التنظيم
القانوني للعمل العقابي :
تعتمد الدول ثلاثة
أنظمة متنوعة من أجل تنظيم العمل في السجون. فقد يتم ذلك عن طريق نظام
المقاولة العامة L’entreprise générale أو
بأسلوب التوريدLa concession أو وفقاً لنظام
الاستغلال المباشر La régie directe.
أ : نظام المقاولة العامة :
وفقاً لنظام المقاولة
تعهد الدولة
إلى أحد المقاولين بالانفاق الكامل على المحكوم عليهم من مأكل وملبس وأجور
عمل.
ويترك لهذا المتعهد أمر تحديد أنواع العمل التي يكلف المحكوم
عليهم بأدائها ، وشروط ووسائل العمل. ويلزم
المقاول وفق هذا النظام بأن يمد المحكوم عليهم بكل مستلزمات الإنتاج وأن يتولى
هو بيع
المنتجات لحسابه الخاص وأن يتحمل كافة
الأخطار المرتبطة بالعمل وكذلك كافة المخاطر الاقتصادية المرتبطة
بالإنتاج.
وغالباً ما تقدم الدولة إلى المقاول دعم مالي حيث
تزيد في الغالب نفقات تشغيل المحكوم عليهم على ما يحصل عليه مقابل بيع منتجات
المؤسسة[1].
وبالرغم من أن هذا النظام لا يرهق خزينة الدولة ، مما
حدا ببعض الدول إلى الأخذ به مع بدء الثورة الصناعية في أوربا ، إلا أنه يتعارض مع مقتضيات تأهيل المحكوم عليهم. فالمقاول هدفه الرئيسي هو تحقيق
ربح من وراء تشغيل المحكوم عليه بغض النظر عن ظروفهم الاجتماعية والصحية والنفسية. بالإضافة إلى أن المقاول في هذا
النظام يتمتع بنفوذ كبير داخل المنشأة العقابية وعلى المسجونين الأمر
الذي قد يأتي بنتائج سلبية خطيرة تمس أمن ونظام المؤسسة
العقابية[2].
281-
ب : نظام التوريد :
طبقاً لأسلوب التوريد تختار الإدارة العقابية صاحب الامتياز Confectionnaire الذي يمد النزلاء بالمواد الأولية والآلات ويحتفظ
بحق بيع منتجات السجن لحسابه الشخصي. على أن يترك لتلك الإدارة الحق في
الإشراف على
المسجونين[3]
والحق في اختيار المحكوم عليهم المكلفين بالعمل مراعية في ذلك ظروفهم الصحية والنفسية واستعداداتهم
وقدراتهم الخاصة[4].
وتحصل الدولة مقابل توريد
الأيدي العاملة على مبلغ من المال من صاحب العمل. وهذا
المقابل يمثل مكافأة لها وليس مرتباً نظراً لعدم وجود عقد تأجير خدمات لا بين
صاحب العمل والمحكوم عليه ، ولا بين هذا الأخير والإدارة العقابية. فما هو قائم
يوصف بأنه محض عقد إداري وليس عقد عمل بالمعنى الدقيق للكلمة[5].
وقد يتحدد هذا المقابل وفق نظام الإنتاج بالقطعة حيث لا يدفع للدولة مقابل
توريد الأيدي العاملة مبلغاً محدداً جزافاً أو مراعياً فيه أنه أجر للعمل
ولكنه يحدد بالنظر إلى أنه ثمناً لكل قطعة تسلم إليه[6].
ويعيب هذا النظام أن يؤدي إلى التضحية أحياناً ببعض
الاعتبارات العقابية في مقابل الاعتبارات الاقتصادية ، فضلاً عن عدم إقبال رجال الأعمال
على هذا النظام لأنه لا يحقق مصالحهم إذ يحرمهم من الإشراف
الكامل على رؤوس أموالهم المستغلة وفق هذا النظام[7].
282-
ج : نظام الاستغلال المباشر :
بناءً على نظام الاستغلال المباشر تتولى الإدارة العقابية بنفسها تشغيل
المحكوم عليهم والإنفاق الكامل عليهم والإشراف على الإنتاج وتحمل مخاطره الاقتصادية ولا تستعين بأحد في
هذا المجال. فتقوم بتقديم الآلات والمواد الأولية وتختص بالإنفاق
الكامل على النزلاء ثم تسويق المنتجات لحسابها[8].
