تاريخ
نشاة الصحافة
كانت مظاهر الصحافة الأوروبية الأولى في العصور الوسطى في شكل رسائل إخبارية منسوخة تروى أخبار الملوك و الحاشية و النبلاء و كانت إحدى أهم وظائف هذه الرسائل إذاعة أنباء الحروب المختلفة و خاصة حرب المائة سنة نشبت سنة 1337 بين الانجليز و الفرنسيين. و قد كان النصر الانجليزي 1340 ذا أهمية كبرى أول نصر يجري في التاريخ الانجليزي. و قد أمن هذا الانتصار الطريق التجاري بين انجلترا و بلجيكا حيث كانت مصانع الصرف هي السوق الكبرى الأهم صادرات انجلترا في العصور الوسطى و هم الصوف الخام.
و كانت وظيفة هذه الرسائل المنسوخة أن تعلن للجمهور أنباء هذه الانتصارات المختلفة، و إذا عرفنا أن أهم من اهتم بأخبار هذه الرسائل أولا تجار الصوف لخوفهم على سيطرة فرنسا على بلجيكا و هي السوق الهامة و كذلك الملوك الذين اعتبروها رسائل ملكية تحتكرها الحكومة تحت سيطرة التاج فإننا نستطيع القول أن البذور الاولى للصحافة الإخبارية كانت تتناول موضوعات السياسة و الاقتصاد و الحرب. أما إذا أتينا إلى تحليل سر احتكار الحكومة لهذه الرسائل فحتى تكون تحت الملك سلطة الإعلام و حق التصرف فيما ينبغي أن يعرفه الناس و مالا ينبغي أن يعرفوه، و لعل هذا أشبه بما يحدث من رقابة على الصحافة الحديثة في أوقات الحروب. و رغم أن بعض الملوك كان يشددون على ضرورة أن تكون هذه الرسائل الإخبارية مشمولة بالرعاية الملكية فإن بعض الكتاب كانوا يقومون بإعداد الرسائل خفية و لكن هذا الطريق غير المشروع كان مليئا بالأشواك بأنه جلب إليه غضب الملوك حتى عقب نهاية الحروب. ففي عهد الملك "هنري الثامن" (1509-1547) مثلا صدر أمر ملكي بتحريم رسائل إخبارية تروي انتصارات الملك في اسكتلندا وجاء الملكي أيضا أن الرسائل التي صدرت دوت إذن من الملك لابد أن تجمع و تحرق في مدة أقصاها 24 ساعة و إلا تعرض أصحابها لعقوبة السجن و لم يسمح لأفراد الشعب الانجليزي بنشر الرسائل الإخبارية بصفة رسمية إلا في نهاية عهد جيمس الأول في أوائل القرن السابع عشر.
و في عهد الملكة إليزابيث (1558-1603) و هو أزهي عصور التاريخ الانجليزي حيث ظهرت فيه عبقرية شكسبير الأدبية و فلسفة "بيكون" العالمية، كما حققت فيه الآلة الانجليزية الحربية انتصارات عديدة على جبهات مختلفة لعل أهمها تدمير الأسطول الاسباني المعروف بالأرمادا في جويلية من عام 1558. و توسعت فيه التجارة الانجليزية في القارتين الأوروبية و الأمريكية و حتى الآسيوية، نجد أن الرسائل الإخبارية قد أصبحت مهنة مستقلة قائمة بنفسها لتسجيل الأبعاد الانجليزية و الانتصارات الحربية.
وظلت الرسائل الإخبارية المنسوخة أهم وسائل الإعلام الأوروبية في القرون الوسطى و كانت مدينة البندقية تعج بالمكاتب الإخبارية التي يشرف عليها كتاب الأخبار (المجنرون) كما انتشر هذا النشاط الإخباري في سائر العواصم الأوروبية، و كان كاتب الأخبار يستأجر العبيد أو يشتريهم و يملي عليهم ما جمعه من أخبار ليدونوها و يعدوها للبيع و التوزيع على المشتركين.
