أخطاء النجديين:
1. الغلو في التكفير و تعميمه:
هذه المؤاخذة على
النجديين هي نتيجة طبيعية لتضييقهم العذر بالجهل أو عدم قول بعضهم به، و قد تابعهم
على ذلك كثير من المعاصرين، إما بتطبيق كلامهم على المتحاكمين للقوانين أو في
مسائل الموالاة و المعاداة، و هم في ذلك على أصناف أيضًا و أشدهم غلوًّا من لا
يعذرون بالجهل في أصول الدين و يحتجون بقول الله تعالى: ﴿و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم
على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى، شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا
غافلين﴾، و غير ذلك من الآيات التي تثبت الربوبية و تقيم
الحجة على الناس بذلك. و هم بذلك يكفرون أُمَّة من الناس و لذلك يوصفون ﺒ
(التكفيريين).
و قد رأيت لهم مصنفات في ذلك مثل «عقيدة الموحدين» للعبدلي و «آثار
حجج الله على العباد» و «العذر بالجهل» لمدحت بن حسن الفراج و له كتاب
كبير جمع فيه فتاوى النجديين في الأمور المعاصرة.
فهؤلاء
مخالفون للسلف، أهل السنة و الجماعة، لما تقدم معنا من أنهم يعذرون بالجهل و
التأويل و لو في أصل الدين. و قد قال
تعالى: ﴿و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾.
ثم نقول: هذا في الكافر الأصلي لا المسلم الجاهل أو المتأول، و من سوى بينهما فقد
أخطأ خطأ فادحًا. و أهل السنة متفقون على أنه لا شرع قبل النصوص خلافًا للمعتزلة
الذين يقولون إن التحسين و التقبيح بالعقل و إن الله يحاسب على ذلك و لو قبل نزول
الشرع.
و
نصوص القرآن و السنة يجب أن تفهم بما فهمها السلف و الأئمة لا بما يتراءى للمرء.
و
طائفة أخرى من أهل السنة و الدعوة للجهاد و نصرة المسلمين يعذرون الناس في كثير من
الأمور، لكنهم متأثرون بفتاوى النجديين في مسائل موالاة أعداء الله تعالى، و لا
يفرقون بين الموالاة الكبرى التي تفضي إلى الخروج من الدين و هي ما يسمى عند
المعاصرين ﺒ (الخيانة العظمى) و ذلك بمظاهرة أعداء
الله تعالى و مناصرتهم على أهل الإسلام قتلاً و إطفاءً لنور الله تعالى،
كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا
اليهود و النصارى أولياء بعضهم أولياء بعض و من يتولهم منكم فإنه منهم﴾، فهذه في الموالاة الكبرى.
و
بين الموالاة الصغرى كما جاء في «الصحيح» في قصة حاطب بن أبي بلتعة، رضي
الله عنه، «لما أخبر المشركين بمسير النبي e، فقال النبي
e لما كشف
أمره: «ما هذا يا حاطب؟» قال:
لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت حليفًا من قريش و لم أكن من أنفسهم، و كان من
معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم و أموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من
النسب فيهم أن أصنع إليهم يدًا يحمون قرابتي. و ما فعلت ذلك كفرًا و لا ارتدادًا
عن ديني »فقال النبي e: «إنه صدقكم»
فقال عمر رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال: «إنه شهد بدرًا، و ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم
فقد غفرت لكم».
قال
أبو محمد: لو كان قد كفر لحبط عمله و لو كان قد شهد بدرًا، و لكن الحديث دليل قاطع
على أنه لم يكفر، كما قاله جماهير شراح الحديث.
فهؤلاء عمموا تكفير جنود و عساكر و شرطة البلاد التي لا تحكم بما أنزل الله
تعالى، عادين فعلهم من الموالاة الكبرى، و في ذلك نظر بين و توسيع للتكفير بدون
موجب.
