يلزم العالم ما يلزم
العامي، و لم يقل أحد من علماء المسلمين إن على الجميع أن يعلم تفاصيل العقيدة و
التوحيد، بل قد صنف أبو حامد الغزالي كتابه الشهير «إلجام العوام عن علم الكلام» لهذا السبب.
و
لو قال قائل إن العامة ينبغي ترك مفاتحتهم في هذه التفاصيل لكان مصيبًا، فإنها من
فروض الكفاية التي إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين.
و
قد قال الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه،: «خاطبوا الناس على قدر عقولهم،
أتحبون أن يكذب الله و رسوله؟» و قال هو أو غيره: «ما أنت بمحدث قومًا بشئ لا تبلغه عقولهم إلا كان
فتنة على بعضهم».
و
هذا هو الواقع اليوم، فإن كثيرًا من العوام تلقفوا قواعد لم يتقنوها، و كلامًا لم
يفهموه. فنصبوا أنفسهم قضاة على عباد الله يكفرون هذا، و يفسقون ذاك، و يبدعون
الآخر. و جزموا بأحكام توقف فيها كبار الأئمة رحمهم الله تعالى. و قد بينت شيئًا
من هذا خلال رسالتي هذه.
و كان من هدي النبي e،
أن الرجل البدوي و الأعرابي الجلف و الأعجمي يسلمون فيلقنهم الشهادتين و أركان الإسلام، فكان أحدهم يقول: هل عليَّ غير
ذلك؟ فيقول له: لا، إلا أن تطوع. فيقول: و الله لا أزيد عليها و لا أنقص. فيقول
الحبيب المصطفى
e: «أفلح إن صدق».
و
قد يقع الصحابة في بعض المخالفات فينبههم عندئذ، كما حدث لمن قال له: ما شاء الله
وشئت، فقال: «أجعلتني لله
ندًّا؟!».
و
كما حدث مع الصحابة الذين وجدوا عند المشركين سدرة ينوطون بها أسلحتهم، أي
يعلقونها للبركة. فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط،
فقال عليه الصلاة و السلام: «الله
أكبر، إنها السنن، قلتم و الله كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، قال
إنكم قوم تجهلون﴾».
نعم، ينبغي للمسلم أن يعلم معنى كلمة التوحيد، و يحذر من نواقضها في
الجملة، أمَّا إلزام جميع المسلمين بتفاصيل ذلك فلا.
بل
عليهم أن يتعلموا فروض وقتهم من طهارة و صلاة و صيام، و زكاة إن كان لهم مال
يزكونه، و إذا أزمع أحدهم على الحج فليعرف أحكامه، و إذا تزوج فليعرف ما يجب عليه
في ذلك، و إذا دخل سوق المسلمين للتجارة فيجب أن يتعلم أحكام المعاملات، و هكذا
دواليك.
أما
مسائل الأحكام و الأسماء فعليه أن يعرفها بالإجمال من مثل محبة أولياء الله تعالى
و بغض أعدائه، و التحذير من الكبائر التي يكثر الابتلاء بها. و منها نواقض إيمانية
خطيرة مثل سب الدين و الرب سبحانه.
و
ليس من ذلك أن ينتصب الجهال قضاة على أعراض المسلمين يفسقون و يبدعون و يكفرون. و
قد نقلت لك كلام أبي العباس بن تيمية، رحمه الله تعالى، بما حضرني وقت كتابة هذه
الأوراق، و لعل في ذلك مقنعًا لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد.
و
هل وقع الخوارج فيما وقعوا فيه من تجرؤ على أشرف الأعراض، تكفيرًا و تمزيقًا، ثم
سلوا السيوف الفاجرة على أهل الإسلام، و كانوا سفهاء الأحلام حدثاء الأسنان يقولون
من قول خير البرية. و أفعالهم أفعال المجرمين، فهل وقع لهم ذلك إلا بالجهل و
الكلام في الأمور العظيمة بميزان معوج؟!
و
الناظر في حال كثير من شباب اليوم يرى شيئًا من ذلك، فإن من يفسق الناس أو يكفرهم
ليستحل دماءهم و أموالهم فيه شبه من أولئك.
و تجد الواحد منهم قد لا يعرف شروط الطهارة أو كيف يرقع الصلاة !!
و تجد آخرين لا يعرفون السيرة النبوية و لا حال الصحابة و هم يتجرأون على
كبار علماء الإسلام و الدعاة الصادقين الأعلام.
و
إننا في حاجة شديدة لتزكية نفوسنا، فإن هذا قد يكون من الغرور و الإعجاب بالنفس.
و
قد يحدث لكثير من الشباب المجاهدين غرور بجهادهم و عجب في نفوسهم، فلا يستمعون
لنصيحة العلماء الناصحين، و قد يتهمونهم بالمداهنة في الدين أو الجبن أو ما إلى
ذلك. و كل هذا من تلبيس إبليس، و هو من أعظم أسباب المحن التي يقع فيها المسلمون.
فإن
المحن بسبب الذنوب، فقد قال تعالى: ﴿و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت
أيديكم و يعفو عن كثير﴾، و قال سبحانه: ﴿أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم: أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم،
إن الله على كل شئ قدير﴾، و قال جل و عز: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله، و ما أصابك من سيئة فمن نفسك، و أرسلناك للناس
رسولا، و كفى بالله شهيدًا﴾.
و
هذا أمر مقرر في الكتاب و السنة، و لعلمائنا كلام كثير في هذا المعنى في أبواب القضاء
و القدر، فإن من عواقب الذنوب و المعاصي و بغي المسلمين على بعضهم و تنازعهم و
تفرقهم أن يتغلب عليهم عدوهم و يشتتوا شملهم و يذلوا فضلاءهم، جزاء وفاقًا و ما
كان الله ليظلمهم و لكن كانوا أنفسهم يظلمون، و قال سبحانه: ﴿و أطيعوا الله و رسوله و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم و اصبروا إن الله
مع الصابرين﴾، و قال الحبيب المصطفى عليه الصلاة و السلام: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم».
و
انظر كيف انخذل المسلمون في معركة حنين لما أعجبتهم كثرتهم و اغتروا بجمعهم فقال
قائلهم: «لن نغلب اليوم من قلة» فقال الله عز و جل: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة، و يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم
شيئًا، و ضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين﴾. فالعجب و الغرور سبب الهزيمة، و التواضع و هضم النفس
سبب النصر، و هذا رسول الله e لما انتصر في فتح مكة دخل
حانيًا رأسه الشريف حتى إن لحيته المباركة لتمس قربوس دابته، تواضعًا لله تعالى
بهذا النصر العظيم.
و
من أعظم ما يبتلى به الناس عدم قراءة التاريخ و دراسة التجارب و أخذ العبر منها
فإن العاقل من اتعظ بغيره و «لا
يلدغ المؤمن من جحر مرتين»
كما قال حبيبنا e. و قد قيل:
الرأي
قبل شجاعة الشجعان هو أول، و هي في
المحل الثاني
إرسال تعليق