النظام التدريجى الأيرلندي
Irlandais Régime progressif ou
1-
أولاً : مضمون النظام ونشأته :
يقوم النظام التدريجي
علي تقسيم
مدة العقوبة السالبة للحرية إلى مراحل مختلفة يطبق في كل مرحلة نظام
عقابي يختلف عما يطبق في المراحل الأخرى. بحيث تتدرج هذه المرحل من الشدة
إلى
التخفيف ، وفقاً لما يطرأ على سلوك المحكوم عليه من تحسن ، حتى الوصول إلى أقل المراحل شدة وهي الأقرب للحياة الطبيعية والتي
تسبق الإفراج النهائي. فكأن هذا النظام يهدف إلى تهيئة المحكوم عليه وإعداده للانتقال من حياة سلب الحرية إلى حياة
الحرية الطبيعية.
وقد طبق هذا النظام في الجزر
القريبة من استراليا في علم 1840 ، ثم انتقل إلى أيرلندا حيث تحددت معالمه الكاملة علي يد العلامة ولتر
كروفتن Walter Crofton لذا يسمي هذا النظام أحياناً بالنظام الأيرلندي. ثم عرفته الدول الأوربية الأخرى كسويسرا وإنجلترا. وطبق في فرنسا
في العديد من السجون المركزية وسجون المدرسة Les prisons-écoles في الفترة ما بين عام 1945 وعام 1958 ، إلى أن تم العدول عنه نهائياً بالقانون الصادر في 28 يوليو
1978[1].
وعادة ما يقسم هذا النظام إلى ثلاث مراحل. في المرحلة الأولى يطبق النظام الانفرادي
، حيث يعزل المحكوم عليه في زنزانة
خاصة خلال الفترات الأولي من العقوبة السالبة للحرية، يمارس فيها حياته اليومية من مأكل
ومشرب ، مع السماح له أحياناً بالتريض والترفيه في أوقات محددة
كي يتم تجنب مساوئ النظام الانفرادي.
وفي المرحلة الثانية - وهي القسم الأكبر من مدة العقوبة
السالبة للحرية - يطبق النظام المختلط ، بحيث يجتمع النزلاء ببعضهم البعض
نهاراً في أماكن العمل والطعام والترفيه والراحة مع الفصل بينهم ليلاً أثناء النوم ، بحيث يأوي كل واحد منهم إلى زنزانته الخاصة. ولتفادي عيوب
النظام الجمعي والمختلط يجب على الإدارة العقابية أن تصنف
المحكوم عليهم إلى فئات ، فتجمع نهاراً بين أفراد الطائفة الواحدة المتجانسة.
وفي المرحلة الأخيرة يستفيد المحكوم عليه الذي يثبت تجاوبه مع المراحل السابقة ويثبت حسن
سلوكه من نظام يعرف باسم نظام الثقة. وهي مرحلة تسبق الإفراج النهائي ، يتدرب خلالها
المحكوم عليه على مواجهة الحياة الطبيعية. ويتم ذلك عن طريق وضعه في جناح خاص بعيداً عن السجن والسماح له بارتداء
الملابس المدنية والسماح له بزيارات دورية في فترات قصيرة ، وقد يسمح له أحياناً بالاستفادة من نظام الإفراج تحت
شرط أو نظام شبة الحرية.
2-
ثانياً : تقييم النظام التدريجي :
لا شك أن النظام التدريجي
هو أفضل
الأنظمة العقابية علي الإطلاق , ذلك أنه ينمي في المحكوم عليه روح الانضباط
وحسن السلوك ، إذ بذلك يمكنه الانتقال إلى نظام عقابي أخف. كما أنه نظام يقوم على تأهيل المحكوم عليه وتدريبه على حياه الحرية الطبيعية شيئاً فشيئاً ، فيتفادى عيوب الانتقال إلى الإفراج النهائي المفاجئ.
ورغم تأييدنا لهذا النظام إلا أنه لا يسلم من النقد.
