الـعـــمـــــــــــل الـــعـــقـــــــابــــي

أولاً : نشأة العمل العقابي :
     يمكننا التأكيد على أن العمل في السجون Le travail pénitentiaire يرجع إلى فترات لم يكن فيها المعنى الحالي للسجن قد ظهر ، بحسبانه مكاناً لتنفيذ العقوبة الجنائية لا مكاناً للتحفظ على الأفراد لحين محاكمتهم أو لحين تنفيذ العقوبة البدنية عليهم. فحتى في العصور القديمة والوسطى عرف نظام العمل في السجون ، حيث كان المتحفظ عليهم يسخرون في الأعمال الشاقة مثل تجديف السفن وأعمال المناجم أو يرسلون إلى المستعمرات بهدف التنكيل بهم وإيلامهم.

ثم بدأ العمل العقابي يظهر داخل المؤسسات العقابية خلال القرن السادس عشر في هولندا عندما تم إنشاء ما يعرف بمنازل عمل أمستردام Les maisons du travail d’Amsterdam . بيد أنه في تلك الأثناء لم يكن العمل داخل المؤسسة العقابية إلا وسيلة للإيلام المحكوم عليه والحد من طاقته البدنية وخطورته الإجرامية ، فهو أقرب إلى أن يكون عقوبة تكميلية إلى جانب العقوبة السالبة للحرية[1].

وقد استمر الحال هكذا حتى بدايات القرن التاسع عشر وظهور الدعوات الفكرية للحد من قسوة العقوبات والاهتمام بشخص المحكوم عليه والسعي نحو إصلاحه وتأهيله ، بحيث يغدو هذا الإصلاح هو هدف العقوبة الأسمى ويعلو على الإيلام والتكفير. وكان من ثمار هذه الأفكار أن تغيرت النظرة للعمل في السجون. فلم يعد هذا الأخير أحد عناصر العقوبة بل أصبح أداة ووسيلة للتأهيل تهدف إلى الحفاظ على التكامل الجسدي والنفسي للمحكوم عليه. ولقد راج هذا المفهوم مع ظهور فكرة السجون الجماعية (النظام الأوبراني) التي تقوم أساساً على فكرة تشغيل المحكوم عليهم في الأعمال الصناعية والزراعية بما يعود بالفائدة على الدولة وعلى المحكوم عليه أيضاً.

271-          ثانياً : العمل العقابي في المؤتمرات الدولية :
     إن أهمية العمل العقابي قد جعلت منه موضوعاًً للبحث من قبل العديد من المؤتمرات الدولية. ويمكننا أن نشير هنا بصفة خاصة إلى المؤتمر الدولي الذي انعقد في لاهاي La Hayes بهولندا في عام 1950 ، والذي أوصى بثمان توصيات عن العمل العقابي نذكرها على النحو التالي[2] :
*- أن ينظر إلى طبيعة العمل في السجون كأحد وسائل المعاملة العلاجية للمسجونين ، واعتباره حقاً لهم جميعاًُ ، ولو أنه التزام كذلك. وأن تتحمل الدولة عبئ تدبيره لهم ، على أن يكون لهم الحق في اختيار العمل الذي يريده كل منهم في حدود ما تسمح به احتياجات التدريب وإدارة السجن ونظامه.
*- تنظيم العمل في ظروف مشابهة للعمل الحر.
*- أهمية هذا التشابه في تحقيق الأغراض التربوية والاقتصادية والاجتماعية للعمل في السجون.
*- دحض دعوى منافسة عمل السجناء للعمل وللصناعة في خارج السجن.
*- وجوب التعويض عن إصابات العمل وأمراض المهنة وتمتع السجناء بنظم التأمين الاجتماعي القائمة في البلاد.
*- وجوب أن يتقاضى المسجون أجراً عن عمله يحسب على أساس القواعد السائدة خارج السجن.
*- أن يكون الغرض من العمل بالنسبة للمجرمين الصغار هو قبل أي اعتبار أخر تعليمهم حرفه. ويلزم لذلك تنويع الحرف لمواجهة كل احتياجات هذا التعليم.
*- وجوب توفير أسباب استغلال المسجون لوقت فراغه في ممارسة هواياته فضلاً عن أوجه النشاط الذهني والتدريب الرياضي.

