نشأة
البنوك المركزية وتطورها
لقد أطلق
عليها بنك الإصدار خلال القرن 19 وحتى
الحرب العالمية الأولى، وبعد ذلك استبدل بالبنك المركزي، وكان يقتصر دور هذا الأخير في ذلك الوقت على إصدار البنكنوت والمحافظة على ثبات
قيمة النقد في المبادلات الخارجية، وبعد ذلك أصبح
يتولى أيضا تنظيم الائتمان[1].
ومع انعقاد المؤتمر الدولي في بروكسل سنة 1920 قرر ضرورة
قيام كل الدول بإنشاء بنك مركزي بغرض إصلاح نظامها النقدي والمصرفي، بما يحقق
إمكانية الدول في المساهمة في التعامل الدولي، ومن ثم فقد نشطت حركة إنشاء البنوك
واستمرت كذلك خلال الخمسة والعشرين سنة التالية، وهكذا أصبح لكل دولة حاليا
بنكها المركزي.
فالبنوك
المركزية إذن نشأت في بادئ الأمر كبنوك تجارية ثم أضيفت لها وظائف جديدة، وكان بنك
ستوكهولم بالسويدô وبنك انجلترا من بين أول البنوك المركزية التي تأسست في بداية
منتصف القرن السابع عشر أي عام 1694 ، ومع نهاية الحرب العالمية الأولى
ونظام البنوك المركزية في انتشار مستمر حتى لم يعد يخلو من وجود بنك مركزي، وقد
حدث ذلك إما عن طريق تحويل بنوك تجارية كبيرة كانت تقوم ببعض وظائف البنك المركزي
عن طريق إعطائها الصبغة القانونية بواسطة إصدار التشريعات، وبلدان أخرى قامت
بإنشاء بنوك مركزية جديدة.
ب- خصائص البنك المركزي:
هناك عدة خصائص يتصف بها البنك المركزي من
أهمها[2]:
- يشغل
مركز الصدارة، فضلا عن الوظائف التي يقوم بها، و له قدرة خلق وتدمير النقود
القانونية.
- يتمتع
البنك المركزي بقدرة تحويل الأصول الحقيقية
إلى أصول نقدية.
- يقوم
البنك المركزي بتنظيم النشاط المصرفي باعتباره مؤسسة عامة، كما تشارك الحكومة في
رسم السياسة النقدية للبلاد، وتنفيذ من خلالها دور المراقب والموجه.
-
يقوم
بإصدار النقود القانونية ويلبي الاحتياجات المالية للحكومة.
- يقوم
البنك المركزي بمراقبة البنوك التجارية على نحو يسمح للدولة بمباشرة سياستها
النقدية.
ج- وظائف
البنك المركزي:
ويمكننا أن
نجمل الوظائف التي تقوم بها البنوك المركزية في العصر الحديث فيما يلي[3]:
·
البنك المركزي ووظيفة
الإصدار:
ينفرد البنك المركزي بوظيفة إصدار النقود القانونية، ووظيفة
إصدار أوراق البنكنوت هي أولى وظائف البنك المركزي وتعتبر الوظيفة الأساسية التي
تميزه عن البنوك التجارية، وهذا ما يفسر في هيمنة سلطته على جميع البنوك في الجهاز
المصرفي، فعندما أصبحت أوراق النقود عملية قانونية ذات قوة إبراء غير محدودة وزادت
مكانة البنك المركزي داخل الجهاز المصرفي، كما أن تركيز وظيفة الإصدار في بنك واحد
نتج عنه ما يلي:
- زيادة
ثقة جمهور المتعاملين في الأوراق النقدية المصدرة.
- تمكين
البنك المركزي من التأثير على حجم الائتمان من خلال التأثير على حجم الاحتياطات
النقدية لدى البنوك التجارية.
- وحدة
النقد أي تحقيق الوحدة والتماثل في نظام النقود الورقية.
- سهولة
اتخاذ السياسات النقدية وتنفيذها.
- الثقة
بالنقد المتداول على اعتبار أنه صادر من السلطة النقدية في الدولة كما حدث تغيير
في نظم الإصدار النقدي وذلك بتغيير التوجهات السياسية والاقتصادية.
