير قائمة على التناقضات والتمييز بين الأنا والآخر.

المراجع والمصادر



1.   الخطيب، حسام الخطيب، الأدب المقارن .. من العالمية إلى العولمة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، الدوحة، قطر، 2006م.
2.   الدودي، عيسى الدودي، فضاءات الأدب المقارن، دار الجسور، وجدة، ط1، 2007م.
3.   أنور الجندي، أضواء على الأدب العربي المعاصر، دار الكاتب العربي، 1968م.
4.   صلاح فضل، الأدب المقارن، دار الكتاب اللبناني، 2003م.
5.   الخطيب، حسام الخطيب، آفاق الأدب المقارن: عربياً وعالمياً، بيروت، ودمشق، دار الفكر، 1992م.
6.   المناصر، عز الدين المناصر، المثاقفة والنقد المقارن، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2، بيروت، 1996م.
7.   إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب، بيروت، دار الثقافة، ط4، 1983م.
8.   إحسان عباس، ملامح يونانية في الأدب العربي، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1977م.
9.   عبد الحميد إبراهيم، الأدب المقارن من منظور الأدب العربي، القاهرة، دار الشروق، 1997م.
10.         خالص وليد محمود، أوراق مطوية، من تاريخ الأدب المقارن في الوطن العربي، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1997م.
11.         محمد يوسف نجم، فن المقالة، بيروت، دار الثقافة، 1966م.
12.         العشماوي، أحمد زكي العشماوي، قضايا الشعر المعاصر، دار الكتب العربي، 1959م.
13.         فرهود، محمد السعدي فرهود، قضايا النقد الأدبي الحديثة، المحمدية، 1979م.
14.         محمد زغلول سلام، دراسات في القصة العربية الحديثة، الإسكندرية، منشأة المعارف، 1987م.
15.         محمد رجب بيومي، الأدب الأندلسي بين التأثر والتأثير، الرياض، المجلس العلمي لجامعة الإمام محمد بن مسعود، 1980م.

المثاقفة

المثاقفة

المثاقفة في الادب

التثاقف والمثاقفة

التثاقف

التثاقف في علم الاجتماع

مفهوم التثاقف

المثاقفة هي تفاعل بين الثقافات وتأثير  أو تأثر متبادل نتيجة الاتصال الحاصل بينها واحتكاك بعضها ببعض.وهذا المعنى هو المعبر عنه بمصطلح acculturation في اللغتين الفرنسية والإنكليزية.وتتجلى مظاهر هذه المثاقفة فيما تقتبسه ثقافة ما من غيرها من الثقافات وتعمل على استيعابه وتأصيله في كيانها حتى يغدو جزءا منه بعد أن كان في المنطلق طارئا على ذلك الكيان ووافدا عليه من الفضاء الخارجي. (1)

       ولا تقتصر مظاهر المثاقفة على جانب الأخذ والاقتباس فقط بل تتمثل كذلك في جانب البذل والعطاء الذي يمكن أن تؤثر به ثقافة ما في غيرها من الثقافات بحكم المخالطة والجوار أو بفضل رقيها وانتشارها وإشعاعها وذلك لان المثاقفة عملية مشتركة تقوم على مبدأي الأخذ والعطاء وان كانت مسالة التأثر والاستيعاب يمكن أن تحصل من جانب دون آخر كما يمكن أن تكون كلية أو جزئية.

        وتتحكم في عملية المثاقفة هذه عوامل متعددة ومتنوعة منها ما هو موضوعي واضطراري تقتضيه الحاجة والمصلحة وتستدعيه علاقات المجتمعات والشعوب فيما بينها ويجسده طموحها إلى النمو والتطور وحرصها على تحقيق توازنها مع الثقافات الأخرى.ومنها ما هو ذاتي واختياري يحدوه التطلع إلى ما عند الغير واستطراف ما عنده بحثا عن كل طريف وجديد كسرا للرتابة وميلا إلى التجدد والفرادة والتميز. كما تتحكم في هذه المثاقفة عوامل أخرى لا تتصل بالدواعي الحافزة عليها وانما تتعلق بالظروف الحافة بها وبسياق إجرائها وبالوسائل المستخدمة فيها وهي عوامل مؤثرة في طبيعتها وموجهة لسيرها ومحددة لسماتها وملامحها ومشكلة لخصائصها.

