Search This Blog

الاثنين، 18 فبراير 2019

حكاية مسعود في المدينة

قصة حكاية مسعود في المدينة
تميزت مدينتي في منتصف القرن الماضي بكونها أصغر مدينة في هذا الجزء من المملكة ، كانت في منزلة بين القرية و المدينة ، الكل فيها يعرف الكل ،و الغريب عنها ترصده الأعين منذ أن يدخل المدينة حتى يخرج . من أين جاء ، و أين نزل ، و ما نوع القرابة التي بينه و بين مضيفه
، و لماذا زاره، ، و كم مكث عنده ، وهل ينوي زيارته ثانية ؟ و أكثر سكان المدينة تطرفا في جمع أدق المعلومات عن الغرباء كان هو " مسعود " الزنجي . الجميع يعرفه و هو يعرف الجميع صغيرهم و كبيرهم . و أحيانا يختبر ذاكرته بسؤال أحدهم ، و هو متيقن من الإجابة ، " أنت ابن فلان ؟ " ، فيرد الآخر بالإيجاب ، فيطمئن قلبه ، خاصة إذا كان يعرف أباه و أمه و أجداده حتى .
بعض المسنين قالوا أن مسعود ينحدر من قبيلة زنجية من قبائل " التكرور" ، كان أبوه يتكلم لغة "البامبارا" ، و مسعود ذاته تعلم هذه اللغة ، لكن مع الزمن لم يعد يتكلمها ، أو بالأحرى لم يجد من يكلمه بها،لكنه يردد بعض الكلمات، تعرف أنها للسب و الشتم و البذاءة ، يطلقها على خصومه كالسهام .
قالوا أيضا أن جده لأبيه كان عبدا في " تمبوكتو " ، هرب متأبطا حريته على مطية سرقها من سيده أوصلته إلى منتصف الطريق و نفقت ، فأكمل الطريق مشيا حتى وصل إلى هنا ، ثم تزوج من أمة اشتراها من شيخ إحدى الزوايا بالمنطقة و أعتقها في مسجد المدينة أمام جمع من المصلين، و بذلك حافظ على نطفته في أصوله ، فأنجبت له ابنا وحيدا سماه " مبارك " ، والد مسعود .
ورث مسعود عن والده و جده بنية جسمانية قوية و روحا مرحة خفيفة محبوبة . يمازحه معارفه بمقولة يكررونها دائما " يا ذو الوجه الأسود و القلب الأبيض " ، فيرد عليهم ببداهة
" وجوه بيضاء و قلوب سوداء "، و يقهقه قهقهة الانتصار .
ما سمع أحد في المدينة أن " مسعود " مرض يوما أو زار طبيبا أو تناول دواءا، و كان إذا سمع بأحدهم قد مرض، عاده ، و مازحه بكلمات لا تخلوا من التجريح الخفيف ..
" يا أسفي على الدجاج الأبيض كيف يمرض بسرعة " . و كلما سألوه " ألا تمرض يا مسعود ؟ " رد بانفعال مفتعل " أعوذ بالله من أعينكم يا أولاد الحرام ، فقلبي أبيض ليس كقلوبكم " ثم ينصرف لحاله .
لم تعلمه المدينة إلا سائقا لعربة يجرها حصان إرلندي ضخم ، يحمل فيها أسطال الحليب ينقلها من مزرعة " الخالدي " إلى ثلاث محلبات بالمدينة موزعة على أحياءها ، يملكها حمزة و أحمد و العيد .
بعد جولته الصباحية التي يوزع فيها الحليب على أصحاب المحلبات ، يمر بأحد البقالين يتبضع و يعود إلى المزرعة ، يغيب ساعة ثم يعود في عجالة إلى مقهى " اليزيد " يسأل عما جد من أخبار في غيابه القصير ، يعود هذه المرة على دراجة هوائية " مفلسة" لم يبق منها إلا العجلتين و المقود و الكرسي ، و للفرملة يستعمل رجله اليسرى ، حتى أصبحت هذه الدراجة مضرب المثل في الإفلاس ، كأن يقول أحدهم" أفلس من دراجة مسعود " . و كان مسعود يحتج على كل من لمسها أو حاول إعارتها ، بأنها رأسماله الوحيد في هذا البلد رغم إفلاسها .
طلب منه بعض أصدقائه في مقهى " اليزيد" أن يشتروا له دراجة جديدة ، أو أن يصلحوا له دراجته بإضافة الأضواء والفرامل و استبدال الكرسي المغلف بجلد الخروف بآخر جديد ، لكنه صرخ فيهم
" أنا أريدها هكذا مفلسة يا أولاد الحرام " ، و حلف بالطلاق ألا يسمح لهم بمسها .
سمع الناس قصة مسعود و دراجته المفلسة ، حتى الأغراب حملوا معهم هذه الحكاية ، و تندر بها الجميع مع الزيادة و النقصان ، بل مثلها الأطفال على خشبة الزقاق ، و ضحكوا و أضحكوا أقرانهم و أمهاتهم . لكن تبقى أغرب " مؤامرة " حيكت ضد مسعود هي تلك التي نسج خيوطها أصحاب المحلبات الثلاث
و كان الشيطان قرينهم . اتفقوا على الإيقاع بمسعود و طرحه على فراش المرض ، بشن حرب نفسية قصيرة عليه ، و نفذوا " مؤامرتهم " صبيحة يوم السبت .
فمن عادة مسعود أن يبدأ بحمزة في توزيع الحليب ، و كان حمزة هذا ماكرا ،إذ بادره متصنعا الدهشة
" ما بك يا مسعود ؟ " ، رد عليه مقطبا " لا شيء" . اقترب حمزة منه أكثر و نظر في وجهه و عينيه مليا و أردف " ما لهذا الاصفرار قد غلب على سواد وجهك ؟ " ، انتفض مسعود و رد بكلام نابي ،
و ركب العربة و لم يأبه لسؤال حمزة. و عند وصوله إلى محلبة أحمد ، و قبل أن يرد هذا الأخير التحية عليه ترك كوزا قصديريا يفلت من يده و يرتطم بالأرض محدثا صوتا تنبه إليه المارة ، و صرخ
" ما بك يا مسعود ؟ " رد مسعود باندهاش ، هذه المرة ، " لا شيء ، ما بكم هذا الصباح يا أولاد ..؟ "
تصنع احمد اللبان الجد و أمطره بأسئلة عن هذا الاصفرار الذي على وجهه ، و جاءه بكرسي و أجلسه عليه شبه مرغم واضعا إياه بين الشك و اليقين .
