الرعــــــــــاية الاجتماعية

أولاً : مضمون الرعاية الاجتماعية :

     تمثل الرعاية الاجتماعية La protection sociologique أهم أساليب المعاملة داخل المؤسسات العقابية. فعن طريقها يمكن معرفة المشاكل التي يمر بها المحكوم عليه ومحاولة حلها لكي يستطيع المحكوم عليه الاستجابة لأساليب التأهيل وهو مطمئن النفس هادئ البال. وعن طريقها يمكن أيضاً الإبقاء على الصلة بين المحكوم عليه والمجتمع ؛ بما يسهم في تحقيق الغرض التأهيلي للجزاء الجنائي[1]. لأجل هذا اهتمت النظم العقابية المختلفة بالإشراف الاجتماعي في السجون سواء تمثل في صورة إدارة للخدمة الاجتماعية العقابية كما في النظام الفرنسي ، أم في صورة أخصائي كما هو الحال في النظام المصري[2]. فقد نصت المادة 32 من قانون تنظيم السجون على أن "يعين في كل ليمان أو سجن عمومي أخصائي أو أكثر في العلوم الاجتماعية والنفسية"[3].

281-                   ثانياً : وسائل الرعاية الاجتماعية :
     للرعاية الاجتماعية وسائل متنوعة يمكن أن نذكر منها على الأخص : دراسة مشاكل النزيل ، وإعداد برامج لشغل أوقات الفراغ داخل المؤسسة ، وأخيراً تنظيم الصلة بين المحكوم عليه والعالم الخارجي.

282-                   أ : دراسة مشاكل المحكوم عليه :
     إن أول وسائل الرعاية الاجتماعية هي محاولة حل المشاكل المتنوعة التي يعاني منها المحكوم عليه ، والتي منها ما يتعلق بأسرة المحكوم عليه ، ومنها ما يتعلق بحياة المحكوم عليه داخل المؤسسة العقابية. ففي ظل هذه المشاكل فإن المحكوم عليه يجد نفسه مكتوف الأيدي وعاجز عن التوصل لحل المشاكل فتتسم نفسيته بالقلق والاضطراب وبالتالي لا تحقق برامج التأهيل دورها المنشود. فقد يخلف المحكوم عليه وراءه زوجة مريضة تفتقر إلى الدواء أو محل عمل لا يوجد من يديره. وقد يكون المحكوم عليه في حالة نفسية سيئة نتيجة لسلب حريته داخل السجن[4].

وعلى ذلك تبدو أهمية دور الأخصائي الاجتماعي الذي يساعد المحكوم عليه على مواجهة مشاكله سواء تلك التي تطرأ بعد إيداعه المؤسسة العقابية أم تلك التي كان يعاني منها قبل إيداعه بالسجن.

ويجب على الأخصائي الاجتماعي أن يكسب ثقة المحكوم عليه حتى يستطيع الإلمام بالمشاكل التي يعاني منها ، وأن يحاول أن يخفف عنه مرحلة سلب الحرية خاصة في مراحلها الأولى. وأن يعاونه على تفهم دور الإدارة العقابية المتمثل في محاولة إعداده لمواجهة ظروف الحياة بعد انقضاء فترة العقوبة وحتى لا ينزلق مرة أخرى في تيار الجريمة[5]. وقد يستوجب الأمر من الأخصائي النزول إلى الوسط الذي كان يعمل فيه المحكوم عليه أو يعيش فيه من أجل جمع المعلومات الكافية عن حالة النزيل ، كي يتم اختيار أسلوب المعاملة المناسب له.

 كما يجب على الأخصائي الاجتماعي أن يقوم بالاتصال بأسرة المحكوم عليه وأن يعاونها في حل مشاكلها وأن يطمئن النزيل بعد ذلك بحلها حتى تهدأ نفسه وتثمر معه أساليب المعاملة المختلفة في تأهيله وتهذيبه[6].

283-                   ب : برامج شغل أوقات الفراغ :
     يهدف هذا الأسلوب من أساليب الرعاية الاجتماعية إلى تهذيب وإصلاح المحكوم عليه. فمن الضروري تنظيم شغل أوقات الفراغ بما يعود على النزيل بالنفع ويساعده على تنمية شخصيته وقدراته وعلى كيفية التوافق مع غيره من الأفراد. ولتنظيم أوقات فراغ المحكوم عليهم صور متعددة منها إعداد أنشطة ثقافية ورياضية وفنية وترويحية داخل المؤسسة العقابية. وجدير بالذكر أن للأخصائي الاجتماعي دور أساسي في توجيه النزلاء إلى حسن استغلال وقت فراغهم واختيار النشاط المناسب لكل نزيل والذي يتفق مع رغباته حتى يتحقق الغرض التأهيلي للجزاء الجنائي[7].