كما تجدر الإشارة هنا إلى أن الأخوة " فوجرز" كانوا من أشهر المخبرين جميعا الذين اتخذوا من مدينة أوغاسبرغ مقرا لهم. و كنت لهم مكاتب إخبارية فرعية في لندن و باريس و غيرها من العواصم لأوروبية و مدنها الكبرى. و كان هؤلاء الأخوان متخصصين في أعمال المصارف فنشروا إلى جانب الأخبار السياسية و الحربية و الاجتماعية أخبارا تجارية و مالية ذات قيمة كبيرة للتجارة و لرجال المال. و الحق أن جهود إخوان " فوجرز" في القرن السادس عشر ينم عن جرأة بالغة و دقة قائمة حتى أصبحت رسائلهم من الأمس الجوهرية التي لا يستغنى عنها رجال السياسة و الحكم و المال و لا يزال بعض هذه الرسائل المنسوخة الهامة محفوظا بالمكتبة القومية في فيينا. و هكذا نرى أن المكاتب الإخبارية الأولى التي ظاهرت في القرون الوسطى لخدمة الطبقة البورجوازية التجارية و تزويدها بالأخبار الاقتصادية و المالية، و كذلك مد الطبقة الحاكمة بالمعلومات السياسية و الحكومية و العسكرية. و كانت في حقيقة الأمر بمثابة وكالات أنباء على نطاق ضيق و لكنه خطير و لا يبدو غريبا أن يستمر نشاط الرسائل المنسوخة حق مصالح القرن الثامن عشر. أي بعد اختراع الطباعة بثلاث قرون إذا عرفنا أن هذه الرسائل كانت تسد فراغا كبيرا لا يمكن أن تسده الصحف المطبوعة، و ذلك لأن القيود الحكومية و الرقابة الصحفية و قوانين النشر المختلفة كانت تنصب على المطبوعات فقط. مما جعل لهذه الرسائل المنسوخة أهمية كبيرة و خاصة عندما تكون الحكومة شديدة في رقابتها أو عندما تصادر المطبوعات أو تعطلها.
• البريد و تقدم رسائل النقل: لقد كان لإنشاء الخدمات البريدية في القرن الخامس عشر دور كبير في رواج الرسائل الإخبارية المنسوخة لم تكن ذات صبغة شعبية كما يتوهم الكثيرون حيث كانت مقتصرة فقط على طبقة يعينها من رجال البلاد و السياسة و أثرياء التجار، و ذاك لعديد الأسباب نذكر منها : ارتفاع قيمة الاشتراك فيها التي تصل إلى خمسة جنيهات سنويا و هو 100 جنيه حديثا، و كذلك لقلة عدد ما ينتج منها نظرا لصعوبة عملية النسخ و بطئها. و مع أن نشأة الخدمات البريدية كان نعمة على الصحافة إلا أنها كانت في نفس الوقت نقمة أيضا، فقد استغل مسؤولوا البريد مراكزهم و اعتبروا الأخبار الخارجية احتكارا لهم، يتصرفون فيها كيفما شاءوا و يثرون من تجارتها. و ذلك عن طريق اشتراكات سنوية مع الصحف نظير ترجمة ملخصة الصحف الواردة من الخارج بل الأبعد من ذلك تلقيهم للرشاوى مقابل تفضيلهم لصحف دون غيرها في منحها أولوية تسلم الأخبار. و في محاولة فيه للقضاء على هذه الظاهرة قام رئيس تحرير جريدة " التيمس" الانجليزية جون والتر بتعيين مراسلين لصحيفة في الخارج و كان يشترك في النشرة المترجمة فقط من أجل المراجعة، غير أن رجال البريد لم يرقهم الأم و امتدت أيديهم إلى الإستلاء على الرسائل الواردة للتيمس و عمد تأخير وصولها للجريدة مما دفع هذه الأخيرة إلى الدخول في صراع قضائي مع هدم المصالح مطولا.
و لم يختلف الأمر كثيرا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ارتبطت الصحف ارتباطا وثيقا بالبريد حيث صدرت أول صحيفة في 25 سبتمبر 1690 و هي " الوقائع العامة الخارجية و المحلية " و لكنها صدرت بعد واحد ، لأنها طبعت دون أدنى علم أو موافقة من السلطة و عندما قام مدير البريد في بوسطن بإصدار صحيفة بوسطن ينوماوالتر في 24 أفريل 1704 استمرت 72 عام و كانت تسمى أخبارها من الصحف البريطانية الواردة مع السفن وقد وضع " وليم بروكر" فكرة جديدة و هي عودة ملكية الصحيفة إلى من يشتغل منصب مدير البريد رغما عن أنف العديدين.
و مع ذلك فمملا شك فيه أن انتظام الخدمات البريدية كان سببا مباشرا في تطور الصحافة الإخبارية وسعة انتشارها، و قد كانت مواعيد صدور الصحف تتفق مع مواعيد توزيع البريد و يلاحظ أن بسبب انتشار الصحف الصادرة ثلاث مرات أسبوعيا راجع إلى أن الخدمات البريدية كانت ثلاث مرات في الأسبوع. و لم يكن من الميسور إصدار الصحافة اليومية لولا تقدم الخدمات البريدية. و قد كانت بعض الصحف تحمل اسم البريد الطائر الرسول الأسبوعي، البريد المسائي، البريد الليلي و غيرها. كما أن ظهور الصحافة المسائية و الصحافة الإقليمية يرجع أيضا إلى تطور الخدمات البريدية.