      وذلك لان المثاقفة يمكن أن تحدث في سياقات مختلفة ومتنوعة فتختلف وتتنوع باختلاف تلك السياقات وتنوعها فأوضاع المثاقفة بين كيانين اجتماعيين مستقلين ليست كأوضاعها بين الأقليات في كيان اجتماعي واحد وكذلك الشأن بين الجاليات والسكان الأصليين في بلد واحد. كما تتنوع المثاقفة وتختلف بتنوع الوسائل المعتمدة فيها واختلافها إذ هنالك مثاقفة مباشرة وأخرى بوسائط وليست المثاقفة بالوسائط البدائية والتقليدية كالوسائط المستحدثة والمستجدة.

عوائق المثاقفة


          إلا أن هذه الآفاق الواعدة التي أتاحتها العولمة لم تخل مع ذلك من أخطار على طبيعة المثاقفة نفسها بما تشكله من عوائق في سبيلها وما تقيمه دونها من حواجز أو بتحويل وجهتها والعدول بمسارها عن أهدافه المرسومة وتزييف حقيقتها وإجهاض رسالتها. وهي أخطار ناجمة عن المواقف الأيديولوجية لكل من أنصار العولمة ودعاتها وخصومها وعداتها على حد سواء.وتتمثل تلك الأخطار إما في الرفض المعلن للآخر أو في إرادة الهيمنة عليه وفي كلا الحالتين مصادرة للمثاقفة وقضاء عليها. وذلك لان كلا من الموقفين يدعي أصحابه الانفراد بالحقيقة ومن ثمة الانفراد بحق الوجود.

          فالرفض المبدئي و المعلن للآخر يعني الانطواء على الذات وإلغاء مبدأ المثاقفة بكل ما يعنيه ذلك الإلغاء من عزلة وانكفاء وانغلاق وما يستتبعه من جمود وتقهقر. وذلك لان التعويل والمراهنة على رصيد الذات وحده أو ما يسمى بالانثقاف enculturation لا يكفل وحده للحضارة الصمود والبقاء ولا يضمن لها التعايش مع غيرها من الحضارات لان التفاعل الثقافي هو الضامن لذلك التعايش وهو الضامن لذلك البقاء.وبناء على ذلك يعتبر رفض العولمة على أنها شر كلها ليس في صالح أحد مهما علا  شانه وإنما الصالح في مواكبة مساراتها وتعديله إن اقتضى الأمر بوعي وتبصر.

         وأما الهيمنة على ثقافة الآخر أو نزعة إخضاع سائر الثقافات لثقافة القطب الواحد كما هو الحال في عالم اليوم فإنها تخل كذلك بالمثاقفة إخلالا عظيما لان فيها قضاء على أحد طرفيها يؤدي إلى ضرب من الاختراق الثقافي المضر بالهوية الثقافية وبطبيعة الكيان الثقافي في حد ذاته. ولان فيها تنكرا أيضا لواقع التنوع الثقافي الذي يمثل كما سلف أن ذكرنا ركنا أساسيا من أركان المثاقفة. ولتلك الهيمنة الثقافية تجليات شتى وأشكال متنوعة سواء خلال الحقبة الاستعمارية أو بعدها ولكنها تستند في مجملها إلي استخدام القوة وتوظيف السلطة لإخضاع الأخر الثقافي.فكما وظفت في هذا المجال سلطة السلاح استخدمت سلطة المال وسلطة الإعلام للغاية نفسها.فلا مسوغ للحديث في مثل هذه الأوضاع عن المثاقفة وإنما عن ظاهرة أخرى مغايرة لها وان التبست على أذهان الكثيرين ونعني بها ظاهرة الغزو الثقافي.(10)

           فالمثاقفة والغزو الثقافي ظاهرتان مختلفتان ينبغي التمييز بينهما بجلاء وان كان معظم علماء الاناسة من الغربيين يغفلون هذا التمييز أو يتجاهلونه بحكم نظرتهم المركزية إن لم نقل العنصرية وموقعهم على الضفة الأخرى من العالم. فإذا ما كانت المثاقفة ظاهرة إيجابية لأنها طوعية تعتمد المشاركة وتجد في الاختلاف والتنوع الثقافي سبيلا لتبادل المنافع والخبرات و للتطور والنماء فان الغزو الثقافي ظاهرة سلبية لأنها قسرية تروم  تهميش الآخر الثقافي ودك أركان شخصيته القاعدية تكريسا لاستغلاله والسيطرة عليه.