أما عندما وصل إلى محلبة العيد ، جرى صاحبها إليه و ساعده على النزول من العربة ، و منعه من إنزال أسطال الحليب من العربة و قام هو بذلك ، و جاءه بكرسي و كأس من الشاي ، لحظتها لم يشك العيد في نجاح " مؤامرتهم " ، كما لم يشك مسعود في كونه قد مرض ، خاصة لما أحس بوهن شامل يسري في أوصاله حتى كاد يسقط من على الكرسي .. تمالك .. طلب من العيد أن يساعده على ركوب العربة للعودة بسرعة إلى المزرعة .. ففعل العيد بنشاط شيطاني وهو يدعو له بالشفاء و يشيعه بنظرات ظاهرها الحزن و باطنها فرحة " الانتقام " من هذا الذي لم يهزم ، ذو الوجه الأسود و القلب الأبيض .، ذوا الضحكة المنتصرة دوما ، لا يمكن الفصل بين جده و هزله .
المهم أن مسعود انطلت عليه الحيلة و انهزم ، و بهزيمته تندر الناس سنوات ، و علقت الحكاية مكتوبة على جدران المدينة الصغيرة بعد أن حولها أحد المجانين إلى قصة قصيرة ، نشرتها إحدى المجلات ، منهم من قرأها أو قرئت عليه ، منهم من استحسنها و منهم من وصف الكاتب بالمزور للحقيقة ، و منهم من لعن المزاح و المقاهي ، و تساءل عن مصير مسعود إن كان قد قام من سقطته بعد هذه
" المؤامرة المازحة ". و علق آخر على أن أمثال مسعود إذا سقطوا فقومتهم مستبعدة ، و حتى إن قاموا لن يعوا إلى سالف عافيتهم ، و تساءل آخر إن كان مسعود قد اكتشف " المؤامرة " و من دبره ، و هو من لم يذكره الكاتب .
و في المساء قصد جمع من هؤلاء، أحد الذين صنعوا " المؤامرة" ليسمعوا بداية و نهاية الحكاية .

الخميس، 14 فبراير 2019

المظاهر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالمغرب

المظاهر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالمغرب
المظاهر الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب 2018
المظاهر الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب 2017
المظاهر الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب
اهم الاحداث الاقتصادية في المغرب 2018
اقتصاد المغرب 2018
الاقتصاد المغربي 2018
الوضع الاقتصادي في المغرب 2018
القطاعات الاقتصادية بالمغرب

المظاهرة الإقتصادية
تأثير الازمة الإقتصادية على الإقتصاد المغربي من تراجع تحويلات المغاربة في الخارج و بالتالي تدني مداخيل الدولة من العملة الصعبة خاصة و أن متوسط التحويلات للعمالة المغربية بالدار الأوربية تبلغ حوالي 4 مليلرات يورو , كما تضرر القطاع السياحي في ظل تراجع عدد الوافدين للمغرب بغرض السياحة . كما أن الصناعة النسيجية تأثرت أمام تراجع الطلب الخارجي في ظل اقتصاد عالمي يعاني من أزمة اقتصادية عمت مختلف دول العالم. وفي الآونة الأخيرة فمع تعافي الإقتصاد العالمي لايزال المغرب يعرف عجز في الميزان التجاري و فاتورة الطاقة خلال هذه السنة أثقلت كاهل الإقتصاد المغربي في ظل الإظطرابات التي تعرفها بعض الدول المصدرة للنفط مما يؤثر على سعر الذهب الأسود في الأسواق العالمية
إن الواقع الاقتصادي المغربي الهش الذي لا يزال يقوم على اقتصاد الريع، قد فاقم معضلة الفقر والفوارق الاجتماعية التي ازدادت اتساعا بين الأغنياء والفئات المعوزة، وتدني مستوى المعيشة وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين ومعضلة البطالة التي تبتلع مئات الآلاف من الشباب، إضافة إلى فشل السياسات الحكومية في توفير السكن اللائق لفئات واسعة من المواطنين والقضاء على مدن الصفيح والدواوير الحضرية الهامشية وخروج دائرة الاحتجاج الاجتماعي من نطاق التحكم أو التأطير النقابي، في ظل تراجع هذا الأخير و تفشي الانقسامات فيه.

وتبقى أمام هذا الواقع التنمية الاقتصادية اليوم ضرورة ملحة لتجاوز هذا المشكل لأن هذه الأخيرة تعتبر أساس جميع السياسات التنموية في جميع المجالات وخير نموذج في ذلك نقتدي به، ولكن بحذر الدول المتقدمة حاليا في العالم مثل اليابان والولايات المتحدة الأمريكية وما على المغرب في هذا الإطار إلا نهج نفس السياسات لكن مع مراعاة الخصوصيات المحلية من خصوصيات ثقافية واجتماعية وجهوية

تتطلب التنمية الاقتصادية في جميع بلدان العلم مجموعة من الشروط لتحقيقها ولضما نجاحها بشكل يمكن من الوصول إلى الأهداف المسطرة لها وبنتائج مرضية بطبيعة الحال، ومن خلال حالة المغرب يظهر لنا أن التنمية الاقتصادية تستوجب مجموعة من الشروط من ضمنها نذكر ما يلي:
1-   التخطيط وتوفير البيانات والمعلومات اللازمة.
2-   الإنتاج بجودة وتوفير التكنولوجيا الملائمة.
3-   توفير الموارد البشرية المتخصصة.
4-   وضع السياسات الاقتصادية الملائمة.
5-   توفير الأمن والاستقرار.
6-   نشر الوعي التنموي بين أفراد المجتمع.
2_ محددات التنمية الاقتصادية بالمغرب:
أ_ حجم عوامل الإنتاج: أي تلك الطاقة المتولدة من المجهود الذهني والعضلي لأبناء المجتمع ومن ثرواته الطبيعية ورؤوس أمواله.
ب_ مستوى كفاءة عوامل الإنتاج: تتمثل في مستوى خصوبة الأرض الزراعية، ومستوى منابع الثروة الطبيعية، ومستوى إنتاجية الأصول الثابتة، ومستوى إنتاجية القوى العاملة.
ج_ شكل التناسب بين عوامل الإنتاج: والذي يحقق أقصى درجة من الإنتاج، وبالتالي يقل الإنتاج كلما اختلف التناسب الفعلي لعوامل الإنتاج عن التناسب الأمثل.
د_ مستوى تشغيل أو توظيف عوامل الإنتاج: وهو الذي يحدد كمية الإنتاج، وبالتالي فإن الإنتاج يصل إلى أقصى حد عندما يتم توظيف عوامل الإنتاج توظيفا كاملا، وحالة التوظيف في الكامل يعني وجود بطالة مكشوفة في المجتمع.