· وظيفة
بنك البنوك (المقرض الأخير):
إن هذه الوظيفة تمثل علاقة البنك المركزي بالبنوك التجارية
الأخرى، فعلى اعتبار أنه يقع على قمة الجهاز المصرفي فهو يمثل بذلك سلطة رقابة على
جميع البنوك المندرجة ضمن الجهاز المصرفي، وتتلخص سلطته فيما يلي:
- تلتزم
البنوك التجارية بإيداع جزء من رصيدها النقدي لدى البنك المركزي يعادل نسبة معينة
من التزاماتها، وهذه النسبة تحددها إدارة البنك المركزي قصد حفظ حقوق المودعين
وتحقيق رقابة فعالة على البنوك خاصة فيما يخص خلق الودائع.
- يلتزم
البنك المركزي بإتاحة وحدات النقد القانونية لتحقيق السيولة اللازمة لمواجهة
احتياجات المصارف.
- يقوم
البنك المركزي بدور الوسيط بين البنوك التجارية لسيولة الديون والحقوق الناشئة عن
تعديل المعاملات، ويقوم بذلك عن طريق غرفة المقاصة.
- الاحتفاظ
بالاحتياطات النقدية للبنوك التجارية وكذا ودائعها، حيث يتلقى البنك المركزي
الاحتياطات القانونية للبنوك التجارية في حسابات هذه الأخيرة، وهي إجبارية لا يجوز
التصرف فيها من جانب البنوك التجارية.
-
الإِشراف على عمليات
المقاصة بين البنوك ويكون ذلك نتيجة العمليات اليومية للبنوك التجارية التي تتم عن
طريق التعامل بالشيكات فيما بين المتعاملين الاقتصاديين أصحاب الحسابات لدى هذه
البنوك.
·
وظيفة تقديم الاستشارة
للحكومة (بنك الحكومة):
كما يعتبر البنك المركزي وكيل الحكومة، ومستشارها المالي في
جميع عملياتها المالية، وتتلخص أهم خدماته فيما يلي:
- يقرض
الحكومة عند الحاجة عن طريق إصدار عملات ورقية.
- مسك
حسابات المصالح والمؤسسات الحكومية، حيث أن الحكومة تودع كل أو بعض أموالها لديه،
وتسدد ديونها بشيكات مسحوبة عليه.
- إصدار
ودفع الفوائد وتسديد القروض نيابة عن الحكومة.
- المساهمة
في صنع القرارات المالية للدولة والعمل على تطبيقها؛
- القيام
بعملية السداد فيما يخص القروض العامة، والعمل على تنظيم الدين العام.
- تقييم
الاستثمارات المالية والنقدية للحكومة بهدف اتخاذ الإجراءات المناسبة.
- تقديم
الخبرة والمشورة في الشؤون النقدية والمالية خاصة فيما يتعلق بالاتفاقيات الدولية.
- تقديم
مختلف أنواع القروض للحكومة أو الخزينة في حالة الحاجة إلى ذلك (عند
عدم التوافق الزمني بين الإيرادات والنفقات).
- يتولى
البنك المركزي مهمة إصدار القروض العامة نيابة عن الحكومة ويقوم بإجراء عملية
الاكتتاب وإصدار سندات القروض ودفع فوائدها وتلقي أقساط استهلاك القروض بتكليف من
الحكومة.
- تحتفظ
الحكومة بحساباتها لدى البنك المركزي ويقوم هذا الأخير بتسجيل إيراداتها وتنظيم
مدفوعاتها خاصة الخارجية منها.
- تسيير
احتياطي الدولة من الصرف الأجنبي، حيث أصبح البنك المركزي بنكا للرقابة على
التحويل الخارجي في الكثير من البلدان إذ يحصل عليها من
القطاع الأجنبي عندما يكون ميزان المدفوعات للدولة في حالة فائض.
·
وظيفة الإشراف على
الائتمان وتوجيهه:
تعتبر هذه الوظيفة من الوظائف الحديثة للبنوك المركزية، إذ
أنها ترتبط ارتباطا وثيقا بعملية خلق نقود الودائع من قبل البنوك التجارية، حيث
يمارس البنك المركزي رقابة توجيهه على أعمال البنوك التجارية التي تتنوع أهدافها
ووظائفها بتنوع الأعمال الاقتصادية داخل الدولة، ويكون ذلك عن طريق إجراء الفحص
الدوري، ومراجعة أعمال الإدارة، والتحقق من كافة رأس المال والأموال الخاصة، كما
أنه يحق له حسب بعض التشريعات الإطلاع على الحسابات المدينة، و يمكنه أن يؤثر في
السياسة الائتمانية للدولة بفعل أدوات معينة سواء مباشرة أو غير مباشرة.
