إشكاليات العقوبات السالبة للحرية

     يقصد بالعقوبات السالبة للحرية Peines privatives de liberté العقوبات التي يكون مضمونها حرمان المحكوم عليه من حريته الشخصية وذلك عن طريق إيداعه إحدى المؤسسات العقابية. ويمثل لهذه العقوبات في التشريع المصري بالسجن المؤبد والمشدد والسجن والحبس. ومن المعلوم أن تلك العقوبات ظهرت مع بدء العصور الوسطى وثورة مفكري هذه العصور على قسوة العقوبات البدنية المطبقة ومحاولتهم إصلاح النظام الجنائي. فقبل تلك الفترات الزمنية كان السجن مجرد وسيلة للتحفظ على المتهم انتظاراً لتوقيع العقوبة عليه أو لانتظار محاكمته من قبل القضاء.

وقد أثار الأخذ بهذا النوع من العقوبات الجدل الشديد في الفقه ، وذلك من زاويتين : الأولى تتعلق بالجدل حول جدوى تعددها ، والثانية ترتبط بالجدل حول جدوى العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة. وحول كلا المشكلتين تنازع الفقه ، فظهرت اتجاهات تدعو إلى توحيد العقوبات السالبة للحرية وإلى إلغاء العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة.  

1-                  أولاً : إشكالية توحيد العقوبات السالبة للحرية :
2-                  تقسيم :
     لإبراز مشكلة توحيد العقوبات السالبة للحرية يتعين علينا أن نوضح مضمون مشكلة التوحيد وتطورها ، ثم بيان حجج المؤيدين والمعارضين للتوحيد ، وأخيراً بيان موقف التشريعات المقارنة من تلك المشكلة.

3-                  أ : مضمون مشكلة التوحيد وتطورها :
     يثور التساؤل بين الفقه حول ما إذا كان من الأفضل تعدد أنواع العقوبات السالبة للحرية تبعا لجسامة الجريمة ، أم أن من الأفضل توحيد كافة العقوبات السالبة في عقوبة واحدة لها اسم واحد وتتفاوت من جريمة إلى أخرى ومن مجرم إلى أخر حسب المدة فقط.

والذي أظهر تلك المشكلة هو اتجاه التشريعات الجنائية الحديثة نحو تبني التقسيم الثلاثي للجرائم حسب نوع ومقدار العقوبة ، ومن ذلك التشريع المصري الذي يقسم الجرائم إلى جنايات وجنح ومخالفات ، ويفرد لكل نوع من الجرائم عدد من العقوبات يختلف نوعاً ومقداراً. ويبدو على هذا التقسيم أنه يأخذ في اعتباره جسامه الجريمة من أجل تحديد نوع ومقدار العقوبة ، بما يهمل في الحقيقة شخصية المجرم حين تقدير العقوبة. على هذا النحو ذهب البعض إلى القول بأنه لابد من توحيد وجمع العقوبات السالبة للحرية في عقوبة واحدة مع تفريدها حسب المدة وفق ما يتكشف بعد ذلك من ظروف تتصل بجسامه الفعل الإجرامي وحالة المجرم الشخصية والاجتماعية.
ولقد بدأت الدعوة لهذا الاتجاه التوحيدي بهدف القيام بعمل إنساني خالص ، مؤداه التخلص من عقوبة الأشغال الشاقة التي تقوم في جوهرها على فكرة الإيلام والتكفير عن الذنب. ثم بدأت هذه الحركة تتعاظم أواخر القرن التاسع عشر ومع تغير نظرة الفقه الجنائي نحو الجريمة والمجرم ، وحين ظهر الإصلاح والتأهيل كأحد الأغراض السامية للعقوبة.

والحق أن الفضل يرجع على العديد من المفكرين في الدعوة لهذا الاتجاه من أمثال شارل لوكا Lucas في فرنسا عام 1830 وإلى أوبر ماير Obermaier في ألمانيا عام 1835[1].

وقد كانت هذه الفكرة مثار بحث في المؤتمرات الدولية الجنائية التي كان أولها في لندن عام 1879 ثم مؤتمر استكهولم عام 1878. ثم أصدرت الهيئة الدولية للعقوبات والسجون في عام 1946 توصية مؤداها الدعوة إلى أن تزول الفروق بين العقوبات السالبة للحرية المؤسسة فقط على طبيعة وجسامه الجريمة. ثم تأكدت هذه الدعوة في اجتماع ثان لهذه الهيئة في برن عام 1951 ، حيث تمت الموافقة على اقتراح بتأكيد أهمية تقرير عقوبة واحد سالبة للحرية يراعى فيها التفريد وتنوع المعاملة العقابية وفقا لحالة كل محكوم عليه وظروفه الشخصية والاجتماعية.