284-                   ج : تنظيم اتصالات السجين بالعالم الخارجي :
     أصبح من بين المبادئ المستقرة في السياسة العقابية الحديثة وجوب العمل على توفير صلات للسجين بالعالم الخارجي ، وذلك حتى لا يبقى في عزلة جامدة عن المجتمع الذي سيعود إليه يوماً ما من جديد بعد الإفراج عنه. من هنا تبرز أهمية الاتصال باعتباره أسلوب من أساليب الرعاية الاجتماعية التي تخفف من صدمة الإفراج التي تصيب النزلاء الذين يفقدون كل اتصال بالعالم الخارجي خلال فترة العقوبة. كما تبرز أهميته باعتباره أحد السبل التي تساعد المحكوم عليه على الاستجابة لبرامج التأهيل والأداة الفعالة في التخفيف من قسوة الضغوط النفسية التي يعاني منها المحكوم عليه داخل السجن[8].

ولتنظيم الصلة بين المحكوم عليه والعالم الخارجي يمكن اللجوء إلى عدة طرق : فقد يتم ذلك عن طريق التراسل مع الغير خارج أسوار السجن ، وقد يتم ذلك عن طريق السماح بأن يتلقى المحكوم عليه زيارات داخل السجن ، فضلاً عن الإبقاء على الصلة الأسرية للمحكوم عليه أو التصريح للنزيل بالخروج المؤقت من المؤسسة العقابية.

285-                   المراسلات  Les correspondances:
     لقد أصبح حق المحكوم عليه في التراسل أحد الحقوق المستقرة في النظم العقابية الحديثة، وإن خضع هذا الحق لقيود معينة. ولقد تطورت النظرة إلى هذا الحق في السياسة العقابية الحديثة عنه في السياسة العقابية القديمة ، فقد كان هذا الحق مقيداً بعدد معين من الرسائل وقاصر على أفراد أسرة المحكوم عليه والمدافع عنه فحسب. أما في السياسة العقابية الحديثة فإن هذا الحق بدأ يقترب من حد الإطلاق ولا يقيده قيد سواء من حيث عدد المراسلات أو من حيث الأشخاص[9]. وأصبح يكتفي فقط بالرقابة على هذه الرسائل من قبل إدارة السجن في الأحوال التي يخشى فيها أن تكون هذه المراسلات سبباً لمعاونة السجين على الهرب أو إخلاله بالنظام داخل المؤسسة[10] ، أو حينما يساهم الإطلاع على مراسلات المحكوم عليه في تأهيله ، كأن يمكن الإطلاع من كشف المشاكل الشخصية أو الأسرية للنزيل فيحاول رجال الإدارة العقابية حلها كي يتسنى الإسراع بتأهيل المحكوم عليه[11].

وقد أكد  قانون تنظيم السجون المصري حق المحكوم عليه في التراسل38). وأجازت المادة 60 من اللائحة الداخلية للسجون للمحبوسين احتياطياً و للمحكوم عليهم بالحبس البسيط التراسل في أي وقت ، ولباقي المحكوم عليهم بمعدل خطابين كل شهر وتلقي ما يرد إليهم من خطابات[12].  وفى سبيل تيسير حق المراسلة للسجناء والمعتقلين نصت المادة 67 من اللائحة التنفيذية لقانون السجون على أن تصرف إدارة السجن للمسجونين الورق والأدوات اللازمة لكتابة خطاباتهم.

286-                   الزيارات :
     تتيح غالبية الأنظمة العقابية الفرصة أمام المحكوم عليه لتلقي الزيارات Les visites داخل المؤسسة العقابية ، سواء من أفراد أسرته ، أو من أفراد آخرين ، إذا كان ذلك يفيد في تأهيله. وتكون الزيارات في مواعيد دورية ولفترة محدودة ، على أن تتم الزيارات بحضور أحد العاملين في المؤسسة العقابية ليراقب الحديث ويمنع تسليم أي شئ غير مسموح به للمحكوم عليه. ولرجال الإدارة  أن تنهي الزيارة في أي وقت إذا وجدت أن الحديث الذي يدور بين الزائر والمحكوم عليه فيه ما يهدد نظام المؤسسة.

