ماهية التكييف القانوني للجريمة
       إن التطرق للتكييف القانوني لجريمة يقتضي منا التطرق إليه في مطلبين , نتعرض في الأول منهما إلى تعريف التكييف القانوني , أما في الثاني فنتطرق فيه إلى الموقف القانوني والقضائي مـــن هذا التكييف , مع ملاحظة أن هناك العديد من كتابات الفقهاء حول موضوع التكييف القانوني أكثر من تلك التي تناولت الوصف القانوني . وذلك وفقا لما يلي :-

المطلب الأول :- تعريف التكييف القانوني للجريمة
       لقد تعددت الاتجاهات الفقهية في تعريف التكييف القانوني للجريمة . فلقد ذهب بعض الفقه الفرنسي إلى تعريف التكييف القانوني بأنه (عملية قانونية يقوم فيها القاضي بالبحث عن الاسم القانوني الذي يتعين إضفاءه على الفعل الذي دخل في حوزته وبهذه العملية يتخذ الفعل الاسم القانوني الخاص به فالتكييف هو الفعل من خلال النص الجنائي الذي يعاقب عليه ) , كما عرفه بعضهم بأنه ( استبدال اسم قانوني للفعل المنسوب إلى المتهم باسم دارج يتميز به عن غيره , أو هو تحديد العلاقة القانونية القائمة بين الواقعة الإجرامية وبين أحكام القانون التي تنطبق عليها , أو هو تلك العلاقة بين الواقعة الخاضعة لتقدير القاضي والنص القانوني الذي يجرمها ) , وذهب بعض الفقه المصري إلى تعريف التكييف القانوني بأنه ( بيان حكم النص القانوني الذي تخضع له الواقعة والذي يحكمها ويعاقب عليها , أو هو إرجاع الواقعة إلى نص جنائي وإعطاؤها الاسم القانوني , أو هو مجرد خلاف بين وجهات النظر في تقدير الواقعة ) (16) . 
       فالتكييف القانوني ليس إلا بحث القاضي عما إذا كان الفعل المرتكب من قبل المتهم قد توفرت فيه العناصر القانونية وأركان جريمة ما حسب الوصف القانوني لها , أي حسب التحديد القانوني للنموذج أو الاسم الخاص بها (17) .
       أما الدكتور احمد فتحي سرور فقد أوضح بالتفصيل معنى التكييف والفرق بينه وبين الوصف القانوني للجريمة لان الأخير يعني النموذج أو التحديد القانوني لاسم الجريمة التي تكون الواقعة المرتكبة قد توافرت فيها أركان تلك الجريمة , وذلك بالقول (( إن التكييف يتطلب شرطين لازمين :- أ- أن ينص المشرع على انه إذا توافرت  واقعة مجردة لها خصائص معينة فإنها تندرج تحت احد الأوصاف التي يعرفها القانون ويرتب عليها أثرا قانونيا معينا . ب- أن يعلن القاضي إن الواقعة المعروضة عليه تتوافر فيها خصائص الواقعة المجردة التي أضفى عليها القانون وضعا قانونيا معينا . والشرط الأول هو من عمل المشرع أما الشرط الثاني فهو من عمل القاضي . والمشرع حين يضفي تكييفا (وصفا ) قانونيا معينا على واقعة ما فانه ينشئ هذا التكييف . هذا بخلاف القاضي , فانه حين يضفي هذا التكييف القانوني على الواقعة المعروضة عليه , فانه يعلن هذا التكييف ويكشف . وهناك ارتباط وتلازم بين الشرطين فالقاضي لا يمكنه أن يختار تكييفا معينا إلا إذا عرفه المشرع ( من خلال الوصف القانوني المسبق للجريمة ) , بل إن دور القاضي في هذا الشأن كاشف محض لأنه يتمثل في الخصائص التي يتطلبها المشرع في الواقعة المجردة وقد توافرت في الواقعة المعروضة عليه )) (18) .
