خصائص مميزات العبادة في الإسلام
تتميز العبادة في الإسلام عن سائر الأديان بخصائص عدة، يمكن إيجازها في النقاط التالية:
1- ربانية المصدر:
من أخص خصائص العبادة في الإسلام أنها ربانية المصدر محفوظة لم تتغير ولم تتبدل مع مر الدهور والأزمان نتيجة لتعهد الله بحفظ كتابه وما يترتب على ذلك الحفظ من حفظ السنة والشريعة،
وهذا بخلاف ما حدث في عبادات وعقائد الأديان الأخرى من تحريف وتبديل وابتداع أخبر الله تعالى عنه وذكر تحريفهم لكتبهم وما ترتب على ذلك التحريف من ضياع لأصول عقائدهم وعباداتهم
ومن لوازم وثمرات تلك الربانية ألا يعبد الله إلا بما شرع الله وأنه ليس لأحد من الخلق الزيادة أو النقصان في تشريع العبادات في الإسلام، ومن ابتدع أمراً في الدين فهو رد عليه كما أخبر النبي ^: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»([243]).
يقول الإمام ابن القيم: «فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه على متابعة أمره، وما عدا ذلك فهو مردود على عامله، يرد عليه أحوج ما هو إليه هباءً منثوراً، وكل عمل بلا اقتداء فإنه لا يزيد عامله من الله إلا بعداً فإن الله تعالى إنما يعبد بأمره لا بالآراء والأهواء»([244]).
وقد أمرنا رسول الله ^ بمتابعته في عبادته،والاقتداء به ^ ففي الصلاة قال ^: «صلوا كما رأيتموني أصلي»([245]) وفي الحج قال ^: «لتأخذوا عني مناسككم لعلي لا أراكم بعد عامي هذا»([246])
فمصدر العبادات كتاب الله تعالى وسنة رسوله ^. وليس لبشر مهما علت منزلته أن يشرع من عند نفسه، ولا لمجمع من المجامع أن يزيد أو يعطل تشريعاً أمرنا به الله أو نهانا عنه، قال تعالى على لسان نبيه
وهذا ما فهمه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولذلك قال علي رضي الله تعالى عنه: «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ^ يمسح على ظاهر خفه»([247]).
2- العبادات لا تكون إلا لله:
ومن أخص ما تتميز به العبادة في الإسلام أنها لا تصرف إلا لله وهذا الشرط الذي يميز العبادة في الإسلام عن غيرها في الأديان الأخرى والمسلم لا يتوجه بعبادته لا لنبي مرسل ولا إلى ملك مقرب ولا إلى أحد من البشر وإنما يتوجه بها إلى الله وحده، ومن أخلص عبادته لله فقد قصرها عمن سواه وحرر نفسه من عبودية الطواغيت طواغيت الجن والإنس وحرر نفسه من عبودية الأوثان والأحجار ومن عبودية المال والجاه والسلطان وشرف نفسه وحررها بعبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد.
3- العموم والشمول في العبادات الإسلامية:
ومن خصائص العبادة في الإسلام أنها شاملة لجميع أعمال العبد وأقواله فالعبادة في الإسلام لا تقتصر على الشعائر التعبدية كالصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد – كما يظن البعض – بل تشمل جميع مناحي الحياة كلها، فتشمل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
فمن العبادات القلبية: خشية الله، والإنابة إليه، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، كل ذلك من أنواع العبادة والتي يثاب عليها المسلم إذا تحقق شرطاها: الإخلاص والمتابعة.
وطلب العلم عبادة، والعمل عبادة، والإحسان إلى الناس عبادة، والخلق الحسن عبادة. وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلها عبادة.
وقد تواردت الأحاديث الصحاح التي تؤكد هذه الحقيقة وما رتبه الله من الأمور المضاعفة لمن أدى هذه الأعمال مبتغياً بها مرضاة الله تعالى على نهج وسنة نبينا محمد ^ فالإحسان إلى الناس، وإعانة المحتاج، وسد رمق الجائع والعطشان، وإرشاد الحيران، وهداية الأعمى، وإماطة الأذى عن طريق الناس وإصلاح ذات البين، والكلمة النافعة، والصدقة الجارية، وحتى قضاء الشهوة فيما أحله الله، عبادة يثاب عليها المسلم ويتعدى ذلك إلى الإحسان إلى الحيوان وفي كل كبد رطبة أجر.
فالعبادة في الإسلام شاملة لكيان الإنسان وجوارحه فالمسلم يعبد الله بالفكر والقلب واللسان والسمع والبصر وسائر الحواس، وشاملة للدين كله وتسع الحياة كلها فتشمل علاقة الإنسان بالله وهي علاقة التعبد الخالص والتذلل والخضوع وهي علاقة بين الخالق والمخلوق، والعبادة تشمل علاقة الفرد بنفسه بإتيان ما أمر الله به عبادة والامتناع عن ما نهى الله عنه عبادة يثاب عليها المسلم، والعبادة تشمل علاقة المسلم بمن حوله بدءاً بوالديه وأهله وأقاربه إلى عموم من يتصل بهم بإحقاق الحقوق وأداء الواجبات التي أمر الله بها في هذه العلاقة فكل ذلك من العبادة.
فهذا هو مفهوم العبادة الشامل في الإسلام ويخطئ من يظن بأن العبادات تقتصر على إقامة الأركان الخمسة، ويحرم نفسه من تحويل كل مسار حياته إلى عبادة يثاب عليها بهذا الفهم الضيق

Post a Comment

Previous Post Next Post