وتتنوع أغراض الاستغلال المباشر :
فإما أن
يكون الإنتاج مخصصاً لاستهلاك
المؤسسات العقابية أو غيرها من المصالح الحكومية
(الإنتاج للاستهلاك) ، وإما أن يكون الإنتاج بغرض البيع للجمهور
في السوق الحرة (الإنتاج للتسويق) ، وإما أن تستفيد الدولة من تشغيل
المسجونين في المزارع الحكومية والطرق العامة وغير ذلك من الخدمات العامة
(التشغيل للخدمات العامة)[9].
ويمتاز هذا النظام بأن المحكوم عليهم يخضعون للإشراف
الكامل من جانب الإدارة العقابية مما يمكنها من توجيه العمل لهدف الإصلاح والتأهيل.
إلا أنه قد عيب على هذا النظام أنه أحياناً يثقل
الميزانية العامة للدولة حيث تتحمل هذه الأخيرة بنفقات تشغيل المحكوم
عليهم ، وقد تتحمل
بخسارة
لكون إنتاج المؤسسة العقابية أقل جودة عن نظيره في السوق الحر
لنقص المهارات الفنية أو وسائل التقنية الحديثة[10].
بيد أنه لا تجب المبالغة في هذا
النقد حيث أن الاعتبار
الاقتصادي في العمل العقابي يجب ألا يطغى على
الوظيفة التأهيلية والتهذيبية للعمل في السجون. من أجل هذا أوصى البند
رقم 73/1 من قواعد الحد الأدنى لمعاملة المذنبين بأنه من المفضل أن تقوم مصلحة
السجون بإدارة مصانعها ومزارعها إدارة مباشرة وليس عن طريق متعهدين خصوصيين. وهو
النظام المعمول به في السجون المصرية[11].
الطبيعة القانونية للعمل ومقابله
:
طبيعة العمل العقابي :
يثور التساؤل عما إذا كان العمل
العقابي التزاماً يتحمله المحكوم عليه أم أنه حق قبل الدولة. يتجه
الرأي الغالب في الفقه إلى اعتبار أن العمل العقابي كما أنه التزام
يتحمله المحكوم عليه فهو في الوقت نفسه حق له إزاء الدولة[12]. فهو مزيج
بين الحق والواجب ، وإن غلبت مظاهر الالتزام أو الواجب على مظاهر الحق.
وكون العمل العقابي يغلب عليه
طابع الالتزام يعود إلى أن العمل داخل المؤسسات الأصل فيه
الإلزام والاستثناء
أن تعفى بعض الفئات منه لاعتبارات خاصة يقدرها المشرع[13]. فقد نصت المادة 24 من قانون تنظيم السجون على أنه لا يجوز تشغيل
المحبوسين احتياطاً أو المحكوم عليهم بالحبس البسيط
والخاضعين للإكراه البدني[14] إلا إذا رغبوا في ذلك. كما أنه
إذا رفض
السجين أو امتنع عن القيام بالعمل توقع عليه الجزاءات التأديبية التي تقررها
اللائحة الداخلية للسجون وذلك لأن العمل أسلوب للتهذيب والتأهيل وعنصراً في
المعاملة العقابية[15].
وبالرغم من أن العمل له طبيعة
الالتزام إلا
أنه في ذات الوقت يعد حقاً للمسجون ، وذلك لأن صفة المحكوم عليه كإنسان
تلقى على عاتق المجتمع توفير عمل له ، كما أن وصف العمل بأنه أسلوب للتهذيب
والتأهيل يبني على اعتباره حقاً للمحكوم عليه ؛ إذ التأهيل وفقاً للاتجاهات
العقابية الحديثة حق حتى لمن انحرف سلوكه وسلك
سبيل الجريمة[16]. ويؤكد
طبيعة العمل كحق أنه لا يجوز حرمان السجين منه على سبيل العقوبة التأديبية ، حيث يعد ذلك تعسف
من الدولة في استعمال حقها في العقاب.
