تعــليم المحكوم عليه
أولاً : مضمون تعليم المحكوم عليه :
لقد أصبح لتعليم المحكوم عليه La pédagogie du détenu في النظام العقابي الحديث دوراً أساسياً لا يقل بحال من الأحوال عن دوره
في المجتمع الحر. فهو وسيلة لمحو الأمية والجهل وهما عاملان إجراميان دون
شك.
وبالتالي فهو وسيلة لاستئصال عوامل الجريمة وإزالة أسباب العودة إلى الإجرام في
المستقبل.
كما أن التعليم يساهم في تأهيل المحكوم عليه. فالمفرج عنه المتعلم يستطيع أن
يحصل على فرصة للكسب الشريف. وهو وسيلة لتنمية الإمكانيات
الذهنية والملكات الفكرية للمحكوم عليه مما يودي بدوره إلى تغيير في
أسلوب تفكيره وطريقة حكمه على الأشياء ومنهجه في التصرف. وبالتالي
يمكن التعليم المحكوم
عليه من الانتقال من فئة تفتقر إلى التفكير السليم وتقف على
حافة الجريمة إلى
فئة أخرى من ذوي التفكير المستنكر
للإجرام والسلوك
المنحرف[1].
وقد اعترفت غالبية التشريعات بأهمية تعليم
المسجونين[2] وجعلته جزءً من خطتها العقابية الهادفة إلى التأهيل[3]. وقد
أكد على ذلك البند رقم 77/1 ، 2 من قواعد الحد الأدنى بقوله تتخذ إجراءات لمواصلة تعليم جميع
السجناء القادرين علي الاستفادة منه بما في ذلك التعليم الديني في البلدان التي
يمكن فيها ذلك ، ويجب أن يكون تعليم الأميين والأحداث إلزاميا ، وأن توجه إليه
الإدارة عناية خاصة . ويجعل تعليم السجناء في حدود
المستطاع عمليا متناسقا مع نظام التعليم العام في البلد ، بحيث يكون في مقدورهم
بعد إطلاق سراحهم أن يواصلوا الدراسة دون عناء.
وقبل صدور قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنه 1956 لم
يكن للتعليم دور في عملية الإصلاح والتأهيل إلا في حالات قليلة جداً. وكان تقرير التعليم للسجون أول الأمر
بالقانون الصادر رقم 128 لسنة 1946 الذي أدخل بعض التعديلات على القانون
رقم 110 لسنة 1944 والخاص بمكافحة الأمية ونشر الثقافة الشعبية في الدولة والذي نص
في مادته الحادية عشر على وجوب تعليم المسجونين. وتبع ذلك صدور المرسوم بقانون رقم
180 لسنة 1949 بلائحة السجون التي نصت على ضرورة تعليم المحكوم عليهم نظرا لأهمية
التعليم في الإصلاح والتأهيل. كما نص على ضرورة تيسير مواصلة
السجناء لتعليمهم وأداء الامتحانات.
وبالرغم من ذلك ظلت الإدارة العقابية في مصر تتخذ
السجن كأداة للعقاب وسلب الحرية واقتصر تعليم السجناء علي محو
أميتهم في بعض الحالات.
وبصدور المرسوم بقانون رقم 396 لسنة 1956 الخاص
بتنظيم السجون أصبح
للتعليم في السجون بعض الجدية. وقد أبرزت المذكرة الإيضاحية لهذا
القانون دور
التعليم في الإصلاح والتأهيل بقولها
" لوحظ أن المسجون لو ترك وشأنه داخل السجن دون إشراف أو توجيه لأتجه
بكليته إلى التفكير في الجريمة وتقليد غيره من المجرمين ؛ ومنعاً لذلك رؤى أن تقوم إدارة السجن
بتعليم المسجونين وتهيئة سبل الثقافة لهم حتى يشغلوا وقت فراغهم بما يعود عليهم
بالفائدة الذهنية ويباعد بينهم وبين استيعاب عوامل الإجرام"
وعلى هذا تنص المادة 28 من قانون
تنظيم السجون على أن "تقوم إدارة السجن بتعليم المسجونين مع مراعاة السن ومدى
الاستعداد ومدة العقوبة". وأناطت المادة 29 من ذات القانون بوزير الداخلية
بالاتفاق مع وزير التربية والتعليم بوضع منهج الدراسة للرجال والنساء وذلك بعد أخذ
رأي مدير عام السجون[4].