فقد قيل أن المزايا التي تحققها إحدى مراحل النظام التدريجي قد تمحوها
المرحلة التالية لها. فمثلا إذا كان العزل والصمت المفروضان على المحكوم عليهم في المرحلة الأولى يهدفان إلى تفادي تأثير الاختلاط بينهم وبين
المجرمين شديدي الخطورة , فإن انتقال المحكوم عليهم إلى المرحلة التالية الأخف قسوة ، والتي يتاح لهم فيها الاختلاط
نهاراً وتبادل الأحاديث خلال فترات التجمع ، قد يطيح بما حققته المرحلة الأولي.
يضاف إلى ذلك أن معتادي الإجرام , لما لهم من خبرة إجرامية وسجونية , يكونوا قادرين على التحايل على الإدارة العقابية وإيهامهم بحسن سلوكهم ومن ثم وجوب استفادتهم من الانتقال إلى مرحلة تالية أخف. وهذا على عكس المحكوم عليه المبتدئ الذي لا يطيق حياة
سلب الحرية ويبدو سلوكه عدوانياً تجاه رجال الإدارة ولا يتجاوب معهم ، مما يوقعه أحياناً تحت طائلة العقاب التأديبي ، فلا يستفيد بلانتقال إلى مراحل تالية أخف في النظام
العقابي.
والواقع أن تلك العيوب لا تنال من مزايا هذا النظام. ولا يسعنا من أجل تفادي تلك العيوب إلا الدعوة إلى الاهتمام بعلوم فحص الشخصية
وتصنيف المجرمين ، بحيث يتم الكشف من خلالها على حقيقة التقدم الذي يطرأ على سلوك المحكوم عليه قبل الانتقال
به إلى مراحل تالية. كما أن يفضل في خلال المرحلة الأول
ى - أي مرحلة العزل - الإكثار من برامج التهذيب والتثقيف حتى ينتقل المحكوم
عليه إلى المرحلة التالية وقد أوقظت داخله مشاعر الثقة وتحمل المسئولية.
3-
ثالثاً : موقف المشرع المصري من النظام التدريجي
:
لقد تجاوب المشرع المصري مع النظام
العقابي التدريجي عندما نص في المادة 13 من قانون تنظيم السجون رقم 396
لسنه 1956 بأن يقسم المحكوم عليهم إلى درجات لا تقل عن ثلاثة. كما نصت
المادة الرابعة من قرار وزير الداخلية رقم 81 لعام 1959 على وجوب تشكيل لجنه في كل سجن تكون
مهمتها وضع المحكوم عليه في الدرجة الملائمة له مستعينة في ذلك بتقدير ظروفه الشخصية وبنوع الجريمة التي ارتكبها وبالعقوبة المحكوم عليه
بها.
وتنص أيضاً المادة 18 من قانون السجون على أنه إذا ذات مدة بقاء المحكوم
عليه في السجن على أربع سنين وجب قبل الإفراج عنه أن يمر بفترة انتقال , على أن يراعى التدرج في تخفيف القيود أو منح
المزايا. كما توجب المادة 46 من لائحة السجون الداخلية عزل المحكوم عليه
عشرة أيام عند بدء تنفيذ العقوبة.
ورغم تقديرنا لهذا التجاوب من قبل المشرع المصري مع هذا
النظام من أنظمة التنفيذ العقابي إلا أنه يعيب نظام التدرج في التشريع المصري أن
الدرجات الثلاث التي نص عليها المشرع إنما تحددت في ضوء اعتبارات أساسها الجريمة والعقوبة
، في
حين أن ضابط التدرج كان يجب أن يكون مقتضيات التأهيل والتهذيب.
ويمكننا القول بأن ما وضعه المشرع المصري ما هو إلا نظام
تصنيف في بدء تنفيذ العقوبة وليس خلقاً لمراحل عقابية تدريجية وفق ما
يقتضيه النظام التدريجي الصحيح. كما أن مرحلة العزل التي نصت
عليها المادة 46 من اللائحة الداخلية للسجون إنما وضعت للاعتبارات صحية وليس
كمرحلة من مراحل النظام التدريجي. للأجل هذا قلنا أن خطة المشرع
المصري هى نوع من التجاوب مع النظام التدريجي وليس تبنى
كامل له ، وهو ما يجب على المشرع المصري أن يعاود النظر فيه[2].
إرسال تعليق