           ولا يمكن للغزو الثقافي أن يفضي في الجملة إلا إلى إحدى نتيجتين إما إلى الصدام بين ثقافتين ورفض إحداهما للأخرى مما يؤول بآفاق التثاقف إلى الانسداد أو الانصهار في الثقافة الغازية مما يؤدي إلى المسخ والاستلاب وفقدان الهوية الثقافية la déculturation ولا يتعلق الأمر في كلا الحالتين بأي مظهر من مظاهر المثاقفة. إلا انه غالبا ما تلتبس بالمثاقفة في هذه الحال ظواهر أخري ليست من طبيعتها وان كان البعض
يخالها منها ومن أهمها ظاهرة التقليد.

           فالتقليد باعتباره تلقيا سلبيا لما عند الآخر هو مظهر من مظاهر الانسلاخ الثقافي وليس من المثاقفة في شيء لان الفعل فيه متأت من طرف واحد بينما يكتفي الطرف الثاني فيه بالانفعال وهو علامة ضعف ووهن وتقهقر وهزيمة في الطرف المنفعل وذلك مغزى قول ابن خلدون إن المغلوب مولع بتقليد الغالب ولذلك أخطاره وآفاته بدون شك لأنه إيذان بانحلال في الشخصية وبذوبانها في الآخر. وفي ذلك مدعاة إلى إدانة التقليد والمحافظة على المناعة الثقافية إذ لا مناعة بدونها لأي مجتمع ولا قدرة له على خوض غمار المثاقفة.

شروط المثاقفة

          ولعله من الضروري لدرء هذه الشبه ورفع هذه الالتباسات تركيز النظر على ضبط شروط المثاقفة وتحديد خصائصها حتى لا تظل هدفا للأوهام والمغالطات ومصدرا لردود أفعال في غير محلها. ومن ابرز تلك الشروط والأركان الاعتراف بواقع التنوع الثقافي وبالخصوصيات الثقافية وبالعلاقة العضوية والحميمة بين الثقافة والمجتمع مما يتعذر معه إخضاع ثقافة لأخرى أو دمجها فيها مادامت متحصنة بأصالتها ومحافظة على مناعتها  ومضطلعة بوظيفتها على قدم المساواة مع سائر الثقافات.

         ومن ابرز تلك الشروط أيضا المشاركة الطوعية والتفاعل السلمي إذ لا مثاقفة إلا بمشاركة إيجابية من كلا الطرفين عمادها حرية الاختيار وتلقائية المبادرة وسيادة القرار بعيدا عن التلقي السلبي وعن أجواء التوتر وضغوط الهيمنة مهما كانت أشكالها وصيغها وسواء أكانت مضمرة أو معلنة وذلك لان التثاقف لا يستقيم ولا يثمر إلا إذا كان نابعا من إرادة حرة ومن تطلعات متأصلة في الكيان الاجتماعي ولم يكن بمثابة تركيبة مصطنعة ومقحمة في ذاك الكيان قد تهدد وجوده في الآن وقد يرفضها مهما طال الزمان.

         إلا أن المبادرة والتلقائية والمحافظة على المناعة والتمسك بالخصوصية ليست وحدها الكفيلة بإنجاز مثاقفة سوية إذ لا بد من أن يتضافر معها عاملان أساسيان أولهما التكافؤ في الوسائل باعتباره الضامن للتوازن بين الأطراف المتدخلة لان احتكار تلك الوسائل والآليات من قبل طرف دون آخر من شانه أن يتسبب في انخرام ذلك التوازن وان يحدث خللا في عملية التثاقف ويفتح الباب على مصراعيه للتسلط والهيمنة. فالتحكم في الوسائل تحكم في الغايات وخنق للمبادرة وكسر للتلقائية وتهديد للمناعة والخصوصية.