281-
ثانياً :
تنظيم تعليم المحكوم عليهم :
يثير تنظيم التعليم تحديد الكيفية التي تقدم بها إلى
المحكوم عليهم. ولا شك أن هذه الكيفية تتمثل في الدروس والمحاضرات
وهي المستخدمة في التعليم الأولي. بيد أنه لا يجب أن يقتصر أسلوب
التعليم على
هذه الطريقة ، بل يجب أن يمتد ليشمل طريقة المناقشات الجماعية
بحيث يجتمع
المدرسين بالمحكوم عليهم لمناقشة موضوع معين ويستمعون
لأرائهم في
هذا الموضوع و يرشدونهم إلى الخطأ والصواب بشأنه.
ولا شك أن هذه الطريقة من شأنها
أن تشعر
المحكوم عليهم بكيانهم واحترام شخصياتهم.
ويوجب التنظيم الجيد للتعليم في
السجون إعداد هيئة
تدريس تتولى القيام بالعملية التعليمية داخل المؤسسة
العقابية[5].
وتقرر المادتان 1131 و 1132 من دليل العمل بالسجون أن
يستعان في القيام بأعمال التدريس بأقسام محو
الأمية بالمؤسسات العقابية عدد من المدرسين يندبون لذلك من بين مدرسي مديريات
التربية والتعليم أو من العاملين المدنيين والعسكريين بمصلحة السجون الذين تتوافر
فيهم شروط القيام بهذا العمل الفني من حيث المؤهل الدراسي والكفاءة الفنية. ويجوز الاستعانة بالمتطوعين من المحكوم عليهم إذا كانوا على درجة
من التعليم إذا كانت إمكانيات الإدارة العقابية لا تسمح بتعيين أعداد كافية من
المدرسين.
أما القائمين على التدريس بالقسم الثاني للتعليم
العام فلابد أن يكونوا مدرسون فنيون معينون لذلك يعاونهم عدد من المحكوم عليهم
الذين يحملون مؤهلات داخل المؤسسة العقابية.
282-
ثالثاً :
مستوى تعليم المحكوم عليهم :
يثور التساؤل حول مستوى التعليم الذي يجب أن
يتلقاه المحكوم عليه.
هل يجب أن يتقيد التعليم في السجون بمستوى معين لا
يجوز أن يرتفع المحكوم عليه فوقه ؟ في هذا
الصدد ذهب البعض إلى أن مستوى تعليم المحكوم
عليه يجب
أن يقف عند الحد الذي هو عليه في بيئته
الطبيعية قبل دخوله المؤسسة العقابية ؛ كي لا يشعر المحكوم عليه أنه أصبح
أعلى تعليماً وثقافةً من مستوى أبناء بيئته فيصبح من العسير اندماجه فيهم حين
الإفراج عنه.
والواقع أن هذا الرأي تعوزه الدقة ذلك لأن المحكوم عليه إذا ارتفع
مستوى تعليمه فإن ذلك يعزز من مكانته في البيئة التي كان يعيش فيها ويحظى باحترام
لم يكن يحظى به من قبل. وحتى لو لم يستطع الاندماج في
بيئته فإنه يستطيع الاندماج في بيئة أرفع مستوى وأكثر
استقامة.
وعلى ذلك فلا يجوز الوقوف عند حد معين من التعليم في المؤسسة العقابية ، وذلك
في حدود الإمكانيات
المتاحة للمؤسسة العقابية. فقد تسمح قدرات المؤسسة بتيسير التعليم الجامعي
والدراسات العليا للمحكوم عليهم عن طريق المراسلة أو الانتساب[6]. وإلى هذا
ألمح المشرع المصري حينما أوجب في المادة 31 من قانون تنظيم
السجون على
إدارة السجن أن تشجع المسجونين على الإطلاع والتعليم وأن تيسر الاستذكار للمسجونين
الذين على درجة من الثقافة ولديهم الرغبة في مواصلة الدراسة وأن تسمح لهم بتأدية الامتحانات
الخاصة بهم في مقار اللجان[7]. على أنه
لا يجب أن يقل مستوى التعليم في السجون عن الحد الذي يستلزمه محو أمية المحكوم
عليه ، أو ما يسمى بالتعليم الأولي. ويجب أن يكون هذا التعليم إلزامياً (البند 77
من قواعد الحد الأدنى). وتنفيذا لهذا صدر القرار الوزاري رقم 1026 لسنة
1972 بشأن منهج تعليم وتثقيف المسجونين والذي جاء وفقاً لما جاء بمناهج وزارة التربية
والتعليم تنفيذاً للقانون رقم 67 لسنة 1970 في شأن تعليم الكبار ومحو
الأمية. ووفقاً لهذا قسم المشرع المصري التعليم العام في السجون المصرية
إلى مستويين هما المستوى الأساسي الإجباري والمستوى
الاختياري. ويجري الامتحان لمنهج المستوي
بمعرفة إدارة التعليم والوعظ بمصلحة السجون وتقوم إدارة المؤسسة العقابية بتنفيذ
منهج التعليم بمستوييه. وتشترط
المادة 58
من قانون تنظيم السجون والمادة 1137 من دليل العمل بالسجون فيمن يلحق بمدرسة السجن وهي :
*- ألا يزيد سن المحكوم
عليه على
45 سنه.