ه_ نوع تخصيص إستخدمات عوامل الإنتاج  : أي محاولة وضع كل عامل من عوامل الإنتاج في موضعه، والذي يحقق فيه أكبر كفاية إنتاجية ممكنة.
ي_ الإطار الوطني العام الذي تعمل فيه عوامل الإنتاج : وهذا يندرج في إطار مجموع الظروف التي تؤثر بطريق غير مباشر في الكفاية الإنتاجية لعوامل الإنتاج مثل: القيم الثقافية والاقتصادية ورصيد المجتمع من المعرفة التطبيقية بالمغرب.
وهذه المحددات تؤثر بشكل أو بأخر في مسار التنمية الاقتصادية بالمغرب وكل عامل يمس أو يغير من مساره الطبيعي الذي يتخذه لتحقيق النتائج المأمولة يؤدي إلى التأثير في مسار التنمية الاقتصادية بشكل عام، وهذا ما لوحظ في السياسات السابقة للتنمية الاقتصادية وهو ما أدى إلى فشلها في بعض الأحيان أو عدم الوصول إلى النتائج التي سطرت لها من قبل.
3_ مشكلات التنمية الاقتصادية:
** مشكلة التمويل المحلي لمشاريع التنمية الاقتصادية.
** مشكلة التمويل الأجنبي.
** مشكلة التركيز على الأهداف المالية دون مراعاة الجوانب الأخرى لهذه التنمية.
** مشكلة عدم استخدام الموارد المتاحة بالكامل.
** مشكلة التأخر في تنفيذ المشاريع التي تهم التنمية الاقتصادية، وهي من أهم المشاكل التي تعاني منها السياسات الاقتصادية بالمغرب.
** مشكل التوجهات الوطنية فيما يخص الاختيار بين الصناعات الجديدة.
** مشكل يهم انعدام سياسات تهتم بكيفية تصريف المنتجات الصناعية.
** أما المشكل الأخير الذي يهم بشكل جلي التنمية الاقتصادية فيتعلق أساسا بسوء التخطيط والذي يتمثل أساسا في:
_ وضع أهداف عريضة غير مدروسة.
_ عدم قيام نظام فعال لضبط التخطيط.
_ عدم القيام بالدراسات التمهيدية الكافية.
_ الإجراءات الإدارية وتماطلها.[7]
الجهوية والتنمية الاقتصادية بالمغرب:
1_ آليات نجاح الجهوية الموسعة في تحقيق تنمية سوسيو  اقتصادية متوازنة بالمغرب:
أ_إعادة النظر في التقسيم الجهوي وتفادي التضارب في الاختصاصات:
سنتطرق في هذا المجال لنقطتين أساسيتين الأولى هي إعادة النظر في التقسيم الجهوي والثانية تفادي التضارب في الاختصاصات.
** إعادة النظر في التقسيم الجهوي الحالي:
إن التقسيم الجهوي الحالي تعتريه مجموعة من العيوب، وجب إعادة النظر فيها وطرح تقسيم جديد موسع للجهوية يعتمد على تسع جهات فقط، والتي تعتمد أساسا على تحقيق التوازن بين الجهات، وتحقيق الانسجام الداخلي لكل جهة والتكامل الاقتصادي والاجتماعي، و تأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الثقافية التي  تدعم وتكرس وحدة وشمولية الثقافة الوطنية.
إن الحفاظ على الخصوصية الثقافية المحلية وتطويرها يؤدي للحفاظ على الهوية وترسيخ التماسك الاجتماعي، الذي يجعله محركا للتنمية المحلية والجهوية، وهو المجال الأمثل لتوظيف التراث، واستثماره في مسلسل التنمية.
ويجب العلم أنه بدون تشخيص للواقع الجهوي ومعرفة دقيقة بواقع الجهة لا يمكن معه وضع خطط دقيقة وناجحة، كما أنه لا يجب الفهم أن التنوع الثقافي عامل معرقل لوضع الخطط بل العكس، خصوصا إذا تم تصنيف وتخصيص كل فئة وكل ثقافة بما تستحقه من عناية واستجابة لمطالبها [8] ، كما يجب على الجهوية الموسعة أن تقوم على أساس تقسيم جهوي يأخذ بعين الاعتبار،  أن في المغرب مناطق غنية ومناطق فقيرة وان يعمل على الدمج بينهم في إطار تسع جهات عوض 16 جهة ، و أن تقوم على تلازم استثمار كل جهة لمؤهلاتها على الوجه الأمثل مع إيجاد آليات ناجعة للتضامن المجسد للتكامل والتلاحم بين المناطق في مغرب موحد[9] ، إذ لا بد من إعادة النظر في توزيع السلطات وهيكلتها بين المركز والجهات وفق تقسيم جهوي عادل، إذ لا يمكن الحديث عن عدالة اجتماعية بدون عدالة مجالية ، فالتكامل والتضامن بين الجهات سيضمن النمو الاقتصادي المتكافئ والذي بدوره سيضمن النمو والاستقرار الاجتماعي .

المظاهر السياسية
يعتبر النظام السياسي المغربي مزيجًا بين التراث الإسلامي والتقاليد السلطانية والأعراف الديمقراطية الحديثة، تلعب فيه المؤسسة الملكية الدور الأساسي والفاعل الرئيس، بفضل اختصاصاتها الدستورية الواسعة وترسانتها الرمزية الهائلة، وهو نظام يمزج بين المضمر والمعلن والمقدس والمكتوب والعرفي والتقليدي والحديث، يصعب التعبير عنه أحيانا إلا بلغة الألغاز والرموز، ورغم كل ما قد يقال فيه إلا أن كثيرًا من الباحثين يرون أن المعطيات المجتمعية والثقافية – كما سنرى- تثبت أنه يتلاءم مع المجتمع المغربي التقليدي المحافظ ومع طبيعة مزاج الإنسان المغربي.

لكن قبل أن نتعرف على طبيعة النظام المغربي، ينبغي أولا التعرف على موقع كل من المؤسسة الملكية والأحزاب السياسية في النسق السياسي المغربي.
1- مكانة المؤسسة الملكية في المشهد المغربي:
الملك أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية”. “الملك رئيس الدولة وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية. الملك هو ضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرتها الحقة” الفصل 41 و42 من الدستور المغربي 2011.

