القرار الإداري في قضاء المحكمة الاتحادية العليا
أ- تعريف
القرار الإداري
تبنت المحكمة تعريفاً للقرار الإداري، استقر عليه
قضاؤها بانتظام وإطراد، إذ عرفته بأنه " إفصاح الإدارة عن إرادتها الملزمة
بمالها من سلطة عامة بمقتضى القوانين واللوائح في الشكل الذي يتطلبه القانون بقصد
إحداث أثر قانوني معين متى كان ممكنا وجائزاً قانوناً وكان الباعث عليه تحقيق مصلحة
عامة".
واستناداً إلى هذا التعريف، فإن المحكمة أرست عدة مبادئ قانونية اعتبرت
فيها أن القرار الإداري تصرف قانوني من جانب واحد، وأنه يشترط لصحته أن يكون
مستنداً إلى سبب مشروع يبرره، وصادراً من المرجع المختص ضمن الصلاحيات المقررة له
قانوناً، ومبرأً من عيب التعسف أو الشطط في استعمال السلطة، وأنه يخضع لرقابة
القضاء، وأنه يتميز عن أعمال السيادة التي تصدر عن سلطة الحكم في نطاق وظيفتها
السياسية كما يتميز كذلك عن الأعمال المادية أو الإجراءات التمهيدية السابقة على
صدور القرارات.
ب-عيوب القرار الإداري
لا يوجد في تشريعات دولة الامارات الاتحادية
منها أو المحلية ، نص تشريعي يحدد أو يبين أوجه إلغاء القرار الإداري ، أي العيوب
التي تصيبه فتجعله غير مشروع يستحق الإلغاء . لكن قضاء المحكمة الاتحادية العليا
أبطل وألغى القرارات الإدارية للعيوب التالية:
· عيب المحل (عيب مخالفة
القانون)
محل القرار الإداري هو موضوعه. أو هو الأثر
القانوني المباشر المترتب عليه، أو هو خروج الإدارة في تصرفاتها عن حدود القانون
الذي يتعين على الإدارة أن تتقيد به تطبيقاً لمبدأ المشروعية الذي يوجب أن تكون كل
تصرفات الإدارة في حدود القانون.
والمقصود بالقانون ، القانون بمفهومه العام
ومدلوله الواسع فيشمل كل قاعدة عامة مجردة أياً كان مصدرها.
ويعتبر
عيب المحل من أهم أوجه الإلغاء وأكثرها وقوعاً من الناحية العملية،ورقابة القضاء
على هذا العيب تنصب على جوهر القرار وموضوعه لتكشف عن مطابقته أو مخالفته للقانون.وصور
مخالفة القانون إما أن تكون على شكل المخالفة المباشرة للقاعدة القانونية من حيث
موضوعها ، أو الخطأ في تفسيرها أو تأويلها ، أو الخطأ في تطبيقها.
أمثلة تطبيقية
*اعتبر المحكمة الاتحادية العليا ، أن تطبيق فقرة
من نص مادة قانونية محل فقرة أخرى واجبة التطبيق ، صورة من صور مخالفة القانون ،
يعيب القرار بعيب مخالفة القانون بما يوجب إلغاءه.
*وفي واقعة اعتبرت المحكمة أن الفصل بغير الطريق
التأديبي ، يعتبر خطأ في تطبيق القانون ، إذا لم يكن سبب قرار الفصل مستنداً إلى
عناصر واقعية أو قانونية تبرره.
*وفي واقعة ثالثة انتهت المحكمة إلى أن إنهاء خدمة
الموظف الاتحادي لغير سبب من أسباب الإنهاء الواردة حصراً في قانون الخدمة المدنية
في الحكومة الاتحادية ، مخالفة للقانون يعيب القرار ويوجب إلغاءه.
*عيب الشكل
عيب الشكل هو مخالفة الإدارة للقواعد الإجرائية
الواجبة الاتباع في إصدار القرارات الإدارية . أو هو صدور القرار الإداري دون
مراعاة الإدارة للشكليات أو الإجراءات التي نص عليها القانون.
والأصل
أن القرار الإداري لا يخضع في إصداره لشكليات معينة ، ما لم يستلزم القانون إتباع
شكل محدد أو إجراءات خاصة لإصداره . وفي هذا الاتجاه قالت المحكمة "...