         وأما العامل الثاني الذي لا تستوي المثاقفة بدونه فيتمثل في الوعي العقلاني ويقظة الضمير إذ بهما يتم التفاعل الخلاق واتقاء الانخداع والانزلاق وبهما يتسنى انتقاء الأصلح والأفضل والأسمى وفق معايير الخير والحق والجمال وطبق الإحساس بالمسؤولية إزاء الإنسان حيثما كان. وأما في غياب ذلك الوعي فيتعذر الحديث عن تثاقف حقيقي ويضحي من السهل الارتماء في متاهات التقليد الأعمى والانسياق وراء إرادة الآخر والخضوع لمشيئته. ذلك هو الدرس الذي يستخلص اليوم للاستفادة مما أتيح للمجتمعات البشرية من حظوظ المثاقفة وتلك هي العبرة التي نأمل من أجيالنا الراهنة القدرة على تمثلها والعمل بمقتضاها حتى يواصلوا مسيرتهم و يشقوا طريقهم على درب المستقبل بكل ثقة واقتدار.                                  

 

المثاقفة ظاهرة طبيعية


         ومهما تعددت أشكال المثاقفة وتنوعت أطرها فان أصول نشأتها تدل على أنها ظاهرة طبيعية قديمة قدم التاريخ وان لم تكن على مستوى واحد من الحضور والتجسد في مختلف الأحقاب التاريخية.إلا أن ذلك الحضور قد ظل قائما إن قليلا أو كثيرا حتى في المجتمعات البدائية وذلك لأنها ظاهرة طبيعية محايثة للوضع البشري وللوجود الإنساني. وتتمثل تلك المحايثة في خضوع ظاهرة المثاقفة لعاملين أساسيين من العوامل المشكلة لذلك الوضع وارتهانها بخاصيتين ثابتتين من خصائص ذلك الوجود. ونعني بهمها أولا تعدد المجتمعات البشرية وتنوع ثقافاتها عبر التاريخ وثانيا نزوع الكائن البشري نزوعا فطريا إلى التواصل مع غيره .وهاتان الحقيقتان هما اللتان تنهض عليهما المثاقفة مهما تنوعت أشكالها وتعددت أطوارها.وسيظل الأمر كذلك ما استمر التواصل الإنساني وما بقي التنوع الثقافي .

       فالمثاقفة لا تستوي ولا تستقيم دون تواصل بين أفراد النوع البشري وبين المجتمعات الإنسانية. والإنسان كائن تواصلي بالطبع أي منذ أن أدرك أن تواصله مع الآخر أمر ضروري لبقاء نوعه وان انطواءه على ذاته ورفضه للآخر ليس بالضرورة في صالحه بل من شانه أن يهدد كيانه ويجعله هدفا للفناء والاندثار. وقد نشا الوعي بهذه الحقيقة لديه لحظة إصغائه إلى صوت العقل وإقلاعه عن الاستجابة إلى نداء الغريزة وهي اللحظة التي سيطر فيها على ملكاته واستكمل بها فطرته وطبيعته الإنسانية. (2)

       وانطلاقا من هذا الوعي الذي حبر العلامة ابن خلدون في وصفه صفحات رائعة في مقدمة تاريخه (3) نشا الاجتماع الإنساني وبرزت المجتمعات المختلفة إلى الوجود ولكنها ظلت في حاجة أيضا إلى التواصل فيما بينها عبر عقد الصلات وربط العلاقات خدمة لمصالحها وكان الجوار الجغرافي بين تلك المجتمعات من الوسائل الأولى أو الوسائط المبكرة لإنجاز ذلك التواصل.ولم تكتف بذلك الوسيط الطبيعي فعملت على ابتكار وسائط أخرى ما انفكت تجتهد في تحسينها وتطويرها كلما تقدم الزمن وتطورت الثقافات. وكان من النتائج الحتمية لذاك المد التواصلي حدوث ظاهرة التثاقف أو المثاقفة بين المجتمعات الإنسانية.