تحظى المؤسسة الملكية بالمغرب بمكانة عالية ورفعة ما بعدها رفعة، دستوريا وسياسيا وثقافيا، إنها القلب المحرك لجميع أعضاء الجسم السياسي المغربي ومؤسساته، والعقل المدبر لتوجهات البلد الكبرى داخليا وخارجيا. قال عنها الملك الحسن الثاني رحمه الله يوما ما “إنها صنعت المغرب”، إنها المؤسسة التي تتدخل في كل الحقول الدينية والدنيوية.
على مستوى التدبير السياسي العام :
إن الأزمة الخانقة التي تطبع الحياة الاجتماعية للمواطنين، والتدبير الاقتصادي الفاشل ما هما إلا تجل واضح للأزمة السياسية العامة في البلاد ؛ حيث الحقل السياسي رهين اجتهادات فردية، ورؤية أحادية، ظلت تحكم المغرب لمدة عقود، أوصلته في مرحلة من المراحل إلى السكتة القلبية كما شهد بذلك الملك الراحل ..
ومن سمات الأزمة في الحقل السياسي العام :
1 ـ التحكم المطلق من طرف المخزن في المشهد السياسي عن طريق ضمان الولاءات، والضغط بشتى الطرق والملفات لضبط التوازنات ..
2 ـ رهن قضية التوازنات السياسية، وضمان الاستقرار السياسي، بقضية الصحراء طيلة ربع قرن من الزمن .. وما صاحب ذلك من جمود سياسي ..
3 ـ بلقنة الحياة السياسية بتفريخ ما يزيد عن 40 حزبا سياسيا وما يقارب 30 مركزية نقابية معظمها مشلول … وللمرء أن يتساءل : أبلغ الاجتهاد والعبقرية في ميدان تدبير الشأن السياسي إلى درجة أن يُفرَزَ هذا العدد الهائل من الرؤى التغييرية والأنماط السياسية … أم هي الحسابات الشخصية، والمبادرات الوصولية، والتدبير الخفي لتشتيت المشهد ؟!
وسواء كان هذا أو ذاك فإن المخزن هو الرابح الأكبر، ولعل الشعب هو الخاسر الأوحد !!
4 ـ إطلاق ترسانة من التدابير والقوانين الوقائية / الحمائية التي تزيد من تأزم الحياة السياسية، وتحد من الحريات والحقوق، والتي عادة ما تأتي كرد فعل على أوضاع وظروف ومستجدات كما حدث مع قانون الإرهاب وقانون الصحافة ..
5 ـ الانقلاب على ” مكتسب التناوب ” بعد إخراجه من بين فرث ودم، وذلك بتعيين الوزير الأول من خارج تكتل الأغلبية .. وما يوحي ذلك ـ مسبقا ـ بإعفاء من المتابعة والمحاسبة ..
6 ـ سن سياسة التدخل المباشر في كثير من المجالات والقضايا من خلال إنشاء لجن إنقاذ كاللجنة الملكية لإصلاح التعليم، والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وهيئة الإنصاف والمصالحة، والمجلس الملكي الاستشاري لشؤون الصحراء
7 ـ تعطيل مؤسسات عليا كالمجالس العليا للإعلام والتعليم والحسابات ..إلخ..
8 ـ رعاية انتخابات مشبوهة، ومزورة بشهادة جميع الفرقاء السياسيين ..!
9 ـ الاستنجاد بالأحزاب رغم وضعها المترهل في مواقف حرجة كالنداء الذي وجهه الحسن الثاني للقيام بدورها في تأطير الشعب، وبطريقة غير مباشرة محاصرة المد الإسلامي .. وكذا النداء الأخير الذي وجهه محمد السادس الداعي إلى مساهمتها في النقاش لإيجاد ” حل مشرف ” لقضية الصحراء، بعدما ظلت ممنوعة من الحديث في الموضوع طيلة العهد القديم والسنوات الست الأولى من العهد الجديد ..!
وبموازاة الخط السياسي للدولة الذي يحكمه الطابع المخزني، لا بأس من الوقوف عند بعض سمات الأزمة لدى الأحزاب السياسية باعتبارها شريكا للدولة المخزنية في المشهد السياسي العام .. ونجمل ذلك فيما يلي :
1 ـ غياب الديمقراطية الداخلية ..
2 ـ شيخوخة الزعامات السياسية على رأس أحزابها، وعدم استعدادها للتنحي عن كراسيها ..
3 ـ استفحال ظاهرة الانشقاقات الداخلية، واستقلالية أجنحة، ثم إنشاء أحزاب جديدة، غالبا ما تكون نتيجة لخلافات شخصية ..!
4 ـ بروز ظاهرة التوريث الحزبي، وتوريث العشيرة، سواء في أجهزة ودواليب الحزب و الدولة أو عند الترشيح للانتخابات كما حصل في نظام اللائحة المعتمد في الانتخابات الأخيرة ..!
5 ـ عدم الالتزام بالقوانين والنظم الداخلية للمؤسسات الحزبية كما هو الحال في شأن تأجيل المؤتمرات أو عدم عقدها البتة لسنوات طوال ..
6 ـ تبني منطق الإقصاء من خلال اتهام المعارضين من الفرقاء السياسيين المنافسين بالخيانة والتآمر على أمن الدولة ومؤسساتها أو على المسار الديمقراطي .. ونعت المعارضين من داخل الحزب بالفوضويين وغيرها من الأوصاف .. وهو ما ينم عن سيطرة الثقافة المخزنية على سلوكيات الأحزاب نفسها ..
7 ـ ضعف الولاء للأحزاب في أوساط المجتمع، ومحدودية الانخراط في العمل الحزبي، نظرا لفقدان الثقة بها، واعتبارها ـ لدى الرأي العام ـ مؤسسات وصولية موسمية مرتبطة بالانتخابات أولا وأخيرا ..
إن الأحزاب السياسية حسب تقييم أحد المحللين هي نخب تحكمها نخب، وهذه الأخيرة تسيرها شخصيات نافذة (1)..
رابعا = على مستوى السياسة الأمنية :
ظلت المقاربة الأمنية المنتهجة من طرف المخزن هي الدرع الواقي ضد كل أشكال التحرر، والسلاح الأمثل لإسكات صوت المعارضة . وتاريخ المغرب حافل بالاعتقالات والاختطافات، والمحاكمات الصورية، والأحكام الجاهزة بالإعدام أو المؤبد وغيرها من الأحكام القاسية .. بل والزج بالعشرات والمئات في معتقلات سرية .. هذا فضلا عن التصفية الجسدية، وتدبير الاختفاءات القسرية، والسكوت عن مجهولي المصير .. !