لايشترط في القرار الإداري أن يصدر في شكل معين ، أو وضعية محددة ، وإنما يكفي أن
يصدر عن المرجع المختص بإصداره ، ضمن الحدود والصلاحيات المقررة له قانوناً ، وأن
يكون مستوفياً لمقومات القرار الإداري..."
[ الطعن رقم 146 لسنة 6 قضائية عليا مدني – جلسة 13/11/1985].
ومن صور
قواعد الشكل التي تعرضت لها المحكمة الاتحادية العليا : كتابة القرار ، تسبيب
القرار ، الإجراءات السابقة على إصدار القرار . فقد انتهت المحكمة في العديد من
أحكامها إلى أنه وإن كان الأصل في القرار الإداري أن يكون مكتوباً ومذيلاً بتوقيع
من أصدره ، إلا أنه من الممكن استظهاره من مكاتبات أو مراسلات إدارية . ففي واقعة
خلصت المحكمة إلى وجود قرار إداري بإعادة تجديد إعارة مدّرسة استخلاصا من مكاتبات تمت
بين الوزير ووكيل وزارته.
[ الطعن رقم 146 لسنة 6 قضائية عليا ، جلسة 13/11/1985 ].
وفي حكم حديث قالت المحكمة :
".... لا يشترط في القرار الإداري أن يصدر في
صيغة معينة أو بشكل معين، بل ينطبق هذا الوصف ويجري حكمه كلما أفصحت الإدارة أثناء
قيامها بوظائفها عن إدارتها الملزمة، دون أن تكون مقيدة بشكل معين، وكذلك فقد يكون
القرار الإداري مكتوبا كما يكون شفوياً..."
[ الطعن رقم 191 لسنة 29 قضائية عليا نقض إداري جلسة 27/1/2008 ]
وفي
مجال تسبيب القرار الإداري ، قالت المحكمة :
"... والأصل أنها غير ملزمة ببيان أسباب
قرارها ، إلا إذا أوجب القانون ذلك عليها ، وحينئذ يصبح تسبيب القرار إجراءً
شكلياً أساسياً يترتب على إهماله بطلانه ، ومن المقرر أيضاً في القانون الإداري
المقارن أنه إذا تطلب القانون تسبيب القرارات الإدارية ، فإنه يجب أن تكون هذه
الأسباب واردة في صلب القرار ، حتى يخرج القرار حاملاً بذاته كل أسبابه . أما
الإحالة إلى أوراق أو وثائق أخرى ، فلا يكفي لقيام التسبيب..."
[ الطعن رقم 96 لسنة 2008 نقض إداري ، جلسة 27/4/2008 ]
وفي حكم آخر قالت المحكمة الاتحادية العليا:
".... إن قواعد الشكل في إصدار القرار
الإداري ليست كأصل عام هدفاً في ذاتها ، أو طقوساً لا مندوحة من اتباعها ، تحتم جزاء
البطلان ، وإنما هي إجراءات حدّاها المصلحة العامة ومصلحة الأفراد على السواء ،
يفرق فيها بين الشكليات الجوهرية التي تنال من تلك المصلحة ويقدح إغفالها في سلامة
القرار وصحته ، وغيرها من الشكليات الثانوية . وعليه لا يبطل القرار الإداري لعيب
شكلي إلا إذا نص القانون على البطلان لدى إغفال الإجراء ، أو كان الإجراء جوهرياً
في ذاته يترتب على إغفاله تفويت المصلحة التي على القانون تأمينها ، ومن ثم بطلان
القرار بحسب مقصود الشارع منه ، أما إذا كان الإغفال متداركاً من سبيل آخر دون
مساس بمضمون القرار الإداري وسلامته موضوعياً وضمانات ذوي الشأن واعتبارات المصلحة
العامة الكافية فيه ، فإن الإجراء الذي جرى إغفاله لا يستوي إجراءً جوهرياً يستتبع
بطلاناً..."
[ الطعن رقم 531 لسنة 29 إداري جلسة 17/2/2008]
أما بخصوص الإجراءات السابقة على إصدار القرار
الإداري ، باعتبارها من صور الشكل في القرار الإداري ، فقد قالت المحكمة الاتحادية
العليا:
".... إن الوعد الصادر من الجهة الإدارية
بتعيين شخص في وظيفته معينة لا يعد من قبيل القرارات الإدارية الصادرة في شأن
التعيين ولا يعدو أن يكون عملاً مادياً لا ينشئ حقوقاً أو مركزاً شرعياً يحميه
القانون..."