4-                  ب : موقف الفقه من فكرة التوحيد :
5-                  تقسيم :
     توزع الفقه حول فكرة التوحيد إلى اتجاهين : أحدهما مؤيد ، والأخر معارض ، ممثلاً لرأى الفقه الجنائي التقليدي.

6-                  الاتجاه المؤيد لفكرة التوحيد :
     استند أنصار الاتجاه التوحيدي إلى العديد من الجنح منها :
*- أنه لم يعد هناك مبرر لتعدد العقوبات السالبة للحرية بعد أن أصبح هدف كافة أنواعها هو التأهيل والإصلاح عن طريق تطبيق العديد من البرامج العلاجية والتعليمية والتهذيبية التي لا ترمى إلى إيلام المحكوم عليه.
*- أن الاتجاهات العقابية الحديثة تدعو إلى إتباع تصنيف علمي للمحكوم عليهم يعتمد على فحص دقيق للجوانب الشخصية والاجتماعية لكل محكوم عليه ، من أجل تحديد نوع المعاملة العقابية الملائمة. ويتم هذا التصنيف عن طريق اللجوء إلى الخبراء الاجتماعين والنفسين والأطباء وعلماء الاجتماع والإجرام. ولاشك أن إتباع منهج التوحيد يسهل من عمل هذا التصنيف بما يسهل في النهاية مهمة المؤسسة العقابية في إصلاح المجرم وتأهيله.
*- أن الفروق بين العقوبات السالبة للحرية ما هى إلا فروق نظرية بحته ، أما في الواقع العملي فلا فارق بين أنواعها حيث يجرى التنفيذ بأسلوب واحد ، وهو ما يعنى إتباع فكرة التوحيد على المستوى العملي والواقعي. وهذا بالفعل الذي يجرى في مصر حيث تنفذ عقوبة السجن (المحكوم بها في الجنايات) وكذلك عقوبة الحبس (المحكوم بها في الجنح) داخل السجون العمومية. كما أن المشرع المصري يعفي أحيانا بعض الفئات من الخضوع لعقوبة السجن المؤبد أو المشدد مما يعنى التوحيد العملي بين تلك العقوبة والعقوبة الأدنى منها. كما أن المشرع يجمع أحياناً طوائف من المحكوم عليهم في مؤسسات عقابية خاصة، بالنظر إلى ما يحتاجون إليه من معاملة من نوع معين ، دونما النظر لنوع جريمتهم ، وهو ما يعنى أنه قد وحد بين عقوباتهم من الناحية العملية.

7-                  الاتجاه المعارض لفكرة التوحيد :
     على الرغم مما قدمه أنصار فكرة التوحيد من حجج قوية لتأييد وجه نظرهم ، إلا أن فكرة التوحيد مازالت تلاقى مقاومة شديدة من جانب نفر من الفقه ، وذلك للحجج التالية :
*- أن الأخذ بتوحيد العقوبات السالبة للحرية تحت مسمى عقوبة واحد كالحبس أو السجن مثلا يؤدي إلى إهدار غرض الردع العام وإرضاء الشعور بالعدالة الذين يجب أن تسعى العقوبة إلى تحقيقهما. الأمر الذي يقتضي أن تقدر العقوبة ومدتها ونوعها حسب جسامه الجريمة المرتكبة. فالتوحيد يؤدي إلى هدم التناسب الذي استقر لدى الكافة بين جسامه الجريمة وجسامه العقوبة. فقد استقر في الأذهان أن السجن المؤبد أو المشدد عقوبة جسيمة تواجه جرائم جسيمة ، أما الحبس فهى عقوبة يسيره خصصت لجرائم بذات القدر من اليسر. فإذا ما وحدنا بين العقوبات مثلا في صورة الحبس وجعلناها عقوبة للجرائم أيا كانت جسامتها لتساوى لدى الناس جسامه القتل والاغتصاب مع السرقة والضرب ، مما يقضى على الردع العام والشعور بالعدالة ، ولا يغنى عن ذلك كون العقوبة ستتفاوت من حيث المدة[2].
*- أن تعدد وتنوع العقوبات السالبة للحرية لا يتعارض بالضرورة مع قواعد مواجهة الجريمة. إذ أن هناك صله وثيقه تربط الجريمة بشخصية المجرم ، فالأولى تساهم في الكشف عن الثانية ، أي أن جسامة الجريمة تدل على خطورة شخصية المجرم والعكس بالعكس. مما يعنى أن التقسيم الثلاثي للجرائم لا يعتبر مجرد افتراض تشريعي غير مطابق للواقع. بل إنه مطابق للكثير من حقائق علم الإجرام والعلوم المتصلة بالجريمة عموماً والتي تكشف عن الربط بين تقسيم الجرائم حسب جسامتها وتصنيف المجرمين حسب خطورتهم ، وأن العلاقة بينهم علاقة غالبا طردية.
*- يضاف إلى ذلك أن إتباع نظام التوحيد ، أي التميز بين طوائف المحكوم عليهم لا حسب نوع العقوبة السالبة ولكن فقط بحسب مدتها ، سوف يحرم السلطة القضائية من سلطتها في التفريد القضائي وتضع المحكوم عليهم تحت تصرف الإدارة العقابية المشرفة على التنفيذ ، مما يحرم المحكوم عليه من الكثير من الضمانات القضائية خاصة المتصلة بالحيدة والموضوعية.
*- وأخيرا فإن الاتجاه التوحيدي يقتضي التغير الشامل في أحكام قانون العقوبات وأحكام قانون الإجراءات الجنائية ، حيث تتوقف العديد من أحكام كلا القانونين على التقسيم الثلاثي للجرائم إلي جنايات وجنح ومخالفات. كما أن التوحيد يوجب التعديل في نظم المؤسسات العقابية التي تعتمد تقسيماً ثلاثياً لها ، فتتنوع بين ليمانات وسجون عمومية وسجون مركزية[3].