       فتكييف الدعوى يقوم به قاضيها وهو ليس إلا عمل قانوني وإلزام قانوني على القاضي  وبدون طلب من احد الخصوم بان يكيف الطلبات والوقائع المعروضة عليه تكييفا صحيحا يتفق مع الوصف القانوني للجريمة من قبل المشرع , وبالتالي فان التكييف هو عمل قضائي ملزم قانونا للقاضي , وبما أن النص على هذه القاعدة الأصولية للقضاء لن ينشئها بل يكشف عنها لذلك فأن القاضي ملتزم بالتكييف حتى وان لم ينص المشرع عليها (19) . وهذا ما دعى جانب من الفقه الفرنسي إلى القول بان تكييف الواقعة يعد عملا أساسيا وضروريا للقاضي (20) .  حيث إن التكييف ليس إلا من عمل القاضي لان الأخير عندما يكيف واقعة ما وفقا لوصفها القانوني فانه يوجد منطقة قانونية وفنية يجذب إليها الواقعة من الأسفل ويرتفع بها درجة إلى التكييف , ثم يسحب القانون من خلال إنزاله من عليائه المجرد درجة إلى التكييف , وبالتالي يعمل القاضي في تلك المنطقة على التقاء الواقع بالقانون وحينئذ يسهل تطبيق القاعدة القانونية الواجبة التطبيق على الواقعة (21) .  
       ومن الأهمية بمكان ملاحظة أن هناك علاقة وثيقة جدا بين السلطة التقديرية الممنوحة قانونا للقاضي وبين التكييف القانوني الذي هو من اختصاص القاضي , ذلك لان تقدير وتهيئة القاضي لعناصر  النزاع المطروح عليه من اجل إنزال حكم القانون عليها لغرض حسمها هو الذي يعتمد عليه تكييف القاضي لذلك النزاع , ولما كانت أدوات الصياغة القانونية ووقائع النزاع والقاعدة القانونية هي المادة التي تباشر من خلالها السلطة التقديرية وهي كذلك عصب التكييف القانوني ولما كان من يقوم بالتقدير هو نفسه من يقوم بالتكييف , فان ذلك يدل على قوة العلاقة بين التقدير والتكييف , وعملية التكييف تأتي تالية للتقدير ذلك لأنه وان كان التقدير والتكييف يردان على عناصر واحدة ويقوم بهما ذات العضو بالصفة ذاتها عند إصدار العمل القضائي , إلا أن الفارق بينهما زمني , حيث إن التقدير سابق للتكييف من حيث التمهيد له حتى يمكن إنزال حكم القانون عــلى الواقعة , والتقــــدير أيضا لاحقــــا للتكييـــــــف من حيث إعمال اثر القاعدة القانونية على واقع النزاع , وهذا التعقيد لا يمكن أن يواجهه إلا القاضي المتمتع بالذكاء والفطنة والقدرة القانونية والعلم والخبرة والذوق الرفيع ضمن سلطته التقديرية , وعلى ذلك فالقاضي عندما يقوم بعملية التكييف يباشر سلسلة من عمليات التقدير ليصل إلى تطبيق القاعدة القانونية التي يرى ملاءمتها لواقع النزاع المعروض عليه بقصد حسمــــــه (22) .
       ولابد من الإشارة إلى أن للتكييف تقسيمات متعددة تناولها الفقه , فمن حيث موضوعه قسم إلى تكييف للواقعة وتكييف للجريمة ( جناية ,جنحة , مخالفة ) , ومن حيث نطاق تطبيقه قسم إلى تكييف خاص بالموضوع وآخر خاص بالشخص , كذلك فان للتكييف أهمية بالغة سواء من حيث تحديد نوع الجريمة أو الواقعة أم في تحديد الاختصاص أم في تسبيـــب الأحكــــام الجنائيـــة أم بالنسبـــــة لإطــــراف الدعوى ( القاضي , المتهم , المجني عليه ) (23) .
       ومن كل ما تقدم يظهر وبوضوح الفارق الكبير بين ما يعطيه معنى الوصف القانوني للجريمة وما يعطيه تكييفها القانوني من معنى آخر , من حيث أن الأول هو من اختصاص المشرع في كل دولة , أما الثاني فهو من صميم عمل القاضي .