[ الطعن رقم 2 لسنة 2 قضائية عليا جلسة 9/7/1975]
وفي حكم حديث قالت المحكمة :
"... ولما كان الثابت من سائر أوراق الطعن أن
مراد الطاعن من رفع خصومته إلغاء قرار إحالته إلى التقاعد ، فأقام دعواه مختصماً
فيها المطعون ضدهم ( المدعي عليهم ) بطلب إلغاء ما صدر على المجلس الوزاري للخدمات
بشأنه ، وكان ما صدر عن المجلس المذكور لا يعدو أن يكون موافقة منه على إحالة
الطاعن إلى التقاعد ، وهذه الموافقة لا تخرج عن أن تكون عملاً إداريا يتطلبه
الدستور لصحة إصدار مرسوم الإحالة إلى التقاعد لمن هم في درجة الطاعن الوظيفية ،
وهو عمل لا يرتب بذاته اثراً قانونياً في تغيير المركز الوظيفي للطاعن ، ولا يرقى
إلى مرتبة القرار الإداري الذي يعبر عن إفصاح الإدارة عن إرادتها الملزمة..."
[ الطعن رقم 300 لسنة 2010 نقض إداري جلسة 26/1/2011]
·
عيب عدم الاختصاص
يُعـد عيب عدم الاختصاص ، من العيوب الجوهرية
التي تلحق القرار الإداري ، ويتمثل هذا العيب في صدور القرار عن جهة إدارية غير
مختصة قانوناً بإصداره ، والاختصاص هو صلاحية قانونية لموظف معين أو لجهة إدارية
محددة في اتخاذ قرار إداري ما ، تعبيراً عن إرادة الإدارة.
وقد أرست
المحكمة الاتحادية العليا عدة مبادئ في مجال عيب عدم الاختصاص من بينها:-
* ".... من المقرر في قواعد القضاء الإداري،
أنه لا يشترط في القرار الإداري أن يصدر في شكل معين أو صيغة محددة ، وإنما يكفي
أن يصدر عن المرجع المختص بإصداره ضمن الحدود والصلاحيات المقررة له قانوناً وأن
يكون مستوفياً لمقوماته..."
[ الطعن رقم 258 لسنة 24 قضائية عليا مدني ، جلسة 15/6/1993]
*وفي حكم حديث قالت المحكمة:-
" وحيث إن هذا النعي في غير محله ، ذلك أن
قضاء هذه المحكمة استقر على أنه يشترط لصحة القرار الإداري، أن يصدر ممن يملك
إصداره ضمن الحدود والصلاحيات المقررة له، وإلا كان القرار معيباً وفاقداً لركن
الاختصاص .ولما كان ذلك، وكان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه نه ناقش دفاع
الطاعن بخصوص اختصاص مصدر القرار، وخلص بأسباب سائغة لها أصلها الثابت بالأوراق وصحيحة
قانونا إلى أن تعيين الطاعن تم بقرار من المطعون ضده ( مدير الجامعة ) عملا
بالمادة ( 15 ) من اللائحة، وأنه هو المختص بإنهاء الخدمة كذلك عملاً بالمادة (
29) من ذات اللائحة، ومن ثم فإن النعي بهذا السبب يكون في غير محله.."
[ الطعن رقم 152 لسنة 2010 نقض إداري، جلسة 16/6/2010]
*واعتبرت المحكمة صدور قرار بإنهاء خدمة موظف تابع
لوزارة الصحة من مجلس الخدمة المدنية، صورة من صور عيب الاختصاص، إذ قالت المحكمة: "... إن القرار الإداري ما هو إلا تصرف قانوني تقوم به الإدارة بقصد
إنشاء مركز قانوني أو تعديل أو إلغاء مركز قانوني قائم، ولا يكون للقرار مثل هذا
الأثر ما لم تكن الإدارة متخذه القرار مختصة بإصداره في إطار الحدود التي بينها
القانون، فإن تجاوزت حدود اختصاصها وقع قرارها مشوباً بعيب عدم الاختصاص.