وغالباً ما يتم الفصل بين المحكوم عليهم والزوار سواء عن طريق حاجز من الأسلاك الحديدية المتشابكة التي تمنع تصافحهم أو بجلوس المحكوم عليه وزائريه متقابلين على منضدة مستطيلة يفصل بينهم حاجز مثبت في منتصف المائدة. وفي المؤسسات المفتوحة تتخذ الزيارة صورة الجلسة العائلية. وعادة ما يخضع المحكوم عليه وزواره للتفتيش الذاتي قبل وبعد الزيارة[13].

ونظمت اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956 موضوع الزيارة في المواد من 60 حتى المادة 80. فتنص المادة 60 على انه "للمحكوم عليه بالسجن البسيط والمحبوسين احتياطيا الحق في التراسل في أي وقت ولذويهم أن يزروهم مرة واحدة كل أسبوع في أي يوما من أيام الأسبوع عدا أيام الجمع والعطلات الرسمية ما لم تمنع النيابة أو قاضي التحقيق ذلك بالنسبة إلي المحبوسين احتياطيا طبقا للمادة 141 من قانون الإجراءات الجنائية. كما نصت المادة 64  على أن يكون للمحكوم عليه بالسجن المؤبد أو المشدد أو السجن والحبس مع الشغل الحق في التراسل ولذويهم أن يزروهم بعد مضي شهر من تاريخ تنفيذ العقوبة ثم تكون زيارتهم وتراسلهم ما دام سلوكهم حسنا علي الوجه الأتي :
*- تكون الزيارة مرة واحدة شهريا للمحكوم عليه بالسجن المؤبد أو المشدد المنفذ عليهم باليمانات.
*- تكون الزيارة مرة كل ثلاثة أسابيع للمحكوم عليهم بالسجن أو الحبس مع الشغل أو المحكوم عليهم بالسجن المؤبد أو المشدد المنقولين من الليمانات للسجون العمومية[14].

كما نصت المادة  66 على أن للمسجون عند نقله إلى سجن في بلد أخر الحق في التراسل ولذويه أن يزوروه مرة واحدة قبل أو بعد نقله ولو لم يحل ميعاد المراسلة أو الزيارة العادية المستحق له ولا تحسب هذه الزيارة والمراسلة من الزيارات أو المراسلات المقررة للمسجون. ويستثني من ذلك المسجون المنقول إلى سجن أخر لصالح الضبط أو المسجون المجازي بالنقل إلى اليمان.

 أما عن مدة الزيارة العامة فقد أوضحتها المادة 71 من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم السجون بقولها "تكون مدة الزيارة العادية ربع ساعة ، ويجوز لمدير السجن أو المأمور إطالة المدة إذا دعت لذلك ضرورة. وأجازت المادة 40 من قانون السجون للنائب العام أو لمدير عام السجون أو من ينيبه أن يأذنوا لذوي المسجون بزيارته في غير مواعيد الزيارة العادية إذا دعت الضرورة ذلك. ومدة تلك الزيارة الخاصة – وفقاً للمادة 71 من اللائحة التنفيذية - يجوز أن تزيد على هذه الربع ساعة على ألا تجاوز نصف ساعة".

287-                   الصلة الأسرية للمحكوم عليه  :
     لا شك أن إبعاد المحكوم عليه عن أسرته يؤثر كثيراً على حالته النفسية مما يؤدي إلى عرقلة البرامج التي تهدف إلى تأهيله. لأجل ذلك يجب المحافظة على الصلات الأسرية Les relations familiales بين النزيل وأفراد أسرته. ويتحقق هذا الاتصال - فضلاً عما تقدم - بالسماح للنزيل بتلقي الإعانات المالية ذات الطابع الغذائي وتمكين النزيل من الإطلاع على ما يهمه من أخبار في نطاق عائلته وجعل عائلته على دراية مستمرة بأحواله[15].

وقد نص البند رقم 79 من قواعد الحد الأدنى على هذا الأسلوب من أساليب الرعاية الاجتماعية بقوله "يجب أن يوجه اهتمام خاص نحو المحافظة على صلات المسجون بأسرته ، وتحسين هذه الصلات وفق ما تقتضيه مصلحة الطرفين".

288-                   تصاريح الخروج المؤقت :
     يقصد بتصاريح الخروج المؤقت Permissions de sortir السماح للمحكوم عليه بالخروج من المؤسسة العقابية لمدة قصيرة تستدعيها ظروف طارئة. وتمنح هذه التصاريح في الغالب لاعتبارات إنسانية كالسماح للمحكوم عليه برؤية عزيز لديه مريض أو مشرف على الموت أو الاشتراك في جنازته[16]. و لا شك أن هذا النظام يساعد على تأهيل المحكوم عليه وحفظ صلاته بالعالم الخارجي.