الموقف القانوني والقضائي من التكييف القانوني للجريمة :-
       لابد من القول عموما بان التشريع الجنائي لم يتناول صراحة مسألة تعريف التكييف القانوني على الرغم من إيراده عبارات تتضمن معنى التكييف القانوني , كما هو الحال في المادة ( 213 / أ ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي التي تنص على أن (( تحكم المحكمة في الدعوى بناء على اقتناعها الذي تكون لديها من الأدلة المقدمة في أي دور من ادوار التحقيق أو المحاكمة وهي الإقرار وشهادة الشهود ومحاضر التحقيق والمحاضر والكشوف الرسمية الأخرى وتقارير الخبراء والفنيين والقرائن والأدلة الأخرى المقررة قانونا )) . والمشرع المصري أيضا أشار إلى ذلك في قانون الإجراءات الجنائية في المادة ( 302 ) منه حيث نصت على انه (( يحكم القاضي في الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته , ومع ذلك لا يجوز له أن يبني حكمه على أي دليل لم يطرح أمامه في الجلسة , وكل قول يثبت انه صدر من احد المتهمين به يهدر ولا يعول عليه )) .
           بالإضافة إلى ذلك فقد نص قانون الإجراءات الجنائية الليبي لسنة 1954 على أن (( إذا حكمت محكمة أول درجة في الموضوع , ورأت المحكمة الاستئنافية أن هناك بطلانا في الإجراءات أو في الحكم , تصحح البطلان وتحكم في الدعوى . أما إذا حكمت بعدم الاختصاص أو بقبول دفع فرعي يترتب عليه منع السير في الدعوى , وحكمت المحكمة أو برفض الدفع الفرعي وبنظر الدعوى , فيجب عليها أن تعيد القضية لمحكمــــة أول درجة للحكم في موضوعها )) . أما قانون الإجراءات الجزائية اليمني رقم 13 لسنة 1994 فقد نص في المادة (367) على أن (( يحكم القاضي في الدعوى بمقتضى العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته من خلال المحاكمة,ومع ذلك لا يجوز له أن يبني حكمه على أي دليل لم يطرح أمامه في الجلسة )) .
         ويتضح من ذلك بان اقتناع المحكمة في الواقع ليس إلا اعتقادها بان النص القانوني – المتضمن جريمة وعقوبة لفعل ما – الذي أنزلته على الواقعة هو الوصف القانوني الصحيح وذلك لتوافر أركان الجريمة في هذه الواقعة , وبالتالي تقوم المحكمة بممارسة سلطتها في التكييف القانوني وذلك بإنزال حكم القانون على الواقعة المطروحة أمامها .
         ويلاحظ بأننا قد تطرقنا إلى العلاقة الوثيقة بين السلطة التقديرية للقاضي وبين التكييف القانوني الذي يقوم به القاضي والذي هو من اختصاصه,وعدم الاختلاف بينهما إلا من حيث الفارق الزمني , وعدم الاختلاف هذا هو الذي يفسر عدم النص صراحة على التكييف في معظم القوانين الجنائية وذلك بالاكتفاء بالنص على ما تتمتع به المحكمة من سلطة تقديرية في الحكم الذي تصدره بحيث لا تتقـــيد بالتكييــــــف الذي تعطيـــــه سلطة التحقيـــق للواقعة بموجب وصفها القانوني .
        وعلى ذلك فأن التشريع لم يذكر صراحة التكييف القانوني , بل أشار إلى عبارات من شأنها أن تفيد هذا المعنى , وبالتالي فان مصطلح ( التكييف ) في الحقيقة هو مصطلح فقهي كما سبق الإشارة إلى ذلك , وهو أيضا مصطلح قضائي , وذلك لوجود تعريفات عديدة لهذا المصطلح فيهما .  
       أما بالنسبة لتحديد مفهوم التكييف القانوني في أحكام القضاء فقد ذهبت محاكم النقض والتمييز في عدة دول إلى إيضاح معناه . فمحكمة النقض الفرنسية تشير إلى أن التكييف القانوني ليس إلا علاقة بين الأفعال والنصوص  القانونية . حيث ورد في احد أحكامها انه (( إذا كانت محاكم الجنح لا يجوز لها البت في غير الوقائع التي طرحت عليها , فان لها تقدير هذه الوقائع في علاقتها بجميع النصوص القانونية وردها إلى تكييفها القانوني الصحيح )) , وذهبت المحكمة ذاتها إلى القول (( إن محكمة الجنح غير مقيدة بالتكييف القانوني الذي يقرره قاضي التحقيق , وان من حقها أن تحدد تكييف الواقعة المعروضة عليها وتطبق عليها قانون العقوبات , طبقا لما يتضح لها من التحقيق الذي تجريه )) (24) .  وكذلك الحال بالنسبة لحكم محكمة النقض المصرية في 27 فبراير سنة 1980 والذي أشارت فيه إلى أن التكييف القانوني للواقعة يعني (( مجرد ردها إلى أصل من نصوص القانون الواجب التطبيق )) (25) . أي ردها إلى وصفها القانوني كما أورده المشرع في نص القانون الواجب التطبيق .