      وبناء على هذا الواقع التاريخي لا نكاد نجد عند التأمل و إمعان النظر مجتمعا إنسانيا لم يعرف هذه الظاهرة أو استمر وجوده في غنى عنها فكل الثقافات قد استفادت من غيرها إن قليلا أو كثيرا وخاضت غمار تجربة المثاقفة في مرحلة ما من مراحل تاريخها. ولم يعد ثمة وجود اليوم لثقافة يمكنها أن تدعي الصفاء العرقي شانها في ذلك شان المجتمعات اللهم إلا ما شذ وندر من مجموعات نائية أخذت طريقها إلى الزوال الحتمي مؤكدة بذلك القاعدة في ضرورة الأخذ بالمثاقفة.

المثاقفة فعل حضاري


       لقد سبقت الإشارة إلى أن فعل المثاقفة هو إفراز طبيعي وشبه حتمي لفعل التواصل الإنساني أي لخروج الكائن البشري من طور التوحش الذي كان يعتبر فيه غيره عدوا وخصما ينبغي التخلص منه بإبادته والقضاء عليه إلى طور التانس الذي يعتبر فيه ذلك الغير شريكا وحليفا يتعين التعامل معه لضمان البقاء واعمار الكون. فكان ذلك التواصل منطلق التحضر البشري و الأساس الذي انبنت عليه المثاقفة لتسجل مرحلة أكثر تقدما ضمن مراحل التمدن الإنساني.

      وقد أثبتت التجارب التاريخية لمختلف الحضارات أن التفاعل الثقافي عامل أساسي من عوامل نموها وازدهارها وذلك بفضل ما يحدثه من إثراء وإخصاب لها وتنويع في روافدها وتنشيط وشحذ لقدراتها وإبراز لطاقاتها الكامنة وان المثاقفة تظل بمثابة السماد للتربة يقيها الجدب ويكسبها القدرة على مزيد الإنتاج والعطاء فهي  اللقاح الكفيل بابتكار مبادئ وقيم مستحدثة وإنجاب تصورات وخيارات جديدة اقدر على السمو بالوضع البشري وأنجع في تحقيق رقيه وفتح الآفاق العريضة أمام مستقبله. (4)

       كما أثبتت تلك التجارب أن المجموعات البشرية التي توخت سياسة الانزواء والانغلاق ولازمت الانطواء على ذاتها عبر الأحقاب المتتالية سواء أكان ذلك اختيارا منها أو اضطرارا قد ظلت مهما استمر بقاؤها عاجزة عن الصمود أمام الزمن وذلك لأنها دأبت على الاكتفاء بموروثها ومكتسبها وعلى  استهلاك قواها الذاتية واستنزاف رصيدها الحيوي ومخزونها القيمي فغدت فاقدة القدرة على التجدد لأنها لم تجد ما تجدد به نفسها من ذلك السماد الثقافي فأجدبت  وأصيبت بالجمود والعقم وكان مصيرها وقدرها الفناء والاندثار.

       وقد شملت المثاقفة مجالات متعددة وحساسة في حياة مختلف الحضارات وهي مجالات يمكن إجمالها في أربعة ميادين أساسية أولها عالم الأفكار والتصورات وما يجري فيه من تبادل للعلوم والمعارف وقد لعبت المثاقفة في هذا المجال دورا أساسيا في تمكين كل المجتمعات من الاستفادة من نتاج العقل البشري حيثما كان وتوظيفه في سبيل تنمية أوضاعها الحضارية ولولا ذلك لبقيت تلك المعارف حكرا على مجتمع دون أخر ولما تواصل بقاؤها ونموها عبر الزمن. فقد مثلت المثاقفة في هذا المجال صلة الوصل التي بدونها ما كان للإرث الحضاري الإنساني أن ينمو ويستمر بحكم التراكم وبفضل الجهد المشترك. (5)

 وثانيها مجال التواصل اللغوي إذ أثرت المثاقفة في اللغات والألسن وكانت ولا تزال سببا في نموها وتطورها واغنائها بالمصطلحات والمفاهيم الجديدة سواء بصورة مباشرة عن طريق الاقتراض اللغوي نتيجة المعاشرة والمخالطة أو عن طريق ترجمة الآثار المكتوبة من لغة إلى أخرى أو بفضل حركة التبادل التجاري وما ينتقل خلالها من رصيد لغوي عبر ما تحمله منتجاتها من تسميات ومن تعبير عن الخصائص والمواصفات.وبفضل هذه المثاقفة أصبحت اللغات اقدر على البقاء وعلى مواكبة العصر ومسايرة النمو الحضاري. ولا جدال في أن كل لغة هي مرآة لأوضاع مجتمعها وعنوان لتحضره ودليل على نصيبه من الرقي والتمدن. (6)