وما القِلع والسجون والمعتقلات السرية التي تم الكشف عنها ( تازمامارت ـ قلعة مكونة ـ درب مولاي الشريف ـ دار بريشة …) إلا نزر يسير من خريطة الموت التي رسمتها سنوات الرصاص ..
ورغم خطابات ” تبني خيار المصالحة والقطع مع الماضي …” وإنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة فإن المقاربة الأمنية لازالت هي السلاح الأنجع لمواجهة المستجدات والطوارئ، ومنها :
1 ـ قمع الوقفات الاحتجاجية سواء تلك التي يقوم بها المعطلون، أو تلك التي تشنها القطاعات العمالية والموظفون والأطر .. ولم تسلم من ذلك حتى الوقفات السلمية التضامنية والحقوقية، كما حدث مع الوقفات المنظمة من طرف جماعة العدل والإحسان بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان 10 دجنبر 2001 في كثير من المدن المغربية، ومع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عشية نفس المناسبة أيام وزير الداخلية أحمد الميداوي وريث إدريس البصري .. وكما حدث مع وقفة فاتح نونبر 2005 التضامنية مع معتقلي طلبة العدل والإحسان الإثني عشر المحكوم عليهم ظلما وعدوانا بعشرين سنة سجنا ..
2 ـ حملات الاعتقالات العشوائية إثر كل حدث أو هزة كما وقع عقب أحداث 16 ماي 2003 و11 مارس 2007 .. وفي حملات ” تفكيك الخلايا ” المزعومة ..!
3 ـ حملات الاعتقالات الجماعية، واقتحام المنازل، وسرقة الممتلكات، والتضييق في الأرزاق، والطرد من العمل، وتشميع البيوت، وتلفيق التهم .. والمحاكمات الصورية بالجملة .. والأحكام الجاهزة عن طريق التعليمات .. كما يحدث مع أنصار جماعة العدل والإحسان منذ سنوات، وبشكل حاد في الشهور الأخيرة، لوقوف الجماعة المعارض والرافض للسياسة المخزنية ..
4 ـ تنحية كل من يظهر عجزه أو قصوره في ميدان التدبير الأمني، أو من لا يروق المخزنَ تدبيرُه ..
في إقصاء مكشوف للهيئات التشريعية والتنفيذية من التداول في أي ” خطة أمنية ” ..
5 ـ التركيز ـ في التدبير الأمني ـ على حماية المنظومة المخزنية على حساب الخدمة الحمائية للمواطنين، وضمان الأمن لهم ضد الفساد والجريمة وما يهدد المصالح العامة ..
انطلاقا مما سبق فإن الوضع السياسي العام في المغرب، في تجلياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية، ينحو منحى مأساويا .. والمشهد يزداد قتامة نتيجة الإفلاس الاقتصادي وسوء التدبير المتمثل في الارتجال ( المغادرة الطوعية نموذجا )، وفي الشعارات الجوفاء التي لا تجد لها وقعا في الميدان ( التنمية البشرية )، وهدر المال العام وإنهاك المؤسسات والمجالات الاقتصادية للدولة كمسلسل السرقات أو التفويتات والخوصصة، أو عن طريق الاتفاقيات المشبوهة .. وما إلى ذلك ..
كل هذا على مرأى ومسمع أحزاب باعت أرصدتها التاريخية الهزيلة برقع على خريطة استحقاقات انتخابية تعلم قبل غيرها أنها مشبوهة، موبوءة، مصطنعة .. لتزيين نظام سياسي مترهل، على حساب كرامة الشعب، وحقه في التمتع بخيرات بلاده التي سُرقت منه خلسة وعيانا دون وخز ضمير ..!
وبإزاء ذلك تستمر السياسة المخزنية، وبشكل ممنهج، في تدمير القيم الدينية، ومحاصرة الرؤية الإصلاحية، سواء عن طريق الحصار الإعلامي أو عن طريق التضييقات ضد الفاعلين الحقيقيين بمختلف الأشكال .. وما تعيشه جماعة العدل والإحسان أكبر عربون على ذلك ..
في حين تفرغ وكلاء المخزن لتشجيع الميوعة والفساد في الأرض تحت غطاء دعم السياحة تارة، أو احترام حرية الفرد بما يوافق هذا المسار تارة أخرى .. حيث اكتسحت المخدرات شرائح المجتمع رجالا ونساء بما فيهم الفتيان والفتيات والأطفال، ووجد الشذوذ الجنسي عنوانا له في جمعيات ومنظمات في بلدنا المسلم .. كما تضاعفت وتيرة الإجرام، واستفحل الفقر والأمية والتشرد .. وتدهورت القطاعات الأساسية من التعليم إلى الصحة إلى الشغل .. وكثرت العطالة والبطالة والتسول .. وتراجعت القوة الشرائية لدى المواطن المتوسط، وهي لدى غالبية المواطنين في موت بطيء ..

الاجتماعية
يعيش المغرب على ايقاع تحولات عميقة وهادئة وصامتة أحيانا، ومعلنة أحيانا أخرى، وهذه التحولات مست جميع الحقول والمجالات، ولكن أهم هذه التحولات، هي تلك المتعلقة بالتحولات في عالم القيم والرموز والرساميل الرمزية، والتي همت كل شرائح المجتمع المغربي، وقد برزت هذه التحولات في ثلاث فئات: الشباب، والنساء والأطفال، وقد تعددت العوامل التي ساهمت في تبلور هذه التحولات.
بيد أنه بالرغم من عمق هذه التحولات الاجتماعية والقيمية التي عرفها المجتمع المغربي، فإن المتابعة العلمية والأكاديمية خصوصا السوسيولوجية، بقيت شبه غائبة، ولم تستطع أن تبلور نموذجا تفسيريا لفهم وتحليل مختلف هذه التحولات، ناهيك عن وضع استشرافات مستقبلية لأفق هذه التحولات. مما يجعلنا نتساءل عن سبب هذه الأزمة التفسيرية للعلوم الاجتماعية، وللسوسيولوجيا تحديدا؟ وماهي مختلف التحديات وكذا الرهانات، التي يمكن التفكير فيها مستقبلا لتكون السوسيولوجيا مفيدة وتقدم للمجتع حلولا للقلق الحضاري الذي يعتوره؟
لكن قبل الحديث عن دور السوسيولوجيا في مواجهة الطلب المتزايد عليها، وعن المهمات الجسيمة التي تنتظرها نتساءل ما هي هذه التحولات التي بدأ الكل يتحدث عنها، وهل هذه التحولات عامة وشاملة أم أنها جزئية و بسيطة؟ أم أنها عميقة وجوهرية؟
أولا في رصد بعض التحولات القيمية التي عرفها المجتمع المغربي:
يجب أن نعترف أنه يصعب من الناحية المنهجية الوقوف عند مجمل التحولات التي ميزت مغرب اليوم، وذلك ما يقتضي عملا أكاديميا يتجاوز حدود هذا الشغب الصحفي الذي نمارسه. إذ أن رصد هذه التحولات، لا يمكن في نظرنا أن يكون ممنهجا، إلا بالاعتماد على مقتربات ومداخل علمية متعددة ومتنوعة لفك شفراته الملغزة، وبشكل خاص، الإعتماد على المقاربة السوسيوتاريخية، لأنها في نظرنا المتواضع تشكل أهم المداخل لقراءة الوضع الراهن لهذه التحولات.