       ومن ذلك يتضح وبوضوح تام اختلاف معنى الوصف القانوني عن التكييف القانوني , حيث إن الأخير ليس إلا من صميم عمل القاضي دون غيره , أما الوصف القانوني فهو من عمل المشرع فالفعل لا يوصف بأنه جريمة إلا من قبل المشرع وفقا لمبدأ الشرعية الجنائية , وهذا ما أوضحه وأكده القضاء المصري في العديد من أحكامه . منها ما جاء في احد الأحكام لمحكمة النقض المصرية في الطعن رقم 8354 لسنة 60 ق جلسة 8 / 4 / 1999 والذي قالــت فيه انه (( لما كان البين من الأوراق أن الدعوى الجنائية أقيمت على الطاعن بوصف انه ضرب عمدا بان أطلق عليــــه عــــيارا ناريــا فـــــي صـــدره من ســــلاح نــــاري (( فرد خرطوش )) فاحدث به الإصابة الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية , ولم يقصد من ذلك قتلا , ولكن الضرب أفضى إلى موته , وطلبت النيابة العامة معاقبته وفقا للمادة 236/ 1 من قانون العقوبات,وانتهى الحكم المطعون فيه إلى إدانة الطاعن بأنه تسبب خطا في موت المجني عليه , بان أطلق عيارا ناريا من سلاحه الناري برعونة وعدم احتراز , فاحدث به الإصابة الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية والتي أودت بحياته , الأمر المنطبق على المادة 238/ 1 من قانون العقوبات , ودانت المحكمة الطاعن بهذا الوصف دون أن تلفت نظر الدفاع إلى المرافعة على أساسه , لما كان ذلك , وكان هذا التعديل ينطوي على نسبة الإهمال إلى الطاعن وهو عنصر جديد لم يرد في أمر الإحالة , ويتميز عن ركن العمد الذي أقيمت على أساسه الدعوى الجنائية , وكان هذا التغيير الذي أجرته المحكمة في التهمة من ضرب أفضى إلى موت إلى قتل خطأ , ليس مجرد تغيير في وصف الأفعال المسندة إلى الطاعن في أمر الإحالة , مما تملك المحكمة إجراءه بغير تعديل في التهمة عملا بنص المادة 308 من قانون الإجراءات الجنائية ,وإنما هو تعديل في التهمة نفسها يشتمل على إسناد واقعة جديدة إلى المتهم لم تكن واردة في أمر الإحالة وهي واقعة القتل الخطأ مما كان يتعين معه على المحكمة أن تلفت نظر الدفاع إلى ذلك التعديل , وهي إذ لم تفعل فان حكمها يكون مشوبا بالبطلان مستوجبا النقض )) (26) .
       وأكدت المحكمة ذاتها الأمر نفسه في حكم لها أصدرته في 3 فبراير سنة 1988 أشارت فيه إلى أن (( حق الدفاع الشرعي كسبب مــــن أسباب الإباحة يبيح الفعل ويمحو عنه وصف الجريمة ,...))(27) .
       أما بالنسبة لمحكمة التمييز الاتحادية العراقية فنلاحظ بأنها قد ميزت وبوضوح – من خلال قضاءها المستقر – بين التكييف القانوني الذي تعطيه محكمة الموضوع للواقعة وبين الوصف القانوني للجريمة الذي هو من صميم عمل المشرع , وهذا ما لاحظناه سابقا في قرارها ذي العدد 7084 / الهيئة الجزائية / 2006 الصادر في 20 / 12 / 2006 والذي اشرنا إليه سابقا (28) .