        وثالثها مجال الإبداع في الفنون والمهارات والخبرات إذ لكل مجتمع تجاربه ومكتسبا ته في هذا المجال لكن المجتمعات ليست على مستوى واحد من نضج تلك التجارب وجودة تلك المكتسبات ولذلك كانت المثاقفة بينها كفيلة بإفراز النتاج الأرقى والأنجع والأكثر طرافة وتميزا وبدفع المجتمعات إلى التنافس في مزيد تحسينه وتجويده واستنباط المناهج والآليات والوسائل والمعدات للبلوغ به إلى الأرقى والأجود والى ما من شانه ضمان المزيد من الرفاه للإنسانية وتحقيق السعادة للبشر في هذا الكون.

       ورابعها مجال التقاليد والعادات والأخلاق والسلوكيات إذ هو مجال أيضا للتأثر والتأثير بين المجتمعات بفعل المثاقفة بينها ويبدو ذلك واضحا فيما اقتبسته تلك المجتمعات من بعضها بعضا سواء على صعيد الغذاء والملبس والسلوك اليومي أو على صعيد طقوس الأفراح والأتراح.ويبدو أن ذلك الاقتباس قد كان في الغالب مستندا إلى اعتبارين هما أولا اعتبار المصلحة والاستحسان وثانيا اعتبار الذوق والمعطى الجمالي والبحث عن الطرافة والجدة وهي نزعات منغرسة ومتأصلة في النفس الإنسانية لأنها تجد فيها قوام حياتها وسعادتها.(7)

         تلك أهم مجالات المثاقفة بين الحضارات وهي تمثل كما هو واضح نسغ الحضارة وصميمها مما يدل على الوظيفة المركزية التي نهضت بها عملية المثاقفة في التقريب بين الحضارات وإحداث التفاعل بينها والعمل على تنميتها وتطويرها إذ أمكن لكل المجتمعات بفضلها أن تستفيد من نتاج العبقرية الإنسانية وان تشارك فيه وان يعم خيره الجميع كما أمكن أيضا لتلك المجتمعات أن تضع الأساس لحضارة كونية هي ثمرة الجهد المشترك لكل الشعوب والحضارات.

 

المثاقفة عبر التاريخ


           وعلى غرار هذا الفعل الحضاري الناجم عن ظاهرة المثاقفة كانت استفادة الحضارات اليونانية والفارسية والرومانية من حضارات الشرق القديمة إذ مكنتها المثاقفة من استخلاص موروثها الحضاري وتمثله واستيعابه والإضافة إليه كما أفادت تلك الحضارات بدورها الحضارة العربية الإسلامية وكانت من الأسباب الرئيسية لتألقها وازدهارها ثم أمكن للحضارة الغربية الحديثة بفضل فعل المثاقفة أن تؤسس نهضتها على ما استفادته من الرصيد الحضاري العربي الإسلامي
وهكذا أمكن الحديث اليوم عن حضارة كونية هي ثمرة ذلك الجهد المشترك وهي الحضارة المعاصرة التي يعيش البشر في ظلها اليوم وان كان أرباب النزعات والإيديولوجيات العنصرية يأبون الاعتراف بذلك.

      ويمكن القول بناء على ما سلف بان الحضارات تزداد تألقا وإشعاعا وتوسعا وانتشارا وترسخا واستمرارا كلما ازدادت حظوظها من المثاقفة ولذلك كانت الحضارات الكبرى عبر التاريخ هي التي استفادت أكثر من غيرها من هذه الظاهرة وعرفت كيف تستثمرها في تفجير طاقاتها الكامنة وتنمية قدراتها على الخلق والإبداع  وتوسيع نطاق تأثيرها وامتدادها مما أتاح لها الترقي إلى مستوى العالمية . في حين لم تغادر غيرها من الحضارات إطار المحلية وربما الهامشية لضمور حظوظها من تلك الظاهرة وانكفائها على ذاتها واكتفائها بموروثها فأصابها الجمود وآذن معينها بالنضوب وشحت بالعطاء ثم أدركها الفناء ولنا على ذلك في تاريخ الحضارات أكثر من مثال. (8)