كما يمكننا كذلك أن نشير إلى ما قرره مؤتمر جنيف الدولي الجنائي العقابي عام 1955 من أنه "لا يعتبر العمل عقوبة إضافية وإنما هو وسيلة للسير قدماً بتأهيل المسجون وتدريبه على العمل وتكوين عادات أفضل خاصة بالعمل لدية". كما أكد هذا المؤتمر في توصياته على أن مصالح المسجونين وتدريبهم المهني يجب ألا يخضع لمقتضيات تحقيق ربح مالي من الصناعة في السجن[3].

وهكذا انتهى العمل العقابي الآن إلى أن أصبح وسيلة لتأهيل المسجون وعنصراً يهدف إلى تقويمه ولا شأن له بالعقوبة المقضي بها.

281-                   ثالثاً : أغراض العمل العقابي :
     يهدف عمل المحكوم عليه داخل المنشئات العقابية إلى تحقيق العديد من الأغراض : فهو أولاً وسيلة لمنع البطالة السجونية التي قد تدفع المحكوم عليه إلى التمرد على النظام الداخلي للمؤسسة العقابية[4]. فقد لوحظ أن المحكوم عليه الذي لا يعمل ينصرف تفكيره إلى أنه ضحية لمظالم وهمية ويزداد من حقده على نظام المؤسسة والعاملين فيها فيتجه إلى الإخلال بالنظام القائم فيها. فالعمل العقابي يستنفذ الطاقات الجسدية المعطلة للمحكوم عليه بما يجعله يصرف تفكيره إلى الأشياء المفيدة ويجعله راضياً عن نفسه وعن معيشته في السجن ، الأمر الذي من شأنه أن يسهل من تعاونه مع الإدارة العقابية ونجاح كل مجهود يبذل من أجل تهذيبه وتأهيله[5].

يضاف إلى ذلك أن العمل العقابي يحقق غرض العقوبة ، حيث أن للعمل في السجون طبيعة عقابية. يؤكد ذلك أن كثير من القوانين تجعل السجن المؤبد أو المشدد عقوبة لبعض الجرائم شديدة الخطورة ، كما أنها تفرق في عقوبة الحبس كمثال لأخف العقوبات السالبة للحرية بين الحبس البسيط والحبس مع الشغل. وقد يكون العمل بديلاً عن الحبس إذا لم يفي المحكوم عليه بما عليه من غرامات أو المصاريف أوما يجب رده من تعويضات ، فيما يعرف بنظام الإكراه البدني الذي يمكن للمحكوم عليه أن يطلبه قبل أن تصدر النيابة الأمر به[6].

وإذا كان من بين أغراض العقوبة إعادة تأهيل المحكوم عليه ، فلا شك أن أداة ذلك هو إخضاع المحكوم عليه للعمل العقابي. فبهذا الطريق يمكن تدريب المحكوم عليه على حرفة معينة تتلاءم مع ميوله واستعداده الشخصي وتساعده على الاستمرار في مباشرتها بعد الإفراج عنه ، مما يباعد بينه وبين الإجرام في المستقبل.

ولا شك أنه يسهل تأهيل المحكوم عليه عن طريق العمل كلما كان النظام العقابي للمنشأة يقترب من الحياة العادية والطبيعية للإنسان (النظام الأوبراني). فهذا النظام الأخير يتيح أكبر فرصة لاجتماع المحكوم عليهم نهاراً ويهيئ فرصة العمل الجماعي ، مما يساعد على تنمية قدرات المحكوم عليه وإكسابه مهارات فنيه جديدة[7]. وتزداد فرصة التأهيل أكثر كلما كان العمل يمارس خارج المنشأة العقابية. حيث يتيح له ذلك التدريب على الوسائل الفنية الحديثة التي تتطابق مع ما سوف يراه من أدوات عند خروجه من المؤسسة ، كما يساعد أداء العمل في الوسط الحر على حفظ التوازن النفسي والبدني للمحكوم عليه وحفظ صلاته وروابطه الأسرية والاجتماعية.  

