فيما حضرني من النقول عن
ابن تيمية في عذر الناس
الحافظ أبا العباس بن
تيمية النمري، رحمه الله تعالى، كان من أشد
الناس تورعًا عن تكفير المعين من أهل القبلة و من أكثر الناس اتخاذًا للأعذار، حتى
إن الحافظ الذهبي نقل عنه أنه كان في آخر عمره لا يقول بكفر أحد من أهل القبلة
المصلين.
و
ابن تيمية الذي أفتى بكفر التتار الذين غزوا بلاد الشام مع نطقهم بالشهادتين و
تحكيمهم لقانون جدهم جنكيز خان (الياسق)، ما كان يكفرهم على التعيين، بل كان يفتي
بقتالهم قتال طائفة ممتنعة عن بعض شرائع الإسلام و يقول إن قتالهم ليس من قبيل
قتال البغاة، بل هو من جنس قتال الخوارج و أشباههم من الطوائف الممتنعة عن
الشرائع.
و
مع هذا يقول في «الرد على الأخنائي» إن جماعة من التتار الذين أسلموا و معهم أصنام لهم
من العهن أو غيره يتبركون بها، قال فهؤلاء لا يمكن
تكفيرهم لدروس الرسالة النبوية في الأعصار الأخيرة و غياب من يرشدهم.
و
أيضًا معلوم أن صراعه، رحمه الله تعالى، كان مع علماء الأشاعرة و غلاة الصوفية ممن
لهم تعظيم لابن عربي الحاتمي و أمثاله من القائلين بوحدة
الوجود، و ممن يعظمون الأضرحة و القبور و يجيزون الاستغاثة بأصحابها. و مع هذا كان
يقول لهم: «لو قلت بقولكم لكفرت، و لكنكم عندي جهال». أي
متأولون عن جهل.
و لما سعى السلطان
الناصر في قتلهم ذَبَّ عنهم و قال إنهم علماء المسلمين و
لن تجد مثلهم. حتى قال قاضي المالكية ابن مخلوف: «رحم الله ابن تيمية، لما
قدرنا عليه سعينا في سفك دمه فلما قدر علينا سعى في خلاصنا».
و أيضًا فإنه صنف كتابه
الجليل «الاستغاثة» في الرد
على البكري القائل بجواز الاستغاثة بالصالحين، فأغلظ له الكلام لكونه ابتدأ بالإغلاظ،
لكن ما كفره و لا سعى في سفك دمه، بل إنه أجاره في بيته
لما طلبه السلطان لكونه، عفا الله عنه، كان شديدًا في الأمر بالمعروف و
النهي عن المنكر، فالشيخ عرف له ذلك فأنقذه من يد السلطان.
و قد صرح ابن تيمية،
رحمه الله تعالى، بمذهبه هذا في العديد من كتاباته، فقال في «مجموع الفتاوى»
(2/229): «هذا مع أني دائمًا –و من جالسني يعلم ذلك مني- أني من أعظم الناس نهيًا
عن أن ينسب معين إلى تكفير و تفسيق و معصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة
الرسالية التي من خالفها كان كافرًُا تارة و فاسقًا تارة أخرى و عاصيًا أخرى. و
إني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، و ذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية
القولية و المسائل العملية».
قال
أبو محمد: فقد بين أن العذر بالجهل يعم الأصول و الفروع بما في ذلك أصول التوحيد.
و قال عن أعدائه الذين أدخلوه السجن (3/271): «و أنا و الله من أعظم الناس معاونة على إطفاء
كل شر فيها و في غيرها و إقامة كل خير. و ابن مخلوف لو عمل مهما عمل و الله ما
أقدر على خير إلا و أعمله معه و لا أعين عليه عدوه قط، و لا حول و لا قوة إلا
بالله، هذه نيتي و عزمي مع علمي بجميع الأمور، فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين
المؤمنين و لن أكون عونًا للشيطان على إخواني المسلمين».