على أن تقدم الخدمات البريدية مرهون بتقدم وسائل و طرق المواصلات مما يسر توزيع الصحف بسرعة و انتظام، فبدأ من نقل الصحف و الكتب على ظهور الدواب كما كان يحدث في العصور الوسطى، تحت الطرق و تيسرت المركبات التي تجرها الخيول السريعة، لم جاءت البواخر و السكك الحديدية و السيارات فأحدثت ثروة في الاتصال، و دخلت الصحافة طورا جديدا، اعتمدت فيه على الأخبار الحديثة السريعة و أصبح السبق الصحفي من أهم معايير الصحافة الناجحة، و عندما بلغت المجتمعات تحضرها، اعترفت بقيمة الصحافة و دورها في النقد و ضرورتها للديمقراطية و منحت الصحفيين حقوقا و امتيازات لتسهيل الحصول على الأخبار، فكان ذلك تأكيدا لحق الانسان في المعرفة. و قد تطورت الخدمات الصحفية في النص الأول من القرن التاسع عر لدرجة أنها أصبحت تتفوق على الخدمات الحكومية، فوكالة رويترز البريطانية مثلا كانت تحصل على المعلومات و الأخبار قبل أن تحصل عليها الحكومة و جريدة "جورنال أوف كمرس" الأمريكية كانت تسبق الحكومة الأمريكية في معرفة الأنباء و نقلها بين بوسطن و نيويورك عبر مسافة طويلة تحتاج إلى 20 ساعة في ذلك الزمان.
ومن ناحية أخرى تفتقت أذهان الصحفيين عن جيل عديدة لتتغلب على عقبات المسافات البعيدة ففي سنة 1837 نجد أن الصحفي الأمريكي " كريج" قد نظم أسرابا في الحمام يزيد عددها عن الخمسمائة لنقل الرسائل بين عديد المدن الأمريكية و قد كانت وكالات الأنباء في أولى عهودها تستخدم مثل هذه الطريقة.
كانت مظاهر الصحافة الأوروبية الأولى في العصور الوسطى في شكل رسائل إخبارية منسوخة تروى أخبار الملوك و الحاشية و النبلاء و كانت إحدى أهم وظائف هذه الرسائل إذاعة أنباء الحروب المختلفة و خاصة حرب المائة سنة نشبت سنة 1337 بين الانجليز و الفرنسيين. و قد كان النصر الانجليزي 1340 ذا أهمية كبرى أول نصر يجري في التاريخ الانجليزي. و قد أمن هذا الانتصار الطريق التجاري بين انجلترا و بلجيكا حيث كانت مصانع الصرف هي السوق الكبرى الأهم صادرات انجلترا في العصور الوسطى و هم الصوف الخام.
و كانت وظيفة هذه الرسائل المنسوخة أن تعلن للجمهور أنباء هذه الانتصارات المختلفة، و إذا عرفنا أن أهم من اهتم بأخبار هذه الرسائل أولا تجار الصوف لخوفهم على سيطرة فرنسا على بلجيكا و هي السوق الهامة و كذلك الملوك الذين اعتبروها رسائل ملكية تحتكرها الحكومة تحت سيطرة التاج فإننا نستطيع القول أن البذور الاولى للصحافة الإخبارية كانت تتناول موضوعات السياسة و الاقتصاد و الحرب. أما إذا أتينا إلى تحليل سر احتكار الحكومة لهذه الرسائل فحتى تكون تحت الملك سلطة الإعلام و حق التصرف فيما ينبغي أن يعرفه الناس و مالا ينبغي أن يعرفوه، و لعل هذا أشبه بما يحدث من رقابة على الصحافة الحديثة في أوقات الحروب. و رغم أن بعض الملوك كان يشددون على ضرورة أن تكون هذه الرسائل الإخبارية مشمولة بالرعاية الملكية فإن بعض الكتاب كانوا يقومون بإعداد الرسائل خفية و لكن هذا الطريق غير المشروع كان مليئا بالأشواك بأنه جلب إليه غضب الملوك حتى عقب نهاية الحروب. ففي عهد الملك "هنري الثامن" (1509-1547) مثلا صدر أمر ملكي بتحريم رسائل إخبارية تروي انتصارات الملك في اسكتلندا وجاء الملكي أيضا أن الرسائل التي صدرت دوت إذن من الملك لابد أن تجمع و تحرق في مدة أقصاها 24 ساعة و إلا تعرض أصحابها لعقوبة السجن و لم يسمح لأفراد الشعب الانجليزي بنشر الرسائل الإخبارية بصفة رسمية إلا في نهاية عهد جيمس الأول في أوائل القرن السابع عشر.