إلا أنه بالرغم من هذا الحذر المنهجي، فإننا نجازف بالقول، أن المغرب عرف كغيره من المجتمعات تحولات عميقة ودالة في مجال القيم، ولا نقول بأن هذه التحولات قد قطعت مع ما كان سائدا في الماضي، بل إن ذلك يرتبط بسلسلة من التعقيدات والتداخلات،، والموضوعي والذاتي والسوسيولوجي بالسيكولوجي والسيوتاريخي وتتداخل فيها العوامل الداخلية بالخارجية
من بين الفرضيات التي طرحت مؤخرا لتفسير هذه التحولات، والتي لا زالت تحتاج لكثير من التدقيق، نجد النموذج الذي قدمه الباحث "بلكبير،2012"، حيث تحدث عن أربعة مداخل يمكن أن تشكل جوابا مؤقتا عن طبيعة هذه التحولات: أولا هناك قيم كانت سائدة ومازالت سائدة في المجتمع، لكن شكلها تغير. ثانيا بروز قيم جديدة عوضت قيما قديمة. ثالثا، موت قيم قديمة دون أن يتم تعويضها بقيم أخرى جديدة، رابعا، ظهور قيم جديدة لم تكن معروفة.
فعلى سبيل المثال إذا أخذنا النموذج الأول: نجد أن قيم التضامن ، كانت قيمة سائدة في المجتمع المغربي ولازالت سائدة، لكن الذي تغير هو شكلها، ، ففي السابق كانت هذه القيمة تتم بطريقة ميكانيكية وعفوية وفي مستويات محلية (بين الجيران، داخل الحي، في المسجد، في القرية...)، إلا أنه مع التحولات المجتمعية، بدأت تظهر بجانبها أشكال من التضامن الجديدة، تتماشى مع قيم العالم الحديث، كالتضامن عن طريق جمعيات المجتمع المدني، وخصوصا تلك الجمعيات التي بدأت تطور أساليب جمع التبرعات وتوزيعها في مناطق جد فقيرة بالمغرب، ويتم ذلك عن طريق تنظيم رحلات سياحية للمتطوعين والمتضامنين، ويلتقون بالناس ويتم ذلك بشكل يعيد الإعتبار للحس الإنساني التضامني في مجتمع متحول.
الجانب الثاني في هذه النمذجة، قد تكون هناك قيم ماضية لكنها تموت لتحل محلها قيم جديدة، تعبر عن حالة تفاعل قوي مع مختلف العوامل التي تطرأ على المجتمع المغربي، من ذلك مثلا القيم الجماعية ونقصد بذلك أن الأفراد لم يكن لهم في السابق مجالات للتعبير عن ذواتهم إلا من خلال أداة "نا" الجماعية" سواء داخل الأسرة، أو في الحي، أو في القرية، أو حتى داخل الفضاءات العمومية، ويمكن التعبير عن هذه الحالة في لحظات الاستحقاقات الإنتخابية، في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث نادرا ما نجد أفرادا يقررون التصويت على الحزب وعلى المرشح بمحض إرادتهم، لكن الآن، بحكم عوامل ازدياد وثيرة التعليم واستفادة فئات واسعة من المجتمع المغربي من خدماته، وكونية القيم الديمقراطية، والتدفق الإعلامي الهائل واللامحدود، وغيرها من العوامل، ساهمت في بروز ملمح جديد في المجتمع المغربي، وهو ميلاد الفرد « Sujet »، بما يعنيه ذلك من بروز ثقافة جديدة تعبر عن ذاتها من خلال اتخاذ المواقف والقرارات والاستقلالية وتحمل المسؤولية، ولا يفهم من ذلك أننا نتحدث عن بروز الفردانية كقيمة سلبية تهدد تماسك اندماج المجتمع، بل إننا نتحدث عن قيم جديدة سماها عالم الاجتماع "آلان تورين" عودة الذات" وهذا المفهوم ، يرتبط أولا وأخيرا، بوعي شمولي، وهذا ما يظهر حين نرى الأفكار المقدمة هنا مبثوثة في اللغة المتداولة، والصحافة الشعبية وعلى شاشات التلفزيون التي تغير بدورها رغبات أكبر عدد من الناس. هذا الانقلاب الثقافي تحمل رايته النساء، بنوع خاص، لأنه لا يمكن فصله عن انهيار السيطرة الذكورية وبروز ثقافة جديدة تتحرر من التبعية الذكورية"(تورين،2011). ولعل هذه الإطلالة كافية لفهم انقلاب السلطة داخل الأسرة، وانزياحها نحو المرأة، بحكم تحملها للمسؤولية في كل شيء، داخل الفضاء الأسري، وخارجه، وأيضا يمكن أن نفهم جزءا من هذا التحول داخل المدرسة، حيث انهارت سلطة المدرس والإداري، في ظل التمثلات الجديدة التي يحملها شباب اليوم حول السلطة، فقد تهاوت تلك الصورة الأسطورية التي كان يحملها الجيل السابق عن المدرسة والمدرس. إنها بكل تأكيد ثقافة جيلية جديدة، بالمفهوم "المانهايمي" للجيل.