و انظر في كلامه الصريح في إعذار المتأولين و لو كان الأمر في أصل الدين حيث يقول (5/254): «و هذا
يبين أن كل من أقر بالله فعنده من الإيمان بحسب ذلك، ثم من لم تقم عليه الحجة بما
جاءت به الأخبار لم يكفر بجحده، و هذا يبين أن عامة أهل الصلاة مؤمنون بالله و
رسوله، و إن اختلفت اعتقاداتهم في معبودهم و صفاته، إلا من كان منافقًا يظهر
الإيمان بلسانه و يبطن الكفر بالرسول e فهذا ليس بمؤمن».
«و
كل من أظهر الإسلام و لم يكن منافقًا فهو مؤمن له من الإيمان بحسب ما أوتيه من
ذلك، و يدخل في هذا جميع المتنازعين في الصفات و القدر على اختلاف عقائدهم».
«و
لو كان لا يدخل الجنة إلا من يعرف الله كما يعرفه نبيه e لم تدخل أمته الجنة، فإنهم و أكثرهم لا يستطيعون هذه المعرفة. بل
يدخلونها و تكون منازلهم متفاضلة بحسب إيمانهم و معرفتهم. و إذا كان الرجل قد حصل
له إيمان يعرف الله به، و أتى آخر بأكثر من ذلك عجز عنه، لم يحدث بحديث يكون فيه
فتنة. فهذا أصل عظيم في تعليم الناس و مخاطبتهم بالخطاب العام بالنصوص التي
اشتركوا في سماعها كالقرآن و الحديث المشهور، و هم مختلفون في معنى ذلك».
قلت: هذه قاعدة عجيبة، تثني عليها الخناصر، و ينبغي أن تكتب بماء الذهب.
و
أرخ سمعك جيدًا لهذا الكلام الذي يحسم مادة الغلو في التكفير، فقد قال شيخ
الإسلام، رحمه الله تعالى (7/617): «و بيان هذا الموضوع مما يزيل الشبهة، فإن
كثيرًا من الفقهاء يظن أن كل من قيل هو كافر فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد
ردة ظاهرة، فلا يرث و لا يورث و لا يناكح، حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه
بالتأويل من أهل البدع. و ليس الأمر كذلك، فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ثلاثة
أصناف؛ مؤمن و كافر مظهر للكفر و منافق مظهر للإسلام مبطن للكفر. و كان في
المنافقين من يعلمه الناس بعلامات و دلالات، بل لا يشكون في نفاقه، و من نزل
القرآن ببيان نفاقه كابن أُبَي و أمثاله. و مع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم
المسلمون. و كان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه، و كانت تعصم دماؤهم، حتى تقوم
السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته».
و
قال، رحمه الله تعالى، في تكفير تارك الصلاة (7/617): «فإن كثيرًا من الناس، بل
أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس و لا هم تاركيها بالجملة، بل يصلون أحيانًا و يدعون أحيانًا.
فهم فيهم إيمان و نفاق و تجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث و نحوها من
الأحكام، فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض كابن أبي و أمثاله من
المنافقين فلأن تجري على هؤلاء أولى و أحرى».
و
قال في (19/217): «و كذلك الكفار من بلغه دعوة النبي e في دار الكفر و علم أنه رسول الله
فآمن به و آمن بما أنزل عليه و اتقى الله ما استطاع كما
فعل النجاشي و غيره و لم تمكنه الهجرة إلى دار الإسلام و لا التزام جميع
شرائع الإسلام، لكونه ممنوعًا من الهجرة و ممنوعًا من إظهار دينه، و ليس عنده من
يعلمه جميع شرائع الإسلام فهذا مؤمن من أهل الجنة، كما كان مؤمن آل فرعون مع قوم
فرعون كما كانت امرأة فرعون، بل كما كان يوسف الصديق عليه السلام مع أهل مصر،
فإنهم كانوا كفارًا و لم يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الإسلام. فإنه
دعاهم إلى التوحيد و الإيمان فلم يجيبوه».اﻫ.
قال أبو محمد: فهذا ما حضرني الساعة من النقول عن
أبي العباس، رحمه الله تعالى، و له في هذا الباب كلام كثير يخالف ما كان عليه
النجديون، و ما عليه الغلاة اليوم، و إن كان الجميع ينتحل كلامه. لكن سيرة الرجل
تدل دلالة قاطعة على مقصوده كما بينت شيئًا من ذلك. و بالله نتأيد سبحانه.
إرسال تعليق