لما كان ذلك وكان الثابت من الأوراق أن المطعون
ضده من موظفي الطاعنة الثانية ( وزارة الصحة ) ومن شاغلي الحلقة الثانية، وكانت
المادة (7/2) من القانون الاتحادي رقم 8 لسنة 1973 في شأن الخدمة المدنية في
الحكومة الاتحادية وتعديلاته، تعطي للوزير المختص سلطة التعيين في وظائف الحلقتين
الثانية والثالثة. كما تقضى الفقرة الأخيرة من المادة (89) من القانون المذكورة
بأن السلطة المختصة بإنهاء خدمة الموظف هي السلطة المختصة بتعيينه، ومن ثم فإن
قرار إنهاء خدمة المطعون ضده قد صدر عن مجلس الخدمة المدنية يكون باطلاً لصدروه من
جهة غير مختصة قانوناً ..."
[ الطعن
رقم 144 لسمو 19 قضائه عليا مدني، جلسة 16/12/1997]
·
عيب السبب
سبب القرار الإداري، هو الحالة الواقعية أو القانونية
التي تدفع الإدارة إلى إصدار القرار، فهو إذن المبرر أو الدافع إلى اتخاذ القرار
الإداري.
وعيب
السبب هو عدم المشروعية الذي يصيب القرار الإداري في مبرر إصداره، كأن تكون
الواقعة التي يقوم عليها القرار غير موجودة أو غير صحيحة من حيث تكييفها القانوني.
ويلعب عنصر السبب في القرار الإداري دوراً هاماً
في الرقابة القضائية على القرارات الإدارية ، وعلى الأخص من حيث ملاءمتها ، إذ
تتأثر هذه الملاءمة إلى حد كبير بالدوافع إلى اتخاذ القرار ومدى إمكانية تبريره، ويتسع نطاق الرقابة القضائية على
سبب القرار الإداري، ليشمل الرقابة على وجود الوقائع، والرقابة على تكييف الوقائع،
والرقابة على ملاءمة القرار للواقع.
وقد تعرضت المحكمة الاتحادية العليا لعيب السبب
أو ركن السبب في القرار الإداري في الكثير من أحكامها نجتزء منها الأتي:
*"....
سبب القرار الإداري هو مجموعة العناصر الواقعية أو القانونية التي تسمح للإدارة
بالتصرف واتخاذ القرار.فهو مبرر صدوره...."
[الطعن
رقم 772 لسنة 25 قضائية عليا مدني ، جلسة 19/12/2004]
*"... المقرر في قضاء هذه المحكمة ، أن سبب
القرار الإداري هو مجموعة العناصر الواقعية أو القانونية التي تحمل الإدارة إلى
إصدار قرارها، وأن هذا السبب يجب أن يكون مشروعاً، بمعنى أن يكون متوافقاً مع
القانون شكلاً وموضوعاً، وإلا كان القرار معيباً ..."
[ الطعن رقم 127 لسنة 2010 نقض إداري، جلسة
20/10/2010]
*"... الأصل أن الإدارة غير ملزمة بذكر سبب
القرار الإداري إلا إذا نص القانون صراحة على ذلك،إذ توجد قرينة قانونية مضمونها
أن لكل قرار إداري سبباً مشروعاً ، إلا أنه إذا أفصحت الإدارة عن سبب القرار فإن
هذا السبب يخضع لرقابة القضاء...".
[ الطعن رقم 152 لسنة 13 قضائية عليا مدني، جلسة
31/12/1991]
*" ... المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه يتعين
على جهة الإدارة أن تلتزم حكم القانون في تصرفاتها، وأن تستند إلى سبب مشروع في
إنهاء خدمات مستخدميها، وهو الحالة الواقعية أو القانونية التي تدفع الإدارة إلى
اتخاذ قرار الإنهاء. وهذا السبب ليس عنصراً شخصياً أو نفسياً لدى متخذ القرار،
وإنما هو عنصر موضوعي خارجي من شأنه أن يبرر صدور هذا القرار. وضرورة وجودة –
السبب – يُعد ضماناً ضد إتباع الإدارة الهوى فيما تتخذه من قرارات غالباً ما تمس
بها حقوق وحريات الأفراد، وتقدير توافر السبب المشروع من عدمه من سلطة محكمة
الموضوع متى جاء قضاؤها في ذلك سائغاً ومبيناً على ما له أصله الثابت بالأوراق
وبما يكفي لحمله...".