والواقع أننا نؤيد تماما فكرة التوحيد بين العقوبات السالبة للحرية ، وجمعها في عقوبتين فقط أحدهما للجنايات وأخري للجنح. ذلك أن التوحيد يتبع منهجاً علمياً في تقدير العقاب يقوم علي الأخذ في الاعتبار ظروف كل محكوم عليه ودرجة خطورته الإجرامية ، بعض النظر عن جسامه الفعل الإجرامي. فليس صحيحا - كما يقول معارضوا التوحيد - أن هناك تلازم بين خطورة الجريمة وجسامتها وبين خطورة المجرم. فقد يرتكب مجرم مبتدئ جريمة جسيمة تحت ظرف عارض وكذلك قد يرتكب مجرم خطير العديد من الجرائم التافهة والبسيطة. وبالتالي فإن خطورة الجريمة نسبية في دلالتها علي خطورة الجاني , والعكس بالعكس.

ولا يقلل من قوة هذا الرأي ما قد يحتاجه الأخذ بالتوحيد إجراء تعديلات في أحكام قانوني العقوبات والإجراءات الجنائية , ذلك أن هذه التعديلات لن تكون إلا في إحلال معيار محل معيار أخر , أي إحلال معيار مده العقوبة , محل معيار نوع العقوبة المتبع حالياً من قبل المشرع. فيكون سلب الحرية لمدة معينة عقوبة جناية وسلبها لمده أقل عقوبة جنحة وهكذا. فالتوحيد لا يعني إلغاء تقسيم الجرائم بل هذا الأخير سيظل قائما.

كما لا يقدح في ذلك خشيه سيطرة جهة الإدارة علي التنفيذ وإطلاق يدها في اختيار الأسلوب الملائم لتنفيذ العقوبات بما يهدر من حريات الأفراد. فالحقيقة أنه في ظل نظام التوحيد يكون من اللازم مد نطاق سلطه القضاء إلى مرحلة التنفيذ العقابي , كي يكون عمل الإدارة العقابية محاطاً بإشراف قضائي بما يضمن حقوق وحريات المحكوم عليهم.

8-                  ج : موقف القانون المقارن من فكرة التوحيد:
     لقد استجابت العديد من التشريعات الجنائية لنداء التوحيد بحيث تكون العبرة بمدة العقوبة وليس بنوعها. من ذلك قانون العقوبات الهولندي الصادر في عام 1881. الذي أدمج ثلاث عقوبات سالبة للحرية في عقوبة واحدة هي الحبس. وبهذا أيضا أخذت كل من بورتوريكو في عام 1902 ، وباراجواي عام 1914 ، والمكسيك عام 1931 ، وكوستاريكا عام 1941. وإلى هذا ذهب المشرع الإنجليزي عام 1948 بعد إصدارة لقانون العدالة الجنائية Criminal Justice Act    ، الذي ألغى التقسيم الثلاثي للعقوبات السالبة للحرية , بأن ألغى عقوبة السخرة المقابلة لعقوبة الأشغال الشاقة Penal Servitude . وكذلك ألغى عقوبة الحبس مع الشغل الشامل Imprisonment With Hard Labor  ، المقابلة لعقوبة السجن ، واستبدل بها عقوبة واحدة هى الحبس البسيط[4]Simple Imprisonment  .