       بالإضافة إلى ذلك فان هذه المحكمة قد أوضحت بان التكييف القانوني الذي تجريه محكمة الموضوع قد يؤثر عليه التثبت من حقيقة الحادث أو الواقعة وبالتالي يجب على المحكمة التثبت من ذلك حتى يأتي تكييفها متلائما مع حقيقة الواقعة الفعلية ومتوافقا مع الوصف القانوني الذي أعطاه المشرع لهذه الواقعة من خلال النص القانوني الذي حدده لها . فتقول المحكمــــة المذكـــورة فـــي احــــد قــراراتها بأنه (( لدى التدقيق والمداولة وجد أن قــرار إلغاء التهمة والإفراج عن المتهم ( ج ب ع ) صحيح وموافق للقانون للأسباب  التي استند إليها لذا قرر تصديقه , أما فيما يتعلق بقراري الإدانة والحكم الصادرين بحق المتهم ( ع ح ج ) فإنها جاءت غير صحيحة ومخالفة للقانون حيث إن الشاهد نقيب الشرطة ( م ي خ ) أوضح في إفادته أمام محكمة التحقيق بتاريخ 13 / 11/ 2005 انه بعد أن تم إخباره بالحادث من قبل المتهم ( ج ب ع ) بالحادث قام بدهم دور المتهمين وإعادة المخطوف بينما ورد في أقوال المخطوف ( ن ج ) انه تم إخلاء سبيله من قبل الخاطفين وحيث إن التثبت من حقيقة الحادث يؤثر على التكييف القانوني للفعل المنسوب للمتهم ( ع ح ) لذا قرر نقض قراري الإدانة والحكم الصادرين بحق المتهم ( ع ح ) وإعادة الدعوى إلى محكمتها لإجراء محاكمة المتهم مجددا والاستماع إلى أقوال ضابط الشرطة والمفرزة التي كانت معه عند إجراء المداهمة لدور المتهمين وكـــذلك أقـــوال المخـــطوف ( ن ج ) ومن ثم إصدار القرارات اللازمة على ضوء ما يظهر أمامها وعلى أن يبقى المتهم ( ع ح ج ) موقوفا للنتيجة وصدر القرار بالاتفاق استنادا للمادة 259 / أ - 7 من قانون أصول المحاكمات الجزائية في 12 / ربيع الثاني / 1428 هــ  الموافق 30 / 4 / 2007 )) (29) .  وكذلك الحال بالنسبة للعديد من القرارات القضائية الصادرة من هذه المحكمة والتي أكدت فيها إن التكييف القانوني للجريمة ليس إلا العمل الذي يختص به القاضي عندما ينزل حكم القانون على الواقعة أو الحادثة المعروضة عليه (30) .
       وقد أوضحت محكمة التمييز اللبنانية وجوب التفرقة بين الوصف القانوني للجريمة من قبل المشرع  وبين تكييفها قانونيا من قبل القاضي . حيث قررت أن (( المحكمة تكون قد أعطت الفعل المبسوط لديها وصفه القانوني عندما تكيفه وترده إلى حكم قاعدة قانونية تنطبق عليه وتسميه باسم قانوني كتسمية ما يقع من اخذ مال الغير بدون وجه حق سرقة أو إساءة أمانة أو احتيال , إن كل حكم جزائي يفصل في أمرين : أمر مادي يتعلق بوجود الواقعة المعروضة على المحكمة ومسئولية المدعى عليه المحال إليها , وأمر قانوني يقوم على تقدير العنصرين المذكورين على ضوء الإحكام القانــــونية وارتباطــــها بها وهذا الأمر الأخير هو ما يسمونه وصف الفعل القانوني )) (31) .
       يبقى أن نشير إلى أمر في غاية الأهمية وهو عبارة عن سؤال يتبادر إلى الذهن يقول : إذا كان التكييف عملا قضائيا فلماذا يسمى بالتكييف القانوني ؟ .
       إن الجواب باختصار يبنى على سببين رئيسين الأول هو إن القاضي ملزم قانونا بالتكييف عندما تعرض عليه واقعة أو حادثة أو قضية معينة , أما الثاني فهو إن أصل تــسمية التكييــــف بالقانوني لا ترجع إلى السلطة القائمة به بل إلى مصدر تلك السلطة وهو القانون .

Post a Comment

Previous Post Next Post