ثالثا، موت قيم كانت معروفة في السابق، دون أن يتم تعويضها بقيم جديدة، كقيم الطاعة مثلا التي كانت سائدة في الأسرة المغربية، والتي أصبحت متلاشية إن لم نجازف بالقول، إنها بدأت تنعدم، وهو ما يمكن أن نصفه بالفصل بدل الوصل، فصل قيم بدون تعويضها بقيم أخرى، قد يعترض علينا البعض، بأن قيمة الطاعة حلت محلها قيمة الحوار، وهذا الاعتراض وجيه، من حيث، أنه يحيلنا على تحول في نسقية القيم، لكن الذي يجب أن ننتبه إليه، هو أن قيمة الحوار، أصبحت تعني التمرد، وأصبحت تعني فرض قيم جديدة على الآباء، وهو ما توصل إليه العديد من الباحثين في حقلي السوسيولوجيا والسيكولوجيا، عندما اعتبروا أن إلغاء قيم الطاعة في الأسرة أو المدرسة، يعني فقدان السلطة وفقدان مصدر التوجيه، وذلك بدعوى عدم فرض الأفكار والقيم على الأطفال وعدم تعليمهم القيم التقليدية والمتوارثة وترك الحرية لهم ليختاروا ما يشاؤون، وهذه الدعوى إنما تستلهم بوعي أو بغير وعي "امبريالية المقولات الحداثوية" التي نظر لها "نيتشه". وقد برزت بأوضح صورها في موجات التطرف النسواني ضد كل مقومات الأسرة والفطرة واحترام الطبيعة البشرية، والدعوة للمساواة التامة، ورفض الإنجاب ورفض طاعة الزوج وما إلى ذلك. ونحن لا ندعي بأن المجتمع المغربي بدأ يتماهى كليا مع قيم التحرر والتمرد، لكن الذي نريد التأكيد عليه، هو أنه وقع تحول عميق في نسقية القيم وتم استبدال قيم قديمة بقيم جديدة، ومنها قيمة الطاعة العمياء التي كانت سائدة في الأجيال السابقة.
رابعا، بروز قيم لم تكن معروفة في السابق، كقيم الاستهلاك المفرطة، والتي تختلف عن الاستهلاك الذي كان سائدا في الماضي، فقد أصبح الاستهلاك بدون هدف وبدون معنى، فإذا كان في السابق، محددا بغاية وبهدف ، فإنه حاليا، في ظل التدفق الكثيف لوسائل الإعلام وللإشهار الزائد عن الحد، أصبحت قيم الاستهلاك "نمط في الحياة" « live style »، فالإنسان المغربي(طبعا بدون أن نعمم)، أصبح يلهث وراء المال، ووراء البحث عن الطريف والجديد والصارخ والمتفرد، فبدأ ينغمس في العوالم الإفتراضية الوهمية بحثا عن التسلية الواهية، فيحصل له التبدد ثم الضياع، كما قال بذلك "خالد ميار الإدريسي،2012"، ورغم أن الباحث يتحدث عن قيم العالم الغربي ما بعد الحداثي، فإننا نعتقد، أن هذه القيم بحكم طابعها العولمي، أصبحت تغزو كل المجتمعات والأفراد والخصوصيات، بل إننا نعاين أن هذه القيم الجديدة، والتي تسللت لنا من خلال العوالم الإفتراضية، التي فتحت أعين المغاربة، حتى وسط الفئات الفقيرة، على مظاهر الترف "le luxe »"، ومن يعاين كيف أصبحت ثقافة جيل الشباب الحالي، خصوصا في مظاهر اللباس والماكياج، ، يفهم أحد المعاني التي تحدثنا عنها. ولعل هذه الفكرة أن كانت إحدى الإلتفاتات الذكية لعالمة الإجتماع المغربية "فاطمة المرنسي" أطال الله في عمرها.
وقد لا يحقق الأفراد، خصوصا المعدمون منهم إشباعا في هذه القيم الإستهلاكية، مما يخلق لهم انفصامات وتوترات وانكسارات عميقة المدى، مما يجعلهم أحيانا يستعيضون عنها بالدخول في دوامة العنف، أو السرقة، أو بيع أجسادهن،(وهو ما يمكن أن نفهم منه تعاظم وثيرة الدعارة في المغرب بشكل رهيب)، أو الارتماء في عالم المخدرات، والمتابعة الهستيرية لمباريات كرة القدم، وفي بعض الأحيان الوصول إلى حد الإنتحار أو التفكير في الإنتحار... أو حتى في الدخول في حالات من "السكيزوفرينيا" أو "الباتولوجيا" المرضية.
ختاما، نعتقد أننا لم نأت على ذكر جل التحولات التي طرأت على المجتمع المغربي، وربما جازفنا برصد بعض مظاهرها فقط بنوع من الإبتسار والتعسف أحيانا، وللاشارة فهذه التحولات ليست كلها سلبية كما قد يتبادر للذهن، وبالطبع نحن متيقنون أن هناك مظاهر من التحول أكثر تعبيرا، ويبقى السؤال المطروح: ما سر هذه التحولات التي حدثت في كيان المجتمع المغربي؟ وما هو دور العلوم الاجتماعية في فهم وتفسير مختلف هذه التحولات سواء في ثباتها أو ديناميتها، أو في استمرارية بعضها، أو قطيعة البعض الآخر؟
ثانيا في تفسير عوامل التحول القيمي بالمغرب:
لا يمكن الادعاء، بأننا سنقدم جوابا شافيا عن العوامل التي تفسر التحول القيمي في المجتمع المغربي، فهذا من باب المجازفة المنهجية التي لا يقول بها عاقل، لكننا في حدود هذه المقالة المتواضعة، والتي لا نستهدف منها سوى فتح النقاش العمومي في مثل هذه القضايا الشائكة، ورغبة في فتح شهية الباحثين لاستكشاف جوانب المجهول في الموضوع/ الإشكالية.
أ‌) تأثير القيم العولمية على الفئات والجماعات والأفراد، وقد كان لهذه المسارات المعولمة، آثار قيمية، من حيث كونها، مزقت الحدود بين البلدان، بل إن مفهوم الزمان والمكان، تلاشى في ضوء الثورة التكنولوجية، وقد كان ذلك بارزا في ظهور ثقافات جديدة واكتشاف رموز حديثة للهوية، فثقافة السوق خلقت فجوات بين جيل الآباء والجيل الحالي، وهنا يمكننا أن نتحدث عن كيف كان يتمثل القيم الجيل السابق، أقصد جيل الخمسينيات والستينيات ، منظومة القيم، والتي كانت تتسم بنوع من الصبر والنضال والاجتهاد والتحمل والانتظار والقناعة والطاعة حتى حد الخنوع والاستسلام أحينا(محسن،2012). بالمقابل، فإن قيم الجيل الحالي، وبفعل العولمة الإقتصادية والثقافية وفي ظل تزايد وتسارع وثائر التغير، وخلق النماذج الجديدة، فإن الجيل الحالي غدا موسوما "بثقافة الاستعجال و ملحاحية المطالب وارتفاع الحاجات المادية" (محسن،2012) وبدأنا نعاين ميلاد ثقافة جديدة عنوانها العريض التحرر الشخصي والتحرر الاجتماعي.