و في عهد الملكة إليزابيث (1558-1603) و هو أزهي عصور التاريخ الانجليزي حيث ظهرت فيه عبقرية شكسبير الأدبية و فلسفة "بيكون" العالمية، كما حققت فيه الآلة الانجليزية الحربية انتصارات عديدة على جبهات مختلفة لعل أهمها تدمير الأسطول الاسباني المعروف بالأرمادا في جويلية من عام 1558. و توسعت فيه التجارة الانجليزية في القارتين الأوروبية و الأمريكية و حتى الآسيوية، نجد أن الرسائل الإخبارية قد أصبحت مهنة مستقلة قائمة بنفسها لتسجيل الأبعاد الانجليزية و الانتصارات الحربية.
وظلت الرسائل الإخبارية المنسوخة أهم وسائل الإعلام الأوروبية في القرون الوسطى و كانت مدينة البندقية تعج بالمكاتب الإخبارية التي يشرف عليها كتاب الأخبار (المجنرون) كما انتشر هذا النشاط الإخباري في سائر العواصم الأوروبية، و كان كاتب الأخبار يستأجر العبيد أو يشتريهم و يملي عليهم ما جمعه من أخبار ليدونوها و يعدوها للبيع و التوزيع على المشتركين.
كما تجدر الإشارة هنا إلى أن الأخوة " فوجرز" كانوا من أشهر المخبرين جميعا الذين اتخذوا من مدينة أوغاسبرغ مقرا لهم. و كنت لهم مكاتب إخبارية فرعية في لندن و باريس و غيرها من العواصم لأوروبية و مدنها الكبرى. و كان هؤلاء الأخوان متخصصين في أعمال المصارف فنشروا إلى جانب الأخبار السياسية و الحربية و الاجتماعية أخبارا تجارية و مالية ذات قيمة كبيرة للتجارة و لرجال المال. و الحق أن جهود إخوان " فوجرز" في القرن السادس عشر ينم عن جرأة بالغة و دقة قائمة حتى أصبحت رسائلهم من الأمس الجوهرية التي لا يستغنى عنها رجال السياسة و الحكم و المال و لا يزال بعض هذه الرسائل المنسوخة الهامة محفوظا بالمكتبة القومية في فيينا. و هكذا نرى أن المكاتب الإخبارية الأولى التي ظاهرت في القرون الوسطى لخدمة الطبقة البورجوازية التجارية و تزويدها بالأخبار الاقتصادية و المالية، و كذلك مد الطبقة الحاكمة بالمعلومات السياسية و الحكومية و العسكرية. و كانت في حقيقة الأمر بمثابة وكالات أنباء على نطاق ضيق و لكنه خطير و لا يبدو غريبا أن يستمر نشاط الرسائل المنسوخة حق مصالح القرن الثامن عشر. أي بعد اختراع الطباعة بثلاث قرون إذا عرفنا أن هذه الرسائل كانت تسد فراغا كبيرا لا يمكن أن تسده الصحف المطبوعة، و ذلك لأن القيود الحكومية و الرقابة الصحفية و قوانين النشر المختلفة كانت تنصب على المطبوعات فقط. مما جعل لهذه الرسائل المنسوخة أهمية كبيرة و خاصة عندما تكون الحكومة شديدة في رقابتها أو عندما تصادر المطبوعات أو تعطلها.
