التحري على حال مدعي
الإعسار :
الأصل أن الدائن هو المطالب
ببيان ما للمدين من أموال إذا توجه عليه عبء
إثبات الملاءة ، وأن مدعي الإعسار هو المطالب بإثبات إعساره بالبينة إذا
توجه عليه عبء الإثبات ، ولكن هل هذا يعفي القاضي وغيره من الجهات المختصة من مهمة
البحث والتحري عن حال المدين عسراً أو ملاءة .
بعد البحث القاصر في كتب الفقهاء
المتقدمين لم أقف على من نص على أنه يجب على الحاكم ــ أياً كان ــ أن يبحث عن حال
مدعي الإعسار ، بل لا تكاد تجد لهذه الجزئية ذكراً في كتب الفقهاء إلا النزر
اليسير .
فنص الحنفية(57)
على أن القاضي أن يسأل ــ احتياطاً لا وجوباً ــ الثقات أو الجيران عن حال مدعي
الإعسار إذا سجن .
وجاءت إشارة إلى نوع من عملية
البحث والتحري ذكرها الدسوقي المالكي في حاشيته على الشرح الكبير بقوله ( إن سأل
الطالب الحاكم تفتيش دار المدين لعله أن يجد فيها شيئاً من متاعه يباع له ففي إجابته
لذلك وعدم إجابته تردد )(58)
وفي كشاف القناع ( وإن ادعى من
عليه الدين الإعسار وأنه لا شيء معه يؤديه في الدين فقال المدعي للحاكم : المال
معه وسأل تفتيشه وجب على الحاكم إجابته إلى ذلك )(59)
ولعل مردّ عدم ذكر الفقهاء لدور
الحاكم في البحث والتحري عن حال مدعي الإعسار هو بساطة الحياة في وقتهم وسهولة
الكشف عن الأموال من جهة ، ولعدم تمرس الناس في التحايل والمماطلة من جهة أخرى .
أما في وقتنا الحاضر فقد توسعت
البلاد وكثر العباد وتنوعت وسائل الدخل ومصادر الثروة مما يصعب معه على الفرد العادي إثبات ما بيد
مدينه من أموال ، وبالتالي فإن عدم تنظيم عملية البحث والتحري عن أموال مدعي
الإعسار والإهمال في ذلك يؤدي إلى أحد أمرين : إما أن يضيع حق الدائن لعدم قدرته
على إثبات ما لمدينه من أموال ، أو بقاء المدين في السجن إذا كان القول قول الدائن
ولم يستطع المدين إثبات عسره .
ونظراً لأن الشريعة جاءت لحفظ
مصالح العباد ولأن القاضي مكلف بإحقاق الحق ونصرة المظلوم وإعطاء كل ذي حق حقه ،
ولأن هذا الواجب في هذا العصر لا يتم على وجهه الصحيح إلا بالبحث والتحري الدقيق
عن حال مدعي الإعسار ولأن القاعدة الشرعية أن ( ما لا يتم الواجب إلا به فهو
الواجب )
فالذي يظهر أنه يجب تنظيم عملية
البحث والتحرى عن أموال المدين بما يكفل حفظ الحقوق .
الموازنة بالنظام :
نصت المادة 231/12 من اللائحة
التنفيذية لنظام المرافعات الشرعية السعودي على أن تقوم الجهات الإدارية المعنية
بالتحري عن أموال المدين قبل النظر في دعوى الإعسار .
في حين أناط نظام المحكمة
التجارية السعودي مهمة التحقق من حال المفلس بالمحكمة عن طريق الإعلان عن التفليس
في الأماكن العامة والصحف كما في المادة 111 من النظام .
ومن هنا يظهر أن هناك قصوراً في
بيان آلية البحث والتحري عن حال مدعي
الإعسار وما الإجراءات التي تتخذ لذلك والجهة المختصة ؟ وباستقراء الواقع نجد أن
هذه الإجراءات تختلف من حيث الدقة والشمول من منطقة لأخرى ، كما نلاحظ وجود ثغرات
كبيرة في عملية البحث عن حال مدعي الإعسار ، فعلى سبيل المثال عندما يتم التحري عن
أرصدة المدين في البنوك تتم الإفادة عن أرصدته الحالية فقط دون بيان لحركة حساباته
لمدة سابقة كافية ، ومن البديهي أن مدعي الإعسار لن يجعل في حسابه شيئاً يذكر ،
كما أن البحث لا يشمل ما يملكه مدعي الإعسار من عقارات(60)
أو أسهم وفي أحيان كثيرة لا يتم الكشف عما لديه من مؤسسات وأيد عاملة وسيارات وغير
ذلك ، ولئن عذرنا الفقهاء المتقدمين في عدم الاهتمام بهذا الجانب فلا أجد عذراً
للجهات المختصة الآن في عدم وضع آلية دقيقة ومنظمة وموحدة للبحث والتحري عن أموال
المدين تضمن عدم التحايل من جهة وعدم تطويل الإجراءات من جهة أخرى .