وقد نصت المادة 85 من اللائحة الداخلية للسجون على جواز السماح للمحكوم عليه في فترة الانتقال – أي الفترة التي تسبق الإفراج عنه – بأجازة لا تجاوز ثمانية وأربعين ساعة خلاف مواعيد المسافة إذا دعت إلى ذلك ضرورة قصوى أو ظروف قهرية. ويبين من تلك المادة أن النظام المصري لا يعرف نظام التصاريح المؤقتة للخروج من المؤسسة العقابية في غير فترة الانتقال ، وهو أمر لا بد من مراجعته تأسياً بالنظم العقابية الحديثة التي بدأت توسع من حالات منح هذه التصاريح فأجازتها في حالات البحث عن عمل أو لحضور اختبار معين[17].


[1] د. جلال ثروت ، المرجع السابق ، ص149-150 ، د. فوزية عبد الستار المرجع السابق ص 159.
[2] د فوزية عبد الستار المرجع السابق ص 160 ، د. أحمد شوقي أبو خطوة ، المرجع السابق ، ص590.
[3] لمزيد من التفصيل حول الانتهاكات المتعلقة بالرعاية الاجتماعية في السجون المصرية وبعض الدول العربية ، راجع تقارير منظمة حقوق الإنسان المصرية على الانترنت http://www.eohr.org.
[4] د. أحمد شوقي أبو خطوة ، المرجع السابق ، ص590-591 ، د. فوزية عبد الستار ، المرجع السابق ، ص 160.
[5] د. محمد عيد الغريب ، المرجع السابق ، ص222-223.
[6] د. أحمد شوقي أبو خطوة ، المرجع السابق ، ص591 ، د. محمد عيد الغريب ، المرجع السابق ، ص223.
[7] د. محمد عيد الغريب ، المرجع السابق ، ص223.
[8] د. محمد عيد الغريب ، المرجع السابق ، ص218-219.
[9] تنص المادة 45 من الدستور المصري على أن "للمراسلات البريدية والبرقية...وغيرها من وسائل الاتصال حرمة ، وسريتها مكفولة ولا يجوز مصادرتها أو الإطلاع عليها أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب ولمدة محددة وفقاً لأحكام القانون.
[10] أعطت المادة م61 من اللائحة الداخلية لقانون السجون لمدير السجن أو مأموره حق عدم تسليم الخطابات إلى أصحابها إذا تضمنت ما يثير الشبهة أو يخل بالأمن.
[11] د. فوزية عبد الستار ، المرجع السابق ، ص162 وما بعدها ، د. محمد عيد الغريب ، المرجع السابق ، ص220 ، د. غنام محمد غنام ، المرجع السابق ، ص110 وما بعدها.
[12] واستثنى القانون المصري الخطابات التي يحررها المسجون لأهله وأصدقائه بطلب نقود لشراء ملابس داخلية أو ما شابه ذلك من مواعيد المراسلة العادية المستحقة له ( م62 من اللائحة الداخلية). إلا أنه يجوز حرمان المحكوم عليه من التراسل تأديبياً وفقاً لما تقرره المادة 43 من قانون تنظيم السجون ، التي تنص على "الحرمان من كل أو بعض الامتيازات المقررة لدرجة المسجون أو فئته لمدة لا تزيد على ثلاثين يوماً". راجع د. غنام محمد غنام ، المرجع السابق ، ص 111 وما بعدها.
[13] د. أحمد شوقي أبو خطوة ، المرجع السابق ، ص594.
[14] وهي تفرقه في رأينا غير منطقية رغم وحدة العقوبة وإن اختلف مكان التنفيذ.
[15] د. محمد عيد الغريب ، المرجع السابق ، ص220.
[16] أجازت المادة 723-3 إجراءات جنائية فرنسي التصريح للمحكوم عليه بالخروج المؤقت من المؤسسة العقابية لمدة لا تزيد على ثلاثة أيام إذا استدعت ظرف عائلية خطيرة ذلك Sortir pour des circonstances familiales graves شريطة ألا تزيد العقوبة على خمس سنوات وأن يكون المحكوم عليه قد قضى نصف مدتها.
[17] د. محمد عيد الغريب ، المرجع السابق ، ص222. تسمح المادة 723-3 إجراءات جنائية فرنسي بمنح المحكوم عليه بعقوبة لا تزيد على خمس سنوات أو تزيد على ذلك إذا ما نفذ نصف تصريحاً لمدة يوماً واحد لأجل التقدم لوظيفة أو استكمال إجراءات التقدم للخدمة العسكرية أو الخضوع لاختبارات معينة.  

1 Comments

Post a Comment

Previous Post Next Post