       إلا أن ظاهرة المثاقفة عبر التاريخ بالرغم مما تبوأته من مكانة وأنتجته من رقي باعتبارها قيمة حضارية قد كانت تتسم بشيء من المحدودية بالقياس إلى مكانتها في عصرنا الحاضر. وتتمثل تلك المحدودية فيما اتسمت به من طابع ظرفي وتفاعل بطيء إذ كانت تحدث من حين لآخر وترتهن بأوضاع دون أخرى في غير تواصل واطراد كما أن حدوثها قد كان يستغرق زمنا طويلا يقدر بالأحقاب وذلك بسبب عدة موانع وعقبات من أهمها الحدود التي كانت قائمة بين العقائد والملل والأديان وتباعد الأقاليم الجغرافية النائية ومحدودية آليات الاتصال ووسائله فضلا عن فترات الصراع والصدام بين الشعوب في شتى المراحل التاريخية.

        وأما في وقتنا الراهن فقد أضحى لظاهرة المثاقفة شان آخر. فبعد أن كانت حالة طارئة على وضع دائم وبعد أن كانت فعلا يتطلب إنجازه ردحا من الزمن أضحت حالة دائمة لوضع قائم وفعلا يقع في الحين والساعة و يتم إنجازه كل لحظة. إذ لم يعد خافيا على أحد أننا نعيش مرحلة زالت فيها الحدود بين المجتمعات فغدت منفتحة على بعضها بعضا وولى فيها التقابل بين المنظومات الاقتصادية ليترك المجال لاقتصاد السوق وللنظام الرأسمالي وانتهى فيها الصراع بين الأيديولوجيات السياسية بانتهاء الحرب الباردة ليحل محله خيار الليبرالية والديمقراطية. وتقاطعت مصالح الشعوب بما جعلها أحوج إلى بعضها بعضا والى التكتل لمواجهة تحديات التنمية وكل الأخطار التي تهدد وجودها ومجالها الحيوي المشترك. ذلك هو الوضع الراهن الذي جعل من المثاقفة اليوم قدرا لا محيد عنه وظاهرة شاملة لكافة المجتمعات.

         ولا أحد يجهل اليوم أيضا ما أحدثته الثورة التكنولوجية والاتصالية والرقمية من تقارب بين الشعوب تقلصت معه حدود الزمان والمكان ونسجت بفضله شبكات من العلاقات بين الأفراد والجماعات حتى غدا العالم أشبه بقرية صغيرة تنتقل فيها المعلومة من أدناها إلى أقصاها بأسرع من لمح البصر ولم تعد تخفى عن أمة من أمر غيرها من الأمم خافية وما عاد بإمكانها أيضا أن تخفي شيئا من أمرها وان شاءت إذ أضحت للإعلام سلطة لا تدانى وبرز إلى الوجود مجتمع إنساني جديد أطلق عليه اسم مجتمع المعلومات أو مجتمع المعرفة. وقد تضافرت كل هذه العوامل الاتصالية مع العوامل الاقتصادية لتنشئ تيارا جديدا من العلاقات الدولية يبشر برؤية كونية ألا وهو تيار العولمة. (9)

         لقد هيأت كل هذه الضروف منذ العقد الأخير من القرن الماضي المناخ الملائم لتفاعل حقيقي وناجع بين مختلف الثقافات يستفيد منه جميعها في تنمية الذات وإثراء قدراتها وإخصاب طاقاتها وفي الإسهام الجماعي في بناء حضارة كونية تطمح إلى إسعاد الإنسان حيثما كان وتضمن التعايش بين كل الشعوب في ظل الحق والعدل والسلام وفي إطار التكافؤ والمساواة.وبناء على ذلك يمكن القول بان العولمة قد أتاحت فرصا ثمينة للمثاقفة لم تكن متاحة في سالف العصور بمثل ما اتسمت به في ظلها من توسع وانتشار ودوام ومن تطور ونجاعة في الوسائل والأسباب.