• البريد و تقدم رسائل النقل: لقد كان لإنشاء الخدمات البريدية في القرن الخامس عشر دور كبير في رواج الرسائل الإخبارية المنسوخة لم تكن ذات صبغة شعبية كما يتوهم الكثيرون حيث كانت مقتصرة فقط على طبقة يعينها من رجال البلاد و السياسة و أثرياء التجار، و ذاك لعديد الأسباب نذكر منها : ارتفاع قيمة الاشتراك فيها التي تصل إلى خمسة جنيهات سنويا و هو 100 جنيه حديثا، و كذلك لقلة عدد ما ينتج منها نظرا لصعوبة عملية النسخ و بطئها. و مع أن نشأة الخدمات البريدية كان نعمة على الصحافة إلا أنها كانت في نفس الوقت نقمة أيضا، فقد استغل مسؤولوا البريد مراكزهم و اعتبروا الأخبار الخارجية احتكارا لهم، يتصرفون فيها كيفما شاءوا و يثرون من تجارتها. و ذلك عن طريق اشتراكات سنوية مع الصحف نظير ترجمة ملخصة الصحف الواردة من الخارج بل الأبعد من ذلك تلقيهم للرشاوى مقابل تفضيلهم لصحف دون غيرها في منحها أولوية تسلم الأخبار. و في محاولة فيه للقضاء على هذه الظاهرة قام رئيس تحرير جريدة " التيمس" الانجليزية جون والتر بتعيين مراسلين لصحيفة في الخارج و كان يشترك في النشرة المترجمة فقط من أجل المراجعة، غير أن رجال البريد لم يرقهم الأم و امتدت أيديهم إلى الإستلاء على الرسائل الواردة للتيمس و عمد تأخير وصولها للجريدة مما دفع هذه الأخيرة إلى الدخول في صراع قضائي مع هدم المصالح مطولا.
و لم يختلف الأمر كثيرا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ارتبطت الصحف ارتباطا وثيقا بالبريد حيث صدرت أول صحيفة في 25 سبتمبر 1690 و هي " الوقائع العامة الخارجية و المحلية " و لكنها صدرت بعد واحد ، لأنها طبعت دون أدنى علم أو موافقة من السلطة و عندما قام مدير البريد في بوسطن بإصدار صحيفة بوسطن ينوماوالتر في 24 أفريل 1704 استمرت 72 عام و كانت تسمى أخبارها من الصحف البريطانية الواردة مع السفن وقد وضع " وليم بروكر" فكرة جديدة و هي عودة ملكية الصحيفة إلى من يشتغل منصب مدير البريد رغما عن أنف العديدين.
و مع ذلك فمملا شك فيه أن انتظام الخدمات البريدية كان سببا مباشرا في تطور الصحافة الإخبارية وسعة انتشارها، و قد كانت مواعيد صدور الصحف تتفق مع مواعيد توزيع البريد و يلاحظ أن بسبب انتشار الصحف الصادرة ثلاث مرات أسبوعيا راجع إلى أن الخدمات البريدية كانت ثلاث مرات في الأسبوع. و لم يكن من الميسور إصدار الصحافة اليومية لولا تقدم الخدمات البريدية. و قد كانت بعض الصحف تحمل اسم البريد الطائر الرسول الأسبوعي، البريد المسائي، البريد الليلي و غيرها. كما أن ظهور الصحافة المسائية و الصحافة الإقليمية يرجع أيضا إلى تطور الخدمات البريدية.
على أن تقدم الخدمات البريدية مرهون بتقدم وسائل و طرق المواصلات مما يسر توزيع الصحف بسرعة و انتظام، فبدأ من نقل الصحف و الكتب على ظهور الدواب كما كان يحدث في العصور الوسطى، تحت الطرق و تيسرت المركبات التي تجرها الخيول السريعة، لم جاءت البواخر و السكك الحديدية و السيارات فأحدثت ثروة في الاتصال، و دخلت الصحافة طورا جديدا، اعتمدت فيه على الأخبار الحديثة السريعة و أصبح السبق الصحفي من أهم معايير الصحافة الناجحة، و عندما بلغت المجتمعات تحضرها، اعترفت بقيمة الصحافة و دورها في النقد و ضرورتها للديمقراطية و منحت الصحفيين حقوقا و امتيازات لتسهيل الحصول على الأخبار، فكان ذلك تأكيدا لحق الانسان في المعرفة. و قد تطورت الخدمات الصحفية في النص الأول من القرن التاسع عر لدرجة أنها أصبحت تتفوق على الخدمات الحكومية، فوكالة رويترز البريطانية مثلا كانت تحصل على المعلومات و الأخبار قبل أن تحصل عليها الحكومة و جريدة "جورنال أوف كمرس" الأمريكية كانت تسبق الحكومة الأمريكية في معرفة الأنباء و نقلها بين بوسطن و نيويورك عبر مسافة طويلة تحتاج إلى 20 ساعة في ذلك الزمان.
ومن ناحية أخرى تفتقت أذهان الصحفيين عن جيل عديدة لتتغلب على عقبات المسافات البعيدة ففي سنة 1837 نجد أن الصحفي الأمريكي " كريج" قد نظم أسرابا في الحمام يزيد عددها عن الخمسمائة لنقل الرسائل بين عديد المدن الأمريكية و قد كانت وكالات الأنباء في أولى عهودها تستخدم مثل هذه الطريقة.
إرسال تعليق