283-
ب : طبيعة
مقابل العمل :
تستوجب العدالة الجنائية وإنسانية الجزاء
الجنائي حصول
المحكوم عليه لمقابل العمل نظير ما قام
به من جهد إنتاجي أو خدمي داخل أو خارج المؤسسة العقابية. فالعمل ليس جزاء جنائي
وإنما وسيلة لتحقيق التأهيل والإصلاح ويبعد تماماً عن العقوبة التي تقف عند حد سلب
الحرية. فلا شك أن مقابل العمل يشعر المحكوم عليه بقيمة العمل ويمنحه الثقة في نفسه
وفي قدرته على إشباع حاجاته بالطريقة الشريفة بعد الإفراج عنه.
وحق المحكوم عليه في مقابل العمل
ثابت في المواثيق الدولية وفي التشريعات الوطنية. فتنص الفقرة الثانية من المادة
23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لكل فرد ، وبدون تمييز ، الحق
في أجر المثل عن العمل الذي يؤديه". وينص البند رقم 76 من قواعد الحد الأدنى
لمعاملة المسجونين على أنه يجب أن يثاب المسجون على عمله طبقاً لنظام مكافآت
عادلة. وطبقاً لهذا النظام ، يجب السماح للمسجونين بإنفاق جزء على الأقل من
مكاسبهم لشراء الأشياء المصرح لهم بها وإرسال جزء آخر لأسرهم. ويجب أن ينص النظام
أيضاً على احتفاظ إدارة السجن بجزء من مكاسب السجين لتوفير حصيلة تسلم إليه عند
الإفراج عنه.
وقد قررت المادة 25 من قانون تنظيم السجون حق المحكوم
عليهم في الحصول على مقابل أعمالهم في السجن ، وعهدت إلى اللائحة الداخلية للسجون بتنظيم
هذا الأمر. وقد خصصت اللائحة الداخلية للسجون الفصل الثاني منها
لبيان
الأحكام المنظمة
لأجور
المسجونين (المواد من 8 إلى 14)[17].
وطبقاً للمادة 26 من قانون تنظيم
السجون فإنه
لا يجوز توقيع الحجز على أجر المحكوم عليه وذلك دون إخلال بحق إدارة لسجن في خصم
مقابل الخسائر التي تسبب فيها المسجون. ويجوز للمسجون التصرف في نصف الأجر المستحق[18]. أما باقي ما يستحقه المحكوم عليه من أجر فيصرف له عند
الإفراج أو لورثته الشرعيين عند الوفاة.
ورغم أن حق المحكوم عليه في مقابل
العمل متفق عليه ، إلا أنه قد ثار خلاف حول طبيعة
هذا المقابل ، هل يمثل أجراً أم أنه مجرد منحة أو مكافأة يحصل عليها المحكوم عليه ؟
يذهب نفر من الفقه إلى أن المقابل مجرد منحه أو
مكافأة تمنحها الإدارة العقابية للمحكوم عليه. وعلة ذلك أنه لا توجد علاقة تعاقدية بين النزيل والإدارة العقابية. فالأجر
أثر لعقد العمل ، وعمل المسجون لا يحكمه لا عقد ولا قانون العمل[19].
فضلاً عن
كون العمل مفروض على النزيل ؛ والالتزام بالعمل يتنافى مع
تقرير أجر لمن يقوم به. يضاف إلى ذلك أن الإدارة
العقابية تغطي نفقات النزيل وإعاشته من مسكن وطعام وعلاج وترفيه فلا يكون هناك محل
– والحال كذلك – لأن تلتزم بدفع أجر مقابل أداء العمل[20]. وكون
هذا المقابل مجرد منحة أو مكافأة يرتب
أثراً مؤداه أنه ليس للمحكوم علية الحق في أن يتقاضى كل المقابل. بل يتم توزيعه
إلى أجزاء ، قد يخصص منها جزء لتعويض المجني عليه وقد يوضع جزء تحت تصرف المحكوم
عليه وقد يرسل جزء لأسرته. وبالجملة فهو ليس حراً في كيفية التصرف في المقابل ،
لذا فهو أقرب للمنحة منه للأجر.
