أثر تاثير التطور
التقني على الشغل
منهجية تحليل نص
فلسفي
إن الإنسان بقدر ما يتحكم في التقنية ويسخرها
للسيطرة على الطبيعة، بقدر ما أصبحت هذه التقنية بعد تطورها وتعقدها، تتحكم في
الإنسان
إن العلاقة بين التقنية والعلم، علاقة تفاعلية،
أي أن العلم يؤثر ويتأثر في نفس الوقت بالتقنية، والتقنية كذلك.
فالتقنية هي نتيجة
لتطبيق العلوم، لكنها في نفس الوقت تعمل على تطويرها، أي العلوم
إن التقنية في المحصلة الأخيرة هي أداة يمكن استعمالها
بشكل إيجابي أو سلبي. لذا وجب التحكم فيها من خلال معايير أخلاقية تجعلها في خدمة
الإنسان لا ضده
لقد كان الإنسان في أول أمره يقتات على ما
تطرحه الطبيعة من ثمار، لكن مع تضاعف عدد البشر لم تعد تلك الموارد الطبيعية كافية
لتلبية حاجات كل الناس، فأصبح جزء منهم مهدد بالهلاك. وتحت تهديد فكرة الموت،
اندفع الإنسان نحو الشغل لكي يوفر لذاته الحاجات التي تضمن له البقاء على قيد
الحياة. لكن هذا الشغل لم يبق رهين الضرورات الأولية التي يحتاجها الإنسان، بل
تطور بتطور الإنسان ذاته والواقع الذي يتفاعل معه. فأصبح يتميز بالتنوع والتعقد،
مما يتطلب منا معالجته على شكل إشكالات فلسفية
إن تقسيم العمل في العصر الحالي أدى إلى
ظهور الآلية التي جَزَّأَتْ العمل إلى حركات صغرى مستقلة عن بعضها البعض، حسب جورج
فريمان. مما جعل الآلة تعوض الإنسان في مجال الشغل، وهكذا لم يعد الإنسان إلا
مراقبا وموجها للآلة. إن نظام الآلية ترتب عنه عدة سلبيات بالنسبة للعامل تتمثل في
إجباره على المشاركة في عمليات فارغة من كل قيمة فكرية، إضافة إلى ممارسة ضغط عصبي
على العامل، كما تجبره على الفصل بين عمله وتفكيره، وهكذا فإن تقسيم العمل يمارس
قساوة على الإنسان
لقد استطاع الإنسان أن يتجاوز حالات النقص
وعدم الاكتمال التي تسم وجوه، بسبب ضعف قواه ومحدودية حواسه، وذلك بفضل التقنية
ومنذ المرحلة البدائية
(تقنية إشعال النار، اختراع العجلة…)، إلا أن التقنية كموضوع فلسفي، هو
موضوع معاصر – وإن كانت له بعض الجذور التي ترجع إلى الكتابات الفلسفية الأولى –
وذلك بالنظر إلى التطورات التكنولوجية المتسارعة في عصرنا هذا ابتداء من اختراع
الآلة البخارية إلى التكنولوجيا الرقمية والتحكم الجيني
إن التقنية عند الإنسان ليست وليدة العصر
الآلي المرتبط بصناعة الأدوات والآلات، بل إنها ترجع – حسب شبنغلر – إلى المرحلة
الحيوانية حيث كانت عبارة عن خطة حيوية، أي سلوك منظم خاضع للغريزة غايته الحفاظ
على بقاء النوع. لكنها تحولت في المرحلة الإنسانية إلى خطة للحياة، أي طريقة منظمة
قائمة على التأمل والاستباق لتنظيم الوجود الإنساني. إن التقنية بالنسبة له، لا
ترتبط بالاختراع أو الإنتاج، بل هي سلوك منظم وهادف يتمثل في الإستراتيجيات
إن الفلسفة العملية – في تصور رونيه ديكارت
– تهتم بمعرفة القوى
والأفعال الصادرة عن الأجسام الطبيعية مثل: النار، الماء، الهواء، الكواكب،
السماوات… (أي معرفة قوانين الطبيعة)، والغاية من هذه الفلسفة العملية هي أن نصبح
سادة الطبيعة ومالكيها، أي السيطرة على الطبيعة
لقد انطلق العلم في الغرب – حسب ميشيل سير
– من أجل استكشاف وفهم
الكون بشكل محايد وموضوعي، وغايته السيطرة عليه وتملكه، ويعتبر الفيلسوف ديكارت
أحسن من عبر عن هذا الطموح، لكن التطور التقني ترتبت عنه عدة آثار سلبية
تمثلت في نمو الرغبة في التملك، وفي تأسيس العنف الذي يتجلى في الحروب. إن
الخسائر تكبدها الإنسان نتيجة التقنية والعلم، يساوي الخسائر المترتبة عن حرب
عالمية، وهكذا أصبح الإنسان ضعيفا أمام هذا التطور المهول للتقنيات مما جعلها
تتحكم في الإنسان أكثر مما هو يتحكم فيها، لذلك دعا ميشيل سير إلى إنتاج فكر
يستطيع أن يتحكم في التقنية التي بدأت تتحكم في الإنسان
إرسال تعليق