و
لنرجع للنجديين، فنقول: إن الذي يقرأ كتب النجديين و كتب مؤرخيهم يلاحظ أمرًا
غريبًا، نبهتك عليه آنفًا، و هو أنهم يعدون دعوة ابن عبد الوهاب مثل الرسالة
المحمدية، فكل من بلغته فخالفها أو عاداها، فضلاً عمن حاربها فقد كفر أو كاد!!
و
عندما يتكلمون عن أمرائهم يقولون: ثم سار (الإمام) فلان بجنود (المسلمين)، فانتصر
على (المشركين) و (غنم) أموالهم.
و
إذا تكلموا عن المخالفين للدعوة يقولون: فلان ممن شرق بهذا الدين و سبَّ علماء
المسلمين، و ممن يبغض دين الرسول و يعاديه!!
و
هذا بخلاف الواقع فإن المخالف لهم أصناف:
فمنهم
أهل سنة و جماعة، بل حنابلة، يوافقونهم على أصل ما هم عليه لكنهم يخالفونهم في
التكفير و سفك الدماء و معاداة الدولة العثمانية التي هي عندهم دولة الخلافة
الإسلامية و حامية دار الإسلام.
و
لك أن تقارن هذا الصنف بما يحدث اليوم، فهل كل من خالف ما تفعله الجماعات الجهادية
فرد عليها و لو بعنف و قوة، قد سب الدين و أهله و شرق به و أبغض علماء الإسلام؟!!
هذا
لا يقوله عاقل.
و
من المخالفين للنجديين أشاعرة و صوفية، يعادونهم في أصل دعوتهم و يعدونها بدعة!
فهم مبتدعة لا كفار!!
و
منهم من يعاديهم سياسةً لا دينًا، فهو يراهم شاقين لعصا طاعة ولي أمر المسلمين،
الذي هو السلطان العثماني.
إذا تبين لك هذا، فاعلم أن النجديين كانوا يكفرون الدولة العثمانية
بسلطانها و عساكرها و جنودها و علمائها. و يسمون الجميع (مشركين)، و يكفرون من
والاهم و لو أحب السنة و أهلها، و لو خاف على نفسه و ماله، بل و لو ترك نصرة
النجديين لعدم اهتمامه بالأمر كله!!
و قد قرأت في «مفيد
المستفيد في حكم جاهل التوحيد» لابن عبد الوهاب قوله في البداية: (و لما كفرت
بلدة كذا) فقد كفَّر مدينة كاملة من مدن المسلمين لعدم دخولها في طاعتهم! وفيها الجهال و النساء و الأطفال ممن يقولون لا إله إلا الله
محمد رسول الله و لهم مساجدهم يرفع فيه الأذان!
و قرأت فتوى محمد بن ناصر بن معمر أو غيره في «الدرر السنية» أجاب فيها عن مكة هل
هي دار كفر أو دار إسلام؟ فأفتى بأنها دار كفر لأن أهلها يستغيثون بغير الله و
يتمسحون بالكعبة و ما إلى ذلك!!
و
قرأت رسالة لإسحق بن عبد الرحمن بن حسن في «تكفير
المعين» كتب فيها غاضبًا من بعض النجديين الذين يتورعون عن تكفير المعين، و
يطلبون العلم على علماء مكة (المشركين) و كلامًا من هذا الشكل!
و
قرأت رسالة في «تكفير الجهمية» لسليمان بن سحمان الخثعمي يرد فيها على عالم
من أحفاد ابن عبد الوهاب لا يكفر الأشاعرة، و يغلظ له القول، و يحكم فيها بكفر
جميع مؤولي صفات الله تعالى من أشاعرة و زيدية و إباضية، و يقول: إن هؤلاء يعتقدون أنه لا يوجد كفار إلا في لندن!!
فهذه
نماذج قليلة تبين مدى الغلو عند النجديين في هذا الباب و هو الذي أنكره عليهم
العلماء المتقدمون المعاصرون لهم.
فإن
قلت: و ما هو مناط تكفيرهم للعثمانيين و جنودهم و عساكرهم؟ و من والاهم؟
فالجواب:
هو أنهم مشركون بتعظيم الأضرحة و القبور و الاستغاثة بغير الله و ما إلى ذلك من
مظاهر شركية. فهم بذلك كفار مشركون و لو كانت محاكمهم شرعية و عساكرهم تذب عن ديار
الإسلام و تجاهد أصناف أعداء الدين.