*- ألا تقل المدة الباقية من حكمه عن
ستة أشهر.
*- ألا يكون مصاباً بعاهة عقلية أو جسمية تمنعه من
التعليم.
كما يجب على الإدارة العقابية أن تيسر سبل
التعليم الفني Formation technique ou professionnelle للمحكوم عليهم من أجل المعاونة على تأهيلهم مهنياً ومن أجل
مساعدتهم على الكسب الحلال بعد انقضاء مدة العقوبة. وعلى هذا أكدت المادة 71/5 من
قواعد الحد الأدنى بقولها "يوفر تدريب مهني نافع للسجناء القادرين على
الانتفاع به".
وينظم
التعليم الفني
بالمؤسسات العقابية المصرية القانون رقم 75 لسنة 1970 في شأن التعليم الفني. وينقسم هذا
التعليم إلى
تعليم فني صناعي وزراعي وتجاري. ويشترط لالتحاق المحكوم
عليه بهذا النوع من التعليم عدة شروط منها:
*- أن يكون الطالب حاصل على
الإعدادية أو ما يعادلها.
283-
رابعاً :
وسائل تعليم المحكوم
عليهم :
284-
أ: المكتبة :
تعد المكتبة La librairie من أهم
وسائل التعليم داخل المؤسسة العقابية ؛ ففيها يجد المحكوم عليه السبيل لاستكمال
ثقافته ورفع الملل المصاحب
لسلب الحرية. ويجب
أن تعد المكتبة وتنتقي كتبها حتى يكون لها التأثير الذي تقتضيه اعتبارات التأهيل. ومن الملائم تخصيص أوقات للقراء
في المكتبة تحت إشراف الإدارة العقابية ، مع إتاحة الفرصة للنزلاء
باستعارة الكتب
لقراءتها في محبسهم[9].
وقد اعترف النظام العقابي المصري بأهمية مكتبه السجن ، فأوجب
بالمادة 30
من قانون تنظيم السجون أن تنشأ في كل سجن مكتبة للمسجونين تحوي كتباً
دينية وعلمية وأخلاقية تشجع المسجونين على الانتفاع بها في أوقات فراغهم. وتردد
ذات الأمر المادة 40 من قواعد الحد الأدنى بقولها "يزود كل سجن بمكتبة مخصصة
لمختلف فئات السجناء تضم قدراً وافياً من الكتب الترفيهية والتثقيفية على السواء ،
ويشجع السجناء على الإفادة منها إلى أبعد حد ممكن".
285-
ب : الصحف :
تعد الصحف Les journaux من وسائل التعليم غير المباشر. ويتجه الرأي الغالب
في الفقه إلى
إجازة دخول الصحف العامة إلى المؤسسة العقابية. والحجة في ذلك هي الإبقاء على الصلة بين المحكوم عليه والمجتمع الخارجي.
فضلاً عن
ذلك فإن الحق في العلم هو حق لكل شخص باعتباره إنساناً ، ومن ثم ينبغي
أن يظل للمحكوم عليه هذا الحق لا تجرده العقوبة منه. وإلى
هذا أشارت المادة 30 من قانون تنظيم السجون بقولها " يجوز للمسجونين أن
يستحضروا على نفقتهم الكتب والصحف من جرائد ومجلات وذلك وفق ما تقرره اللائحة
الداخلية"[10].
كما يتجه الرأي الراجح في الفقه
إلى تحبيذ
إصدار صحيفة خاصة بالمؤسسة العقابية ، يتولى تحريرها السجناء
بأنفسهم تحت إشراف الإدارة العقابية ، باعتبار أن ذلك يمثل نافذة لهذه الأخيرة على
مشاكل وميول المحكوم عليهم[11].
[2] لمزيد من التفصيل حول واقع التعليم في
المؤسسات العقابية المصرية ، راجع تقارير منظمة حقوق الإنسان المصرية على الانترنت
http://www.eohr.org.