[ الطعن رقم 390 لسنة 29 قضائية عليا إداري، جلسة
30/12/2007 ]
*وفي قضاء لها ، قالت
المحكمة :
" ... ويجب أن يكون القرار مشروعاً. وتبحث
مشروعية القرار الإداري على أساس الأحكام القانونية المعمول بها عند صدوره. ورقابة
القضاء لصحة الحالة الواقعية أو القانونية التي تكون ركن السبب تجد حدها الطبيعي
في التحقق مما إذا كانت النتيجة التي انتهى إليها القرار مستخلصة استخلاصاً سائغاً
من أصول موجودة تنتجها مادياً أو قانونياً وإلا فقد القرار ركن السبب ..."
[ الطعن رقم 772 لسنة 25 قضائية عليا مدني جلسة
19/12/2004]
·
عيب الغاية
يتصل عيب الغاية أو عيب إساءة استعمال السلطة أو
عيب الانحراف بالسلطة، بالغاية أو الهدف الذي يرمي رجل الإدارة إلى تحقيقه. فإن
كانت غايته غير تحقيق المصلحة العامة شاب قراره عيب الغاية أو عيب الانحراف
بالسلطة.
وعيب
الغاية يرتبط على نحو مباشر بنية مصدر القرار، ولذلك فإن عدم المشروعية فيه لا
تكتسي صبغة خارجية ولا تظهر في القرار ذاته، وإنما تتداخل في أمور نفسية قد لا
يكون من السهل على القاضي استظهارها أو المدعي من إثباتها ، ولذلك فإن تطبيقاته
القضائية عادة ما تكون قليلة.
ويظهر عيب الغاية في عدة صور، من بينها:
استعمال السلطة لتحقيق نفع شخصي، أو مباشرة السلطة
بقصد الانتقام أو الأضرار بالغير،أو استهداف أغراض سياسية بعيدة عن المصلحة العامة،
أو مخالفة تخصيص الأهداف.
والملاحظ أن اجتهادات المحكمة الاتحادية في مجال
عيب الغاية تكون نادرة. وهذا العيب حتى وإن وجد ، فإنه غالباً ما يكون متداخلاً مع
عيب السبب أو عيب عدم الاختصاص أو عيب المحل.
ففي قضاء لها قالت المحكمة:
".... لمحكمة الموضوع سلطة مراقبة صدور –
القرار الإداري – مبرءاً من عيب التعسف أو الانحراف ، ولا رقابة عليها من محكمة
النقض ما دام استخلاصها سائغاً وقائماً على أسباب كافية لحمله ..."
[ الطعن رقم 89 لسنة 21 قضائية عليا مدني جلسة 21/2/2001]
*وفي قضاء آخر قالت المحكمة:
".... من المقرر أن تقدير مدى التعسف في إنهاء
الخدمة من سلطة محكمة الموضوع متى قام حكمها على أسباب سائغة لها سندها من
الأوراق..."
[ الطعن رقم 293 لسنة 24 قضائية عليا مدني ، جلسة 6/6/2004]
* وفي قضاء يلامس عيب الغاية بشكل مباشر قالت المحكمة:
".. إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها من
العيوب القصدية في السلوك الإداري. فعيب إساءة استعمال السلطة الذي يبرر إلغاء
القرار الإداري أو التعويض عنه يجب أن
يشوب الغاية منه ذاتها بأن تكون جهة الإدارة قد تنكبت وجه المصلحة العامة التي يجب
أن يتغياها القرار ، أو أن تكون قد أصدرت القرار بباعث لا يمت لتلك
المصلحة...".
[ الطعن رقم 152 لسنة 24 قضائية عليا مدني / جلسة 19/12/2004 ]
* وفي قضاء آخر قالت المحكمة:
"... من المقرر أن الفصل بغير الطريق
التأديبي يقوم على ما يتجمع لدى الإدارة من أسباب مستقاة من ملف خدمة الموظف أو من
الأوراق الأخرى أو من معلومات الرؤساء عنه ويعتبر صحيحاً متى كان مبنياً على وقائع
صحيحة ومستقاة من مصادر ثابتة غي الأوراق ، ويعتبر غير مشروعاً مشوباً بعيب إساءة
استعمال السلطة الذي يبرر إلغاءه أو التعويض عنه إذا استهدف غير المصلحة العامة أو
غير الأهداف المخصصة إذا نص القانون عليها ..."