أما
عساكرهم و جنوهم و من والاهم فلأنهم ظاهروا "المشركين" على المسلمين،
كما في «الدلائل على مولاة أهل الإشراك» لسليمان بن عبد الله و «بيان
النجاة و الفكاك من موالاة أهل الإشراك» لمحمد بن عتيق. فإن جميع كلام
النجديين عن موالاة المشركين فالمقصود بهم الدولة العثمانية و نوابها.
قال
أبو محمد: و هذا كله فيه نظر فإن إطلاق اسم المشركين
على مسلمين واقعين في الشرك غير سائغ، فإن الله تعالى لم يطلق ذلك على
اليهود و النصارى لأنهم أهل كتاب و إنما يقول عنهم ﴿الذين كفروا من أهل الكتاب﴾، و بهذا فرق أهل العلم بين أهل الكتاب و المشركين في
جملة من الأحكام استنبطوها من القرآن و السنة. فلأن يفرق بين المسلمين و المشركين
أولى و أحرى.
و
أيضًا فتكفير الدولة العثمانية بهذا المناط لا معنى له، كيف و قد قال رسول الله e فيما رواه أحمد في «مسنده»
و الحاكم في «المستدرك على الصحيحين»: «لتفتحن القسطنطينية فنعم الجيش جيشها و نعم الفاتح و
ذلك الأمير». و قد فتحها
السلطان المجاهد الكبير محمد الفاتح، رحمه الله تعالى، و سماها (إسلامبول)
أي مدينة الإسلام، فدولة مدح رسول الله e جيشها و
أميرها، و عرفت بالجهاد العظيم و الفتوحات الجليلة و استنقاذ ديار الإسلام من
أجناس الكفر الصليبيين من إسبان و برتغاليين و غيرهم، بما يطول جوابنا بإيراده كيف
نحكم بكفرها؟!!
فإن
قلت هذا لا يمنع تكفيرها إذا أتت مكفرًا و قامت عليها الحجة، و لعلها كفرت بعد
السلطان المذكور؟
فالجواب: أن هذا باطل فقد انتشر تعظيم القبور و الغلو في الصالحين منذ
بدايات القرن الثالث و انتشر في جميع ديار الإسلام.
و جميع ما يؤاخذ على العثمانيين قد وقع قبلهم عند المماليك و متأخري
العباسيين، فما سمعنا و لا قرأنا عن عالم واحد كفر تلك الدول أ, أفتى بسفك دماء عساكرها
و جنودها.
بما فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية و تلاميذه، مع كثرة ما تكلموا في هذا و
أوذوا في سبيله. و مع هذا فابن تيمية يفتي أن الطائفة المنصورة في زمانه في الشام
و مصر، و هم سلاطين المماليك الذين منهم قاهر التتار سيف الدين قطُز، و قاهر
الصليبيين الظاهر بيبرس، رحمهما الله تعالى.
أفما قامت عليهم الحجة بما كتبه ابن تيمية و ابن
القيم و ابن عبد الهادي و غيرهم، و هم كانوا حفاظ الدنيا و أئمة الوقت دون منازع و
لا مجادل من أحد؟!
هذا و ابن تيمية لقي الملوك و كلمهم، أما ابن عبد الوهاب فما لقي أحدًا من ملوك وقته و لا
اقترب منهم، فقد كان في وسط نجد و هم كانوا في أقصى (إسلامبول) و في (القاهرة)
مصر.
و إذا لم تكفر الدولة فلأن لا يكفر موالوها أولى و أولى.
و
هب أن الدولة العثمانية كفرت، فكيف تكفر عساكرها و مُوالوها و هم عند أنفسهم و
بفتاوى كبار أئمة الدين في زمانهم من أمثال ابن عابدين و
غيره، خلفاء الإسلام و نواب رسول الله e، و النجديون
عندهم بغاة خارجون على ولي الأمر، و قد علمت الأحاديث الواردة في النهي عن منازعة الولاة
الأمر و ما اتفق عليه أهل السنة و الجماعة من النهي عن الخروج على السلاطين و لو
جلدوا ظهورنا و أخذوا أموالنا؟!