ويضفي اتجاه أخر – نميل إلى تأييده
- صفة الأجر
على المقابل الممنوح للمحكوم عليه نظير العمل العقابي. لأنه وإن كان العمل التزام على المحكوم
عليه فهو أيضاً حق له كما سبق الذكر ، ومن ثم وجب الاعتراف له بالمزايا المتفرعة عن هذا
الحق وأهمها
أجر هذا العمل. ولا يلزم قيام علاقة تعاقدية مبناها
عقد العمل كي يوصف هذا المقابل بكونه أجراً. فقد يستحق النزيل الأجر استناداً
إلى نصوص القوانين واللوائح والتنظيمات المباشرة. ولا يغير كذلك
من كون المقابل له طبيعة الأجر قيام الدولة بالانفاق على المحكوم عليه وإعاشته أو كون
المحكوم عليه مقيد في التصرف في الأجر ، إذ أن ذلك يتعلق بكيفية توزيع
الأجر ، وهذا أمر لاحق على تقرير مبدأ الأجر ذاته[21].
[1] د . محمود نجيب حسني : المرجع السابق ص188 ، د يسر
أنور علي ود. آمال عثمان ، المرجع السابق ، ص471 ، د. أحمد شوقي أبو خطوة ، المرجع
السابق ، ص612.
[2] د.محمد هشام أبو الفتوح ، المرجع السابق ، ص189 ، د.
يسر أنور علي ود. آمال عثمان ، المرجع السابق ، ص472 ، د. محمد عيد الغريب ،
المرجع السابق ، ص205. لهذه العيوب عدلت فرنسا عن هذا النظام في أبريل من عام
1927.س
G.
Levasseur, G. Stéfani et Jambu-Merlin, op. cit., p. 372.
[3] يوصي البند 73/2 من قواعد الحد الأدنى لمعاملة
المذنبين بأن يكون المسجونين دائماً تحت إشراف مصلحة السجون عندما يستخدمون في عمل
لا تتحكم فيه هذه المصلحة.
[4] د. محمد عيد الغريب ، المرجع السابق ، ص205 ، د.
يسر أنور علي ود. آمال عثمان ، المرجع السابق ، ص472 ، د. أحمد شوقي أبو خطوة ،
المرجع السابق ، ص614.
B. Bouloc,
op. cit., p. 169 et s.
[6] د. محمد هشام أبو الفتوح ، المرجع السابق ، ص189 ، د.
يسر أنور علي ود. آمال عثمان ، المرجع السابق ، ص472.
[7] د . محمد عيد الغريب المرجع السابق ، ص205 ، د.
يسر أنور علي ود. آمال عثمان ، المرجع السابق ، ص472.
B. Bouloc,
op. cit., p. 169 et s.
[10] د. أحمد شوقي أبو خطوة ، المرجع السابق ، ص614
، د.
محمد عيد الغريب ، المرجع السابق ص206-207 ، د. محمد هشام أبو الفتوح ، المرجع السابق ، ص191 وما بعدها.
[12] د. محمد هشام أبو الفتوح ، المرجع السابق ، ص186 ، د. محمد عيد الغريب ، المرجع السابق ، ص204. راجع
عكس هذا الرأي د. غنام محمد غنام ، المرجع السابق ، ص169.
[14] هذه الفئة مضافة بقرار وزير
الداخلية بتعديل اللائحة الداخلية للسجون سنة 1971 (م16).
[16] في ذات المعنى ، د. محمود نجيب حسني ، المرجع السابق ، ص304 وما بعدها ، د. محمد عيد الغريب ، المرجع السابق ، ص205 ، د. محمد هشام أبو الفتوح ، المرجع السابق ، ص188.
[17] وفقاً للمادة العاشرة من اللائحة الداخلية
للسجون يحرم من ميزة أجر العمل المحكوم عليهم بالسجن المؤبد أو المشدد وذلك مدة
تعادل ربع مدة العقوبة المحكوم بها بشرط ألا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات
بصرف النظر عن المدة التي يكون قد قضوها في الحبس للاحتياطي.
[18] وقد حددت هذه المادة أوجه صرف نصف أجر السجين
في أمرين : إما بغرض الحصول على ما يحتاجه مما يسمح ببيعه في السجن ، وإما
بغرض مساعدة
أسرته. وإذا رغب المحكوم عليه في تجاوز نسبة
النصف المسموح
له بالتصرف فيها فإن الأجر يعرض على مدير أو مأمور السجن ليأمر بما يراه مناسباً
وفقاً لظروف كل حالة.
[20] د. أحمد شوقي أبو خطوة ، المرجع السابق ، ص617
، د. يسر أنور علي ود. آمال عثمان ، المرجع السابق ، ص477.
R. Schmelck
et G. Picca, op. cit., p. 293.
Post a Comment