[ الطعن رقم 772 لسنة 25 قضائية عليا مدني ، جلسة
19/12/2004]
ج- ميعاد رفع دعوى الإلغاء
يشترط
لقبول دعوى إلغاء القرارات الإدارية أن ترفع الدعوى خلال مدة معينة تعرف بميعاد
رفع الدعوى . وهي عادة ما تكون مدة توفيقية يراعي المشرع في تقريرها مصلحتان
متعارضتان. مصلحة ذوو الشأن في إتاحة الفرصة الكافية للطعن في قرار الإدارة التي
تمس مباشرة مراكزهم القانونية والإدارية ومصلحة المجتمع في تحقيق الاستقرار
للقرارات الإدارية وعدم تركها لفترة طويلة مهددة بالإلغاء. وتوفيقاً بين هاتين
المصلحتين ، تنص معظم التشريعات على تحديد هذه المدة بستين يوماً من تاريخ نشر
القرار أو إعلانه أو العلم اليقيني به .
ونظراً
لخلو التشريع الاماراتي من نص عام يحدد ميعاد رفع دعوى إلغاء القرار الإداري ، إلا
ما قد يرد أحيانا في قوانين أو نظم إنشاء أو تأسيس بعض الهيئات أو المؤسسات العامة
من مواعد خاصة للطعن على القرارات الإدارية الصادرة عن إدارتها ، ولذلك فقد التجأت
المحاكم إلى النصوص الناظمة لمواعيد تقادم سماع بعض الدعاوى المنصوص عليها في
قانون المعاملات المدنية ، الأمر الذي أدى إلى اضطراب أحكام المحاكم في هذا الشأن
، إذ أخذت بعضها بالتقادم الطويل المقدّر بخمسة عشر عاماً ، فيما أخذت بعضها الآخر
بالتقادم الخمسي تارة والتقادم الثلاثي تارة أخرى.
وساد
هذا الاضطراب لبعض الوقت دوائر النقض المدنية بالمحكمة الاتحادية العليا ، قبل أن
تستقر على اخضاع ميعاد رفع دعوى الإلغاء للتقادم الطويل عملا بالمادة (473) من
قانون المعاملات المدنية الاتحادي.
وكانت
القضية المرفوعة من السيد (س.م.ع) ضد وزارة الزراعة والثروة السمكية ، فرصة مناسبة
لأن تطلب الدائرة الإدارية بالمحكمة الاتحادية العليا من هيئة المحكمة ، العدول عن
مبدأ إخضاع ميعاد رفع دعوى الإلغاء للتقادم الطويل ، والأخذ بالميعاد القصير
المعمول به في معظم القوانين المقارنة والتي تحدد هذا الميعاد ب (60 يوماً).
وتلخص
وقائع القضية في أن موظف وزارة الزراعة المذكور أقام دعواه الابتدائية مختصماً الوزارة
التي يعمل بها ، طالباً إلغاء قرار إنهاء خدمته على سند من أن القرار خالف المادة
(90) من قانون الخدمة المدنية في الحكومة الاتحادية التي تحدد حالات إنهاء خدمة
الموظف الاتحادي حصراً ليس من بينها الحالة التي استند إليها القرار المطعون عليه
، دفعت الوزارة ( الإدارة ) بتحصن قرار الإنهاء لمضي أكثر من سنتين على صدوره
وقبول المدعي (الموظف ) به . ومحكمة أول درجة قضت بإلغاء القرار، وتأيد حكمها
استئنافياً ، فطعنت عليه الإدارة بطريق
النقض أمام الدائرة الإدارية بالمحكمة الاتحادية العليا ، التي أحالت الطعن إلى
هيئة المحكمة للعدول عن مبدأ إخضاع ميعاد رفع دعوى لإلغاء للميعاد الطويل وتقرير
ميعاد ال(60) يوماً أخذا بالقوانين المقارنة.