البينة على الإعسار
المطلب الأول : عدد
الشهود :
اختلف العلماء في العدد المشترط
في الشهادة على الإعسار ، وهل يقبل في الإعسار شهادة النساء والشاهد واليمين ؟ على
أقوال :
القول الأول : لابد من ثلاثة ذكور
، وهو وجه عند الشافعية(61)
ورواية عند الحنابلة(62) وهو اختيار مفتي الديار
السعودية ورئيس قضاتها الأسبق محمد بن إبراهيم آل الشيخ(63)
رحمه الله .
والدليل : قول النبي ص لقبيصة بن المخارق (
لا تحل المسألة إلا لأحد ثلاثة : رجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه
: لقد أصابت فلاناً فاقة ..
)(64)
القول الثاني : لابد من شاهدين
ذكرين ، وهو مذهب المالكية(65)
والشافعية في الأصح(66)
والصحيح عند الحنابلة(67) .
الدليل : لعموم النصوص الدالة
على أن الشهادة تكون باثنين كقوله تعالى { واستشهدوا شهيدين من رجالكم }(68) ، وقوله ص ( شاهداك أو يمينه ) متفق عليه
.
واشترط الذكورة لأن الأصل شهادة
الرجال ، واستثني قبول شهادة المرأة في الأموال لكثرة وقوع أسبابها ، فيلحق الحرج
بطلب رجلين في كل حادثة ، والعادة أن يوسع فيما يكثر وقوعه ، والإعسار مما لا يكثر
وقوعه وهو مما لا يطلع عليه إلا الرجال غالباً ، فلم تقبل شهادة النساء فيه .
القول الثالث : يكفي رجل وامرأتان :
وهو مذهب الحنفية(69) ، ووجه مقابل الأصح
عند الشافعية(70) ، ويتخرج رواية عند
الحنابلة(71) .
والدليل : عموم قوله تعالى { واستشهدوا شهيدين من
رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء }
القول الرابع : يثبت بشاهد ويمين
المدعي : وهو وجه عند الشافعية(72) .
التعليل : لأن الأموال وحقوقها
تثبت بشاهد ويمين لحديث أبي هريرة ر قال ( قضى رسول الله ص باليمين مع الشاهد الواحد(73) .
الترجيح :
البينة هي ما أبان الحق وأظهره ،
ولهذا على القاضي أن يحكم بموجب البينة التي تظهر له الحق وتبين معالمه ، والغالب
من حال البينة أن تكون شهادة العدلين لقوله تعالى { واشهدوا ذوي عدل منكم } وقوله ص ( شاهداك أو يمينه )
ولكن ليس معنى هذا أنه لا يجزئ في الشهادة على الإعسار إلا شهادة الرجلين ، فقد
تستدعي بعض الظروف قبول شهادة رجل وامرأتين كما لو كان مدعي الإعسار امرأة مثلاً ،
ولا يوجد من الرجال العدول العالمين بباطن حالها من يشهد لها ، مع أنه ليس في
النصوص الشرعية ما يمنع شهادة النساء في الحقوق المالية ، والمرأة من أهل الشهادة
فيها بنص الآية { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } وقد يضطر القاضي إلى الحكم
بشهادة رجل ويمين المدعي كما لو كان المدعي غريباً ولا يعرف حاله في البلد إلا هذا
الشاهد فيكتفى به مع يمينه ، وقد ثبت أن النبي ص قضى بالشاهد مع اليمين ، وقد
يرى القاضي زيادة الاستيثاق بطلب ثلاثة شهود إذا كانت دعوى الإعسار مثلاً مبنية
على سبب ظاهر ينبغي أن يكون مشتهراً كحريق أو آفة مثلاً ، أو كانت مبالغ الدين
كبيرة أو لم يكن الشهود على أكمل درجة من العدالة ، ويستأنس في هذا بحديث قبيصة بن
المخارق السابق ، والمقصود أن يترك تحديد البينة الموصلة لاجتهاد القاضي حسبما
يراه محققاً العدالة .
المطلب الثاني : هل من
شرط شاهد الإعسار الخبرة الباطنة ؟
هل يشترط فيمن يشهد بإعسار شخص أو
تلف ما بيده من مال أن تكون له خبرة بباطن حال المشهود له ؟ علماً بأن هذه الخبرة
الباطنة لا تحصل إلا بطول مجاورة أو مخالطة مالية وغيرها ، أم يكفي العلم بظاهر
حال المشهود له ؟
نقول : إن الشهادة إما أن
تكون على الإعسار أو على تلف المال أو على كليهما :
فالحالة الأولى : أي الشهادة على
الإعسار ، يشترط في الشاهد أن يكون ذا خبرة باطنة بحال المشهود له وهذا فيما أعلم
محل اتفاق بين الفقهاء(74) .
الدليل قول النبي ص ( على مثل الشمس
فاشهد ... )(75) ولأنها شهادة على نفي
قبلت للحاجة فاشترط لها الخبرة الباطنة ، ولأن المال قد يخفى فلا يجوز الاعتماد
على ظاهر الحال .