[3] راجع لمزيد من التفصيل د. غنام محمد غنام ،
المرجع السابق ، ص 164 وما بعدها ، فادية أبو شهبه ، تطور التنفيذ العقابي في مصر ،
التعليم بالمؤسسات العقابية ، المجلة
الجنائية القومية ، ع2 ، 3 ،
يوليو- نوفمبر 1992 ،
ص 7 وما بعدها.
[4] حرص الدستور المصري على أن يكون التعليم حقا لكل مواطن وتكفله
الدولة وذلك طبقا لنص المادة 18 من الدستور الدائم
لسنة 1971. بل ولقد توسع المشرع الدستوري المصري بأن
جعله بالمجان في المراحل التعليمية المختلفة (م21 من
الدستور).
راجع في ذات المعنى المادة 26 من الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان والمادتين 13 و14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية
والاجتماعية التي صدقت عليها الأمم المتحدة في ديسمبر 1966.
[5] وفقاً للمادة 1120 من دليل العمل في
السجون تشكل لجنة عليا تشرف على رسم وتنفيذ برامج التعليم
بالسجون برئاسة مدير مصلحة السجون وعضوية وكيل المصلحة ومدير إدارة الإصلاح ورئيس
قسم التعليم والوعظ. ويتولى سكرتارية اللجنة أحد العاملين بقسم
التعليم والوعظ. ويشرف على أقسام محو الأمية مشرفون عامون
ومفتشون إداريون وفنيون للإشراف والتفتيش. ويحدد عددهم بعدد المناطق
التعليمية بالمصلحة ويتم اعتمادها بموافقة وزارة الداخلية بعد أخذ رأي الإدارة
العامة. ويقوم المشرفون بزيارة الأقسام التعليمية بالسجون
بحد أدني أربع زيارات في السنة بالنسبة للمشرفين وخمس زيارات للمفتشين للتأكد من
حسن سير العمل بها.
[6] د. فوزية عبد الستار ، المرجع السابق ، ص131 ، د. محمود نجيب حسني ، المرجع السابق ، ص313 ، د. محمد عيد الغريب ،
المرجع السابق ، ص209. وراجع في ذات المعنى art. D. 454 من قانون الإجراءات الجنائية
الفرنسي.
[7] وكانت المادة 31 من قانون السجون قبل تعديلها بالقانون رقم 187 لسنة 1973 تخطر
خروج المحكوم عليهم من المؤسسة العقابية لتأدية الامتحانات. وقد استجاب المشرع لتلك الأصوات
التي انتقدت منع الانتقال إلى مقار اللجان خارج المؤسسة العقابية
وعلى ذلك فأصبح من حق السجناء الانتساب إلى الجامعات والمعاهد والانتقال
إلى مقار الجامعات والمعاهد لأداء الامتحان. أما صفوف الثانوية العامة أو الإعدادية وغيرها فيتم عقد لجان الامتحان داخل المؤسسة العقابية بمعرفة وزارة التربية والتعليم. وفي عام 1986 صدر قرار وزير
الداخلية بان تتحمل مصلحة السجون الرسوم الدراسية في جميع مراحل التعليم لنزلاء
السجون الذين يواصلون دراستهم تحقيقا لتخفيف الأعباء المالية عليهم وتشجيعا لهم
علي مواصلة الدراسة.
[8] وكان قد صدر القرار رقم 183 لسنة 1973 الذي نص
على إنشاء
المدرسة الثانوية الصناعية بسجن القناطر للرجال والذي أستثنى المحكوم عليهم المودعون
بهذا السجن من شرط السن. وتسمى هذه المدرسة باسم مدرسة الشهيد
يوسف عباس الثانوية الصناعية. ويجوز للخريجين استكمال دراستهم
بالكليات أو المعاهد العليا. وفي نهاية السنة الدراسية تعقد
وزارة التربية والتعليم امتحاناً عاماً تحريرياً وعملياً على مستوى الجمهورية من دور واحد يمنح
الناجحون فيه شهادات دبلوم الثلاث سنوات أو الخمس سنوات.
[9] د. محمود نجيب حسني ، المرجع السابق ، ص315 وما بعدها ، د. مأمون سلامة ، أصول علم الإجرام والعقاب
، دار
الفكر العربي ، 1979 ، ص349.
[10] إلا أن المادة 30 تمنع من الاستفادة من هذه
الميزة المحكوم عليهم تطبيقاً للمواد 98 "أ" و98 "ب" مكرراً
و98 "ج" و98 "د" و98 "هـ" و174 من قانون العقوبات.
وهي من الجرائم المنصوص عليها في الباب الثاني من قانون العقوبات الذي يعالج
الجنايات والجنح المضرة بالحومة من جهة الداخل.
إرسال تعليق