·
إدارة الاحتياطي
القانوني أو الإلزامي:
يتمثل الاحتياطي في نسبة من ودائع البنك يحتفظ بها لدى
البنك المركزي، وإن كانت بعض التشريعات لا تمانع من اعتبار النقدية الموجودة في
خزينة البنك جزء من الاحتياطي القانوني، ولا يدفع البنك المركزي فوائد على
الاحتياطي المحتفظ به لديه[4].
د- مؤشرات
استقلالية البنك المركزي:
عرفت العلاقة بين البنوك المركزية والحكومات منذ النشأة
الأولى إلى الوقت الحالي العديد من التطورات، وذلك راجع لتطور وظائف البنوك
المركزية، وكذلك لتأثرها إلى حد كبير بالنظام الاقتصادي المتبع، كما هناك اعتراف
على نطاق واسع بدور البنك المركزي في مجال السياسة النقدية[5]
حتى وإن كان ذلك بالتشاور مع السلطات السياسية، وهذا ما يقودنا إلى التسليم بوجود
درجات البنوك المركزية، فمثلا يعتبر البندز بانك الألماني والبنك الوطني السويسري
أكثر البنوك المركزية استقلالية، في حين يعتبر بنك فرنسا وإنجلترا مستشارين
ومنفذين للسياسة النقدية وتقع على الحكومة مسؤولية القرارات الهامة المتعلقة
بالسياسة النقدية، ويتمتع البنك المركزي الهولندي، والنيوزيلندي باستقلالية كبيرة
في مجال السياسة النقدية، لكن بإمكان الحكومة فرض وجهة نظرها عليه.
ولقياس
درجة استقلالية البنك المركزي هناك معايير مختلفة أهمها[6]:
- طول
مدة تعيين المحافظ ومدى قابليتها للتجديد؛
- مدى
انفراد البنك المركزي بصياغة السياسة النقدية؛
- الجهة
المخولة بحل التعارض في مجال السياسة النقدية؛
- مدى
إمكانية منح قروض للخزينة العامة؛
- طبيعة
القروض الممكن منحها وشروطها؛
- حدود
الإقراض الممكن منحه وشروطه؛
- مدى
إمكانية ممارسة المحافظ لمهام أخرى والجهة المخولة له إصدار الإذن بذلك؛
- مدى
إمكانية البنك المركزي في إعداد الموازنة العامة
.
يعتبر ترتيب البنوك المركزية حسب درجة استقلاليتها أمرا
صعبا لا يخل من التجربة والاجتهاد، ويمكن أن نقيس درجة الاستقلالية بالاعتماد على
معيارين أساسيين هما الاستقلالية العضوية والاستقلالية الوظيفية:
· الاستقلالية
العضوية: وتتعلق
هنا بشروط المسيرين في البنك المركزي[7]،
وممارستهم لوظائفهم المختلفة، ويمكن القول أنه يشترط تعيين المحافظ ومدة تعيينه
وكذا حمايته ومدى مشاركة السلطات في البنك فمثلا في الولايات المتحدة الأمريكية
واليابان لا يتم تغيير محافظ البنك المركزي، ولكن في فرنسا وهولندا وبلجيكا، فإنه
يمكن توقيفه على ممارسة وظائفه، ومدة تعيين المحافظ تختلف من دولة لأخرى، ولكن
تحتفظ الحكومات بسلطة هامة في تعيين المسيرين.
· الاستقلالية
الوظيفية: تتحدد
بالنظر إلى مسؤوليات ومهام وأهداف البنوك المركزية، وكذلك استقلاليتها المالية،
فكلما كانت أهداف السياسة النقدية غير واضحة وعديدة كلما قلت درجة استقلالية البنك
المركزي.
ô ستوكهولم:
هو أقدم البنوك المركزية نشأة حيث تأسس
عام 1656 كبنك تجاري ثم أعيد تنظيمه كبنك للدولة عام 1868، وتأسس بنك فرنسا 1800.
[7] شملول حسيبة، أثر
استقلالية البنك المركزي على فعالية السياسة النقدية، دراسة حالة بنك الجزائر،
رسالة ماجستير غير منشورة، تخصص النقود والمالية، كلية العلوم الاقتصادية و علوم
التسيير، جامعة الجزائر، سنة 2001، ص 97.
إرسال تعليق