  والى هذا كان قد ذهب المشرع الفرنسي عندما ألغى الأشغال الشاقة Travaux forcée  عام 1960 ، وعندما أخذ في مشروع قانون العقوبات لعام 1978 بعقوبة الحبس كعقوبة سالبة للحرية وحيده (م 131 وما بعدها)[5]. وقد اتبع قانون العقوبات الفرنسي الجديد الصادر في 22 يوليو1992 فكرة تقسيم العقوبات السالبة للحرية إلى عقوبتين أحدهم للجنايات وأخرى للجنح يتفاوتا فقط من حيث المدة تبعاً لجسامه الفعل وخطورة المجرم. فجعل المشرع الفرنسي عقوبة الجنايات المقررة للأشخاص الطبيعيين تتمثل إما في الاعتقال أو السجن المؤبد متفاوتة بين ثلاثون عاما علي الأكثر وخمسة عشر عاماً علي الأكثر. أما مدة الاعتقال أو السجن المؤقت فهى عشر سنوات علي الأقل (م 131/1). أما عقوبة الحبس فهى عقوبة الجنح (م131- 3) مع تدرجها بين عشر سنوات على الأكثر وسبع سنوات علي الأكثر وخمس سنوات علي الأكثر وثلاث سنوات علي الأكثر وسنه علي الأكثر وستة أشهر علي الأكثر (م131- 4).

ولقد اعتمد منهج دمج العقوبات السالبة للحرية في عقوبتين فقط تشريعات أخرى منها قانون عقوبات البرازيل والأرجنتين وأوراجوي ونيوزيلندا والسويد.

ورغم أن التشريع المصري الحالي يأخذ بمبدأ تعدد العقوبات السالبة للحرية مقسماً إياها إلي أربع عقوبات (السجن المؤبد والسجن المشدد والسجن والحبس) ، إلا أن هناك اتجاه كبير يدعم فكرة دمج هذه العقوبات في عقوبتين هما السجن والحبس مع إلغاء عقوبة السجن المؤبد والمشدد واللذين حلا محل عقوبة الأشغال الشاقة بنوعيها ، بحسبان أنه لا يوجد فارق عملي يفصل بين هذه الأنواع من حيث أسلوب تنفيذها[6].

وبهذا أخذ مشروع قانون العقوبات المصري في عام 1967 ، حين نص علي عقوبتين سالبتين للحرية إحداهما السجن المؤبد أو المؤقت في الجنايات والثانية هي الحبس في الجنح ، وهو اتجاه محمود ندعم الأخذ به.


[1] Ch. Germain, L’unification de la peine privative de liberté en doit comparé, RSC. 1955, p. 455 et s.
[2] J. Pinatel, Traité élémentaire de sciences pénitentiaires et de défense sociale, Paris, 1950, p. 81 et s.
[3] R. Schmelck et G. Picca, op. cit., p. 130 et s.
[4] د. يسر أنور علي ود. آمال عثمان ، المرجع السابق ، ص358 وما بعدها.
[5]  R. Merle, Place respective des peines privatives et  non privatives de liberté en doit  français, RID. com., 1981
[6] راجع أعمال الحلقة الأولى لمكافحة الجريمة في الجمهورية العربية المتحدة , القاهرة 1961 , ص10 , د. علي راشد ، معالم النظام العقابي الحديث , المجلة الجنائية القومية , مارس 1959 , ص 59 وما بعدها .وكان المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية قد أجرى استطلاع للرأي حول توحيد العقوبات السالبة للحرية شارك فيه العديد ممن يتصل عملهم بالجريمة من كان جوانبها. وانتهى الاستطلاع إلي أن 63.4./. لا توافق علي التوحيد الكامل للعقوبات السالبة للحرية , أي دمجها في عقوبة واحده , بينما وافقت نسبة 58.1./. علي إلغاء عقوبة الأشغال الشاقة والاكتفاء بعقوبتين سالبتين للحرية إحداها للجنايات والأخرى للجنح. راجع مشكله توحيد العقوبات السالبة للحرية , المجلة الجنائية القومية , يوليو 1958 ، ص7 وما بعدها .

Post a Comment

أحدث أقدم