تهذيب المحكوم عليه
لا يكتمل للتعليم - كأحد أساليب المعاملة
العقابية الداخلية - دوره في التأهيل إلا بالاهتمام بتهذيب المحكوم
عليهم L’éducation des détenus. فالتعليم والتهذيب وجهان
لعملة واحدة ولا يقوم أحدهما بدون الأخر. والتهذيب نوعان : إما تهذيب ديني وإما تهذيب خلقي.
أولاً : التهذيب الديني :
لقد عرف التهذيب الديني
L’éducation
religieuse أول ما عرف مع النشأة الأولى
للسجون. فقد كان رجال الدين المسيحي يقومون بزيارة السجون لحض
النزلاء على الندم والتوبة والتقرب إلى الله.
فالقائمين على الإدارة العقابية في ذاك الوقت كانوا من رجال الدين[1]. ورغم
إسناد مهمة الإدارة العقابية حالياً في غالبية التشريعات إلى المدنيين إلا أنه يظل
رغم ذلك لرجال الدين دور كبير في تهذيب وتأهيل المحكوم عليهم. إذ تستعين بهم
المؤسسات العقابية في تنمية الوازع الديني لدى المذنبين ، الذين يكون أكثر تضرعاً
إلى الله وهم في مرحلة سلب الحرية أكثر مما كانوا عليه قبلها ؛ مما يسهل عملية
التأهيل وكبح جماح عوامل الجريمة المتأصلة في النفس. وقد أكدت على هذه الأهمية
المادة 42 من قواعد الحد الأدنى بقولها "يجب أن يسمح لكل مسجون بإشباع
متطلبات حياته الدينية على قدر المستطاع عملياً وذلك عن طريق حضور الخدمات الدنية
التي تنظم في المؤسسة وحيازته لكتب التعليم والإرشاد الديني الخاصة بمذهبه".
ولحسن أداء الوظيفة التهذيبية
يتعين اختيار
رجل الدين بعناية فائقة. فيجب أن يكون على علم بقواعد دينه
، ويقتضي ذلك حصوله على مؤهل دراسي يثبت ذلك. ويفضل
أن يلحق رجل الدين قبل أداءه لمهامه داخل المؤسسة العقابية بدورات تدريبية للتعرف
على مجتمع السجن وطبيعة المشاكل التي تواجه المسجون داخلة وعلى الدوافع المختلفة
للجريمة. يضاف
إلى ذلك ضرورة اختيار رجل الدين ممن يعرف عنه صلاح السلوك ونزوعه للاهتمام بمشاكل الآخرين والرغبة
في المساعدة على حلها (م21 من اللائحة الداخلية)[2].
ويناط برجال الدين العاملين
بالمؤسسات العقابية إدارة الشعائر الدينية وإلقاء المحاضرات والوعظ
والإفتاء. ويمكن لرجل الدين – بعد موافقة الإدارة العقابية - أن يقوم بتنظيم مناقشات جماعية
لإتاحة الفرصة أمام المحكوم عليهم لعرض استفساراتهم وبيان حكم الدين فيها. وعليه أن يجتمع بالمحكوم عليه
الذي يطلب ذلك أو يقدر رجل الدين أنه في حاجة إلى هذا الاجتماع[3]. وتوجب
المادة 32 من قانون السجون أن يكون لكل ليمان أو سجن عمومي واعظ أو أكثر لترغيب
المسجونين في الفضيلة وحثهم على أداء الفرائض الدينية[4].
وتلزم
المادة 21 من اللائحة الداخلية للسجون الواعظ بأن "يزور كل مسجون يغلب
عليه الشذوذ وعدم الاستقامة باذلاً جهده في إصلاحه".
281-
ثانياً :
التهذيب
الخلقي :
يقصد بالتهذيب الخلقي L’éducation
moralisatrice بث الفضيلة الأخلاقية والقيم السامية في نفس المحكوم
عليه. وتبرز أهمية التهذيب الخلقي في محاولة التغلب على
القيم الفاسدة التي دفعت النزيل إلى السلوك الإجرامي ، وإبدالها بقيم ومثل أخلاقية
قويمة. ولكي يؤدي التهذيب الخلقي دوره المنشود يجب أن يكون القائمون عليه ممن
تتوافر لديهم معرفة خاصة بقواعد علم النفس والاجتماع والأخلاق والقانون والعلوم
الاجتماعية بصفة عامة ، حتى يمكنهم فهم شخصية المحكوم عليه واكتساب ثقته وتوجيهه في تصرفاته بما يتفق
ومعايير السلوك العام في المجتمع[5]. ولا شك أن أيسر
السبل لتحقيق أغراض التهذيب الخلقي هي اللقاء
الفردي بين الأخصائي الاجتماعي والمحكوم عليه ؛ حيث يتاح للأخصائي التعرف على
شخصية النزيل الذي يتقابل معه ، ويسهل عليه مناقشته وإقناعه بعدم سلامة
أفكاره ومسار معتقداته وقيمه التي دفعته إلى سلوك الجريمة. ويمكن
من أجل بلوغ هذا التهذيب أن تعقد مناقشات جماعية يحضرها الأخصائي ويقوم بمناقشة موضوع
معين مع النزلاء وسماع وجهة نظرهم فيه
[6].
[4] تنص المادة 41/1 من قواعد الحد الأدنى على أنه
"إذا كان السجن يضم عدداً كافياً من السجناء الذين يعتنقون نفس الدين يعين أو
يندب ممثل لهذا الدين ومؤهل لهذه المهمة...".
إرسال تعليق