ومما قالته الدائرة الإدارية في حكم الإحالة :
".... ولما كان مبدأ إخضاع ميعاد سماع دعوى
الإلغاء للتقادم الطويل ، قد أدى في الواقع العملي إلى نتائج غير مقبولة ، إذ مسّ
هذا المبدأ على نحو خطير بما يقتضيه الصالح العام من استقرار الأوضاع الإدارية
وثبات المراكز القانونية التي أنشأها القرار الإداري ، وعدم المساس بها عملاً على
بث الثقة والاطمئنان في نفوس الأفراد واستقرار حقوقهم ، واستقرار نشاط الإدارة في
انتظام واضطراد ، فقد كشف الواقع العملي عن رفع دعاوى بإلغاء قرارات إدارية
أصدرتها إدارات الدولة بزعم عيبها رغم مضي مدة طويلة على صدورها وعلم رافعي تلك
الدعاوى اليقيني بالقرارات وقبولهم لها ، وهو ما أدى إلى الأضرار بسير عمل تلك
الإدارات ..."
[ الطعن رقم 244/2009 نقض إداري 14/10/2009]
كما قالت الدائرة في فقرة حكمية أخرى
" وحيث إن المادة (75) من قانون إنشاء
المحكمة الاتحادية العليا ، والمادة (8) من قانون إنشاء المحاكم الاتحادية ،
أجازتا للمحاكم الاتحادية تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية والقانون المقارن . وكانت
قواعد هذا القانون تحدد ميعاداً لرفع دعوى الإلغاء وبفواته يتحصن القرار الإداري
ولا تسمع دعوى إلغائه. وكان المرسوم بقانون اتحادي بشأن الموارد البشرية في
الحكومة الاتحادية رقم (11) لسنة 2008، والذي جرى العمل به اعتباراً من 3/2/2009
نص في المادة (117) منه على عدم سماع الدعاوى المتعلقة بالقرارات الإدارية الصادرة
بالتطبيق لأحكام هذا المرسوم بقانون بعد انقضاء مدة ستين يوماً من تاريخ العلم
اليقيني بالقرار، فإن هذه الدائرة ترى العدول عن مبدأ خضوع ميعاد سماع دعوى إلغاء
القرار الإداري بالتقادم الطويل المنصوص عليه في المادة (473) من قانون المعاملات
المدنية وتحيل الطعن إلى الهيئة المشكلة وفق نص الفقرة الأولى من المادة ( 65) من
قانون المحكمة الاتحادية العليا لتفصل معه"
[ الطعن سالف الإشارة]
وإذ
نظرت هيئة المحكمة طلب العدول المحال إليها من الدائرة الإدارية ، فقد قضت برفض
طلب العدول وتأييد مبدأ إخضاع ميعاد رفع دعوى الإلغاء للتقادم الطويل وفق ما استقر
عليه قضاء الدائرة الإدارية.
ومما
قالته الهيئة في حكمها الشهير :
" وحيث إنه ولئن كانت المادة (75 ) من قانون
إنشاء المحكمة الاتحادية العليا رقم 10 لسنة 1973 ، أعطت للمحكمة صلاحية تطبيق
القانون المقارن في حال عدم وجود قانون أو تشريع اتحادي أو محلي يحكم المسألة
المعروضة عليها ، إلا أن حد هذه الصلاحية ، إكمال نقص أو سدّ فراغ في التشريع
الوطني ، دون أن ترفي تلك الصلاحية إلى حد استحداث مواعيد وآجال لسقوط الدعاوى أو
لعدم سماعها أو تقرير تقادم مسقط أو مكسب أو رسم طرق طعن في الأحكام ، لاتصال كل
ذلك بالنظام العام . ولما كان تحديد ميعاد معين لسماع دعوى إلغاء القرار الإداري ،
يؤدي تفويته إلى تحصن القرار من رقابة القضاء ، هو استحداث لأجل إجرائي جديد لم
يرد في تشريع وطني ، وليس هو سد لنقص أو إكمال لفراغ في تشريع قائم ، ومن ثم فإن
الاستعانة بالقانون المقارن لاستحداث هذا الإجراء غير جائز".
[ الطلب رقم 4 لسنة 2009 هيئة عليا ، جلسة 29/3/2010]
ونزولاً عند حكم الهيئة ، وإلى أن يصدر المشرع
قانون خاص بالدعاوى الإدارية أو يدخل تعديلاً على بعض مواد قانون الإجراءات
المدنية القائم ، فإن ميعاد رفع دعوى الإلغاء خمس عشرة سنة.
إرسال تعليق