نَـعم، قد زاد متأخرو النجديين مناطًا آخر لتكفير متأخري العثمانيين و هو
تحكيم القانون الوضعي في أبواب الجنايات و تسويتهم بين المسلمين و اليهود و
النصارى من رعايا الدولة، و قد وقفت على كلام لعبد اللطيف بن عبد الرحمن في الحض
على جهاد العثمانيين في الأحساء لتحكيم قانون "الرومان و شرائع
اليونان"، كما في «الرسائل
و المسائل النجدية»، و لعلها أيضًا في «الدرر السنية».
و
قد أساء السلاطين المتأخرون إلى دولتهم بتأثرهم بالأفرنج حتى فعلوا ذلك، و فتقوا
على أنفسهم فتقًا لا يرقع،حتى انتهت دولتهم جزاءً و فاقًا ﴿و ما كان ربك مهلك القرى بظلم و أهلها مصلحون﴾.و قد أفقدوا بذلك هيبتهم من قلوب المسلمين و كثرت
الثورات عليهم بهذه الذريعة كما فعل الزيدية في اليمن و كما فعل الحسين بن علي
الهاشمي أمير مكة و الحجاز. فلما أراد السلطان عبد الحميد الثاني، رحمه الله، رتق
الفتق، وجد الخرق اتسع على الراقع.
ألا
فليأخذ العبرة كل الحكام الذين استمدوا شريعتهم من الإسلام، ثم تركوا دين الله
تعالى، و رفضوا شرائعه، فإن سنة الله القدرية لا تحابي أحدًا ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾،
﴿و اتقوا فتنة لا تصيبن
الذين ظلموا منكم خاصة﴾.
و
القرآن ملئ بهذه المعاني لمن تدبره، و كذلك تواريخ الأمم و الدول.
و مع هذا نقول:
إن ما فعله السلطان محمود من تعطيل الحدود و استبدال الذي هو أدنى من قوانين
سويسرية جاهلية بالذي هو خير من شريعة الإسلام و الهدى و النور، لم يسر في جميع
الولايات العثمانية، و قد حاول سلاطين فيهم صلاح و دين تغيير الانحراف، لكن سيطرة
حزب الترقي العلماني على مقاليد الأمور و تأثير الأفكار العلمانية على النخبة
المثقفة في أواخر العهد العثماني غير الوضع حتى جاء كمال أتاترك، لعنه الله تعالى،
فكان تحصيل حاصل و سلخ الأتراك عن المسلمين.
لكن إلى آخر العهد العثماني كان القانون الساري هو (مجلة الأحكام العدلية)
و هو قانون مدني و أسرى مستمد من المذهب الحنفي.
و
ليس العثمانيون أول من عبث بالحدود و تجاوزها، بل منذ العهد الأموي و كثير من ملوك
المشرق و المغرب يعبثون بالحدود باسم السياسة، و طالما أنكر ذلك أهل العلم عدوه
تجاوزًا لكتاب الله و خروجًا عن الجادة، غير أنهم ما
كانوا يكفرون الملوك لكونهم كانوا متأولين، كما تأول الصوفية فأدخلوا البدع بحجة
الذوق و الفقهاء بحجة القياس والرأي و الاستحسان، و لو تعمدوا مجاوزة الحدود
الشرعية و تعطيل كتاب الله دون تأويل لكفروا. نسأل الله تعالى الاعتصام
بالقرآن و السنة ففي «صحيح مسلم» و غيره أن النبي e قال: «إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا،
كتاب الله، و هو حبل ممدود بين السماء و الأرض فعظم فيه و فخم، و عترتي آل بيتي،
أذكركم الله آل بيتي (ثلاثا)، و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف
تخلفوني فيهما»!!
و
في «الموطأ» و «المستدرك»: «كتاب الله و سنتي».
إرسال تعليق