ب‌) التوجهات الديمقراطية الجديدة، خلقت ثقافة حقوق الإنسان، وتقدير الذات، وقد هيمنت هذه الثقافة بشكل جعلها تمثل سنفونيا جديدة تعزفها الفئات الشبابة والنساء، خصوصا مع تعاظم الدعوات للخروج من السلطوية وتحقيق الدمقرطة في الحياة العامة والخاصة. وقد لا يفهم من هذا التفسير، أن المغرب دخل عهد الديمقراطية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالملاحظ أننا ما زلنا في مرحلة انتقالية تتطلب الكثير من العمل والاجتهاد قصد ترسيخ ثقافة وقيم الديمقراطية، لكن الذي نقصد أن هذه الموجة الجديدة، خلقت وعيا شقيا، حيث ترسخت في الأذهان ثقافة الحقوق بدل ثقافة الواجبات، مما يعني أن الجيل الحالي نشأ في اجواء نسبيا متحررة مما عاشه الجيل السابق، وقد كان لذلك مظاهر التعبير عن الهويات والثقافات والنزعات الإثنية والعرقية والدينية بشكل جلي، فمثلا إذا كان الأمازيغ لم يستطيعوا أن يعبروا عن مطالبهم في السابق بشكل علني وفي الفضاء العام، كما تحدث عن ذلك "ديل إكلمان" في كتابه المتميز ( المعرفة والسلطة في المغرب،1968)، فإن أجواء الديمقراطية هيأت الأجواء للتعبير عن كل الحساسيات المغربية بشكل أو بآخر. ونحن عندما تحدث عن هذه التوجهات، إنما لنربطها بتحول منظومة القيم والعامل الفاعل فيها والمتدخل في تغير توجهات الأفراد اتجاه قيم واستبدالها بقيم الذات، وبروز الفاعل الإجتماعي كفاعل محوري في بنية المجتمع المغربي.
ت‌) الثورة التربوية، وما كان لها من انعكاسات على ثقافة المجتمع المغربي، وهنا نفتح قوسا للتساؤل: كيف نفهم تراجع المستويات التعليمي بالمدرسة المغربية في السنوات الماضية، والحديث عن العامل التربوي، كعامل تغييري؟ أليس في الأمر تناقض؟ أعتقد أن الأمر ليس فيه تناقض ما، بقدر ما يمكننا أن نفهم أن رصد تأثير نتائج التعليم والاستفادة من خدماته لا يمكن قياسه فقط كميا، أي بلغة الأرقام والمؤشرات، فهذا يكمن أن يكون مفيدا، لكن هناك تأثيرات تقع عميقة وهي غير مرئية، وتحدث بهدوء، فمثلا كيف نقرأ الثورة الشبابية في الربيع العربي؟ وكيف نفهم أن الذي قادها، كان أغلبهم من الفئات الشابة والمتعلمة ومن الفئات المتوسطة؟ إلا إذا رجعنا إلى تفسير بالآثر وليس بالنتائج المباشرة لعملية التعليم. وعلى العموم فالأمران يقدمان جدلا يحتاج لمزيد من الإستكشاف البحثي في مستقبل الأيام.
ث‌) تراجع دور المؤسسات التقليدية وانهيار السلطة: كسلطة الزوايا والمساجد والمدارس والأسر في إنتاج وإعادة إنتاج القيم المجتمعية، والحفاظ على استمراريتها، ففي ظل التحولات الآنفة الذكر، وجدت هذه المؤسسات نفسها غير مستوعبة للكثير من التعقيدات التي طرأت على المشهد العالمي وعلى منظومة القيم وعلى مصادر هذه المنظومة، وكيف أصبحت تتسرب إلى مخيال ووجدان الأفرد وتحدث نماذج للسلوك بعيدة عن دور المؤسسات التقليدية، وعلى العموم فإن هذه الظاهرة ليست خاصة بالمجتمع المغربي، بل هي عامة في كل المجتمعات البشرية، فقد تحدث "إيرك هوبزباوم (عصر التطرفات،2011)، "عندما تحدث عن تهاوي المؤسسات الاجتماعية في إنتاج وإعادة إنتاج القيم المجتمعية بسبب التصدعات التي تعرضت لها هذه المؤسسات". ورغم أن الحالة المغربية لا زالت تمثل نوعا من الاستقرار في أداء وظيفة الأسرة كمؤسسة من بين المؤسسات السابقة الذكر، لكنها تعاني هي الأخرى من تصدعات، لان عمق التحولات التي مست بنيتها (خروج المرأة للعمل، والضغوط اليومية التي تتعرض لها كل الأسرة، بدا يعمق حالة التوتر والحيرة والقلق، وما اللجوء القوي للاستشارات السيكولوجية عبر الأمواج الإذاعية الخاصة والعامة، إلا مؤشر على ما ندعيه).
ج‌) العامل الديني، إذا كانت العوامل السابقة التي أتينا على ذكرها تمثل في نظرنا المتواضع أحد المداخل الممكنة لفهم عمق التحولات في المجتمع المغربي، فإن العامل الديني، يعتبر مدخلا حيويا في فهم الخريطة التمثلية عند المجتمع المغربي، وعند مجمل فئاته، فقد استمر هذا العامل في تأدية وظائفه، وإن كان بقنوات جديدة ليست هي المؤسسات التقليدية، بل إنها تقع في مؤسسات دعوية وقنوات فضائية ونخب شابة، ساهمت في رفد القيم المجتمعية، وتقديم نماذج من السلوكات والمواقف والتوجهات التي عملت على مواجهة آثار العولمة الجارفة وأيضا على مواجهة الانكسارات التي تعرض لها المخيال الجماعي، جرا ء تراجع قوى اليسار والقوميين في تقديم البديل عن مختلف الأزمات التي ضربت الوطن العربي، والمغرب واحد منها، إذ أن بروز النخبة الإسلامية بوسائلها وبأطرها وبرامجها وباستفادتها المثلى من التكنولوجيا في وقت مبكر، ومن اختراق انسيابي للفضاء الإعلامي، استطاعت هذه النخب أن تقدم نموذجها وبرنامجها المجتمعي، ولو في حدود معينة، استطاع تجنيب المغرب ومجموعة من الدول العربية، حالة اللامعيارية والصدمة والقلق الوجودي والحيرة السلوكية. ولا شك أن هذا المكون ساهم أيضا في ميلاد فوضى دينية في مجموعة من المستويات، لكنه على الأقل حافظ على توازن المجتمع في لحظات جد عصيبة.