أما الحالة الثانية : وهي أن تكون الشهادة
على تلف المال فقط فقد نص الشافعية(76)
والحنابلة(77) على أنه تشترط الخبرة
الباطنة في ذلك ، لأن التلف يطلع عليه كل أحد من أهل الخبرة أو غيرهم .
لكن هذا يحمل ــ والله أعلم ــ
على إذا لم يكن لمدعي الإعسار إلا عين واحدة فشهد الشهود على تلف هذه العين ، وفي
هذا الحال لابد من إثبات أن مدعي الإعسار لا يملك إلا هذه العين ، وهذا لا يمكن أن
يشهد به إلا من له خبرة باطنة .
أما الحالة الثالثة : فترجع إلى الحالة
الأولى لأن جزءاً من الشهادة منصب على إثبات الإعسار ، وعليه فالذي يظهر أنه لا
تقبل الشهادة على الإعسار إلا ممن كانت له خبرة باطنة بحال المشهود له ، فإن لم
يعلم القاضي أن الشاهد بهذه الصفة فقد نص بعض الفقهاء على أنه إن كان الشاهد فقيهاً
يغلب على الظن أنه لا يشهد إلا بعد تقدم خبرة فله أن يستفسره أو لا يستفسره ، أما
إن استجهله وارتاب فلابد من سؤاله واستفصاله ، وله اعتماد قول الشاهد أنه ذو خبرة
باطنة بحال المشهود له ، وهذا يتجه بشرط أن يوضح القاضي للشاهد معنى الخبرة
الباطنة .
(57)
أنظر رد المحتار 5/385 ، 386 العناية شرح الهداية 6/379.
(58)
الشرح الكبير للدردير 3/280
(59)
كشاف القناع 5/1652
(60)
نص تعميم وزير الداخلية السعودي ذو الرقم 17/31285 في 23/4/1416هـ المبني على
توصيات لجنة مشكلة من وزارات العدل والداخلية والمالية على الآتي : أولاً : يكلف
الدائن بالإشارة عن أموال مدينه سواء أكانت منقولة أم غير منقولة وتحديد مكانها .
ثانياً
: لا يتم الاستفسار من وزارة العدل عن أموال المدين الذي يدعي الإعسار إلا في
الحالات الآتية :
1
ــ إذا كانت الديون حقوقاً للدولة .
2
ــ إذا أرشد الدائن إلى أموال مدينه وحدد مكان العقار وموقعه بالمدينة .
3
ــ إذا ظهر للجهات واضعة اليد على القضية أن للمدين أموالاً عقارية وتم تحديد
مكانها ، أنظر التصنيف الموضوعي لتعاميم وزارة العدل 2/450 .
(61)
أدب القاضي لابن أبي الدم ص 427 ، لكن قال عنه النووي في روضة الطالبين : إنه شاذ
3/373 .
(62)
الإنصاف 13/242 .
(63)
فتاواه 10/8
(64)
رواه مسلم في باب من تحل له المسألة من كتاب الزكاة 2/722 ، وأبو داود في باب ما
تجوز فيه المسألة من كتاب الزكاة 1/381 ، والنسائي في باب الصدقة لمن تحمل بحمالة
من كتاب الزكاة المجتبى 5/67 ، والدارمي في باب من تحل له الصدقة من كتاب الزكاة
21/396 ، وأحمد في مسنده 3/477 ، 5/60 .
(65)
الشرح الكبير للدردير 3/279 .
(66)
أدب القاضي لابن أبي الدم ص 439 ومغني المحتاج 2/156 .
(67)
الإنصاف 13/241
(68)
البقرة 282
(69)
لأنهم نصوا على شهادة الرجل والمرأتين فيما سوى الحدود والقصاص ، أنظر الهداية
للمرغيناني 9/451 .
(70)
أدب القاضي لابن الدم ص 439 .
(71)
جاء في المغني ( يخرج من هذا أن النكاح وحقوقه من الرجعة وشبهها لا تقبل فيه شهادة
النساء ، رواية واحدة وما عداه يخرج على روايتين ) 14/127 .
(72)
أدب القاضي لابن الدم ص 440
(73)
أخرجه أبو دواد في باب القضاء باليمين والشاهد من كتاب الأقضية 2/277 والترمذي في
باب ما جاء في اليمين مع الشاهد من أبواب الأحكام عارضة الأحوذي 6/89 ، وابن ماجه
في القضاء بالشاهد واليمين 2/793 .
(74)
نص على ذلك صراحة الشافعية مغني المحتاج 2/156 ، والحنابلة ، أنظر الإنصاف 13/237
، وهذا يفهم من نص المالكية على أنه لابد أن ينص الشاهد على أنه لا يعرف له مالاً
ظاهراً ولا باطناً ، أنظر الشرح الكبير للدردير 3/279 ، ونص الحنفية على أن
الشهادة تتضمن ( وقد اختبرنا أمره في السر والعلانية ) كما في العناية شرح الهداية
6/379 .
(75)
رواه الحاكم والبيهقي والطبراني وأورده العجلوني في كشف الخفا 2/72 .
(76)
مغني المحتاج 2/156 .
(77)
الشرح الكبير لابن قدامة 13/238 .
إرسال تعليق