على أن للعمل أيضاً غرض اقتصادي سواء بالنسبة للنزيل أو بالنسبة للدولة. فالعمل يساعد المحكوم عليه على ادخار جزء من مقابل العمل الذي يتقاضاه داخل المؤسسة يساعده حين الإفراج عنه على مواجهة الأعباء المادية للحياة. كما أن العمل العقابي يحقق مصلحة اقتصادية بالنسبة للدولة. فهو من ناحية يساعد في تخفيف العبء الإنفاقي للدولة حيث تستقطع هذه الأخيرة جزء من أجر عمل المحكوم عليه مقابل تعهدها بإعاشته. ومن ناحية أخرى فإن العمل السجوني أداة لزيادة الإنتاج والتنمية في الدولة ، حيث يدر العمل عائداً مالياً لها ناتج عن بيع ما تنتجه ورش العمل داخل وخارج المؤسسات العقابية. على أنه يجب أن يظل هذا الغرض بالنسبة للدولة غرض ثانوي بحيث إذا كان هناك تعارض بين مقتضيات تأهيل المحكوم عليه وبين زيادة الإنتاج وربحية الدولة فإنه يجب التضحية بهذا الغرض الأخير[8].

وتتنوع الأعمال التي يمكن أن يكلف بها المحكوم عليه. فقد تكون تلك الأعمال صناعية أو زراعية. وفي رأينا أنه يجب أن يترك للنزيل الحق في اختيار ما يناسبه من عمل ، على أن يكون هذا العمل منتجاً حتى يقبل عليه المحكوم عليه وأن يكون نوعه وأسلوبه مطابقاً لما هو كائن خارج المؤسسة العقابية[9] ، وأن يتقرر له مقابل عادل يتقاضاه المحكوم عليه حتى يشعر بقيمة العمل ويتعلق به ويدفعه إلى الاستمرار فيه بعد انقضاء مدة العقوبة.

وبصفة عامة – ووفقاً لما تنص عليه البند رقم 71/1 من قواعد الحد الأدنى لمعاملة المذنبين – يجب ألا يكون العمل في السجون ذا طبيعة مؤلمة[10]. ونري أن العمل يكون كذلك إذا كان يزيد على قوة المسجون البدنية ، أو إذا كان يوقع به ألماً لا مبرر له ، أو كان يشكل خطراً على صحة المسجون[11].


[1] د. يسر أنور علي ود. آمال عثمان ، المرجع السابق ، ص457 وما بعدها. ولمزيد من التفصيل ، د. حسن علام ، العمل في السجون ، دراسة في النظرية العامة للعمل في النظم  العقابية ، رسالة دكتوراه ، القاهرة ، 1960.
B. Bouloc, op. cit., p. 164 et s.
[2] راجع د . رءوف عبيد ، المرجع السابق ، ص528-529 .
[3] راجع التوصية رقم2 لمؤتمر جنيف 1955 ، د. حسن علام ، المرجع السابق ، ص76-77.
[4] د. محمد عيد الغريب ، المرجع السابق ، ص202-203.
 [5] د. محمود نجيب حسني ، دروس في علم الإجرام والعقاب ، دار النهضة العربية ، 1982 ، ص.302.
 [6] د. محمد عيد الغريب ، المرجع السابق ، ص202 وما بعدها.
[7]  B. Bouloc, op. cit., p. 167 et s.
[8]  د. محمد هشام أبو الفتوح ، المرجع السابق ، ص168.
[9] يردد هذا الأمر البند رقم 72 من قواعد الحد الأدنى لمعاملة المذنبين بقوله "يجب أن يكون تنظيم العمل ووسائله في المؤسسات العقابية على غرار مثيله في المجتمع الخارجي على قدر المستطاع ، حتى يمكن تهيئة المسجونين وإعدادهم لمواجهة الظروف الطبيعية للحياة المهنية".
[10] وتطبيقاً لذلك فقد ألغى وضع القيد الحديدي في قدمي المحكوم عليه بعقوبة الأشغال الشاقة أثناء العمل وذلك بالقانون رقم 57 لسنة 1955.
[11] د. غنام محمد غنام ، المرجع السابق ، ص171.

Post a Comment

Previous Post Next Post