مراتب الإيمان بالقضاء
والقدر
والإيمان بالقضاء
والقدر يتضمن أربعة مراتب أو أركان، لا يتحقق إيمان المكلف إلا إذا أتى بها، ومن أقر
بها جميعا فقد اكتمل إيمانه، ومن انتقص أو جحد واحدا منها أو أكثر فقد اختل إيمانه،
وهذه المراتب هي:
أولا: مرتبة العلم:
وهى أن يؤمن المكلف
إيمانا جازما بأن الله تعالى بكل شي عليم، وأنه يعلم ما في السماوات والأرض جملة وتفصيلاً،
سواء كان ذلك من فعله أو من فعل مخلوقاته، وأنه لا يخفى على الله شي في الأرض ولا في
السماء، بل علمه محيط بكل شيء، وقد علم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون،
وعلم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وحركاتهم وسكناتهم، ومن
منهم من أهل الجنة، ومن منهم من أهل النار.
وقد تضافر على إثبات
هذا الأصل العظيم ما لا يحصى من أدلة القرآن والسنة وبراهين العقول،
ثانيا: مرتبة الكتابة:
ويقصد بها أن الله
تبارك وتعالى كتب عنده في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء، فكل ما جرى وما يجري فهو مكتوب
عند الله في هذا الكتاب العظيم المسمى باللوح المحفوظ، والذي ما فرط من شيء وما ترك
صغيرة ولا كبيرة إلا ذكرها وأحصاها.
والإيمان بكتابة
الله سبحانه للمقادير يدخل فيه خمسة أنواع من التقادير:
أ- التقدير الأول:
قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، عندما خلق الله تعالى القلم، وروى الإمام مسلم
في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ^ يقول: «كتب الله مقادير
الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال وعرشه على الماء»([230]).
ب- التقدير الثاني:
حين أخذ الله الميثاق على بني آدم، وهم ما يزالون في ظهر أبيهم آدم u، حيث استـخرج سبحانه ذرية آدم جميعا، وأشهدهم
على أنفسهم،
ج- التقدير الثالث:
التقدير العمري وهو الذي يتم عند تـخليق النطفة في الرحم فيكتب إذ ذاك ذكوريتها وأنوثتها،
والأجل والعمل، والشقاوة والسعادة، والرزق وجميع ما يلقى الإنسان، فلا يزاد فيه ولا
ينقص منه وقد ورد في السنة بيان مفصل لهذا النوع من التقدير فيما رواه البخاري ومسلم
عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله ^، وهو الصادق المصدوق، قال:
إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل
ذلك، ثم يبعث الله ملكا، فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله وشقي
أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح»([231]).
د- التقدير الرابع:
التقدير الحولي، وهو الذي يتم في ليلة القدر من كل عام حيث يقدر فيها كل ما يكون في
السنة إلى مثله من العام المقبل،
ه- التقدير الخامس:
التقدير اليومي، وهو تقدير الله سبحانه لكل ما يحدث للعباد في كل يوم وليلة، وسوق المقادير
إلى المواقيت التي قدرت لها فيما سبق
ثالثا: مرتبة المشيئة:
ويقصد بها الإيمان
التام بمشيئة الله النافذة، وقدرنه التامة، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه
ما وجد موجود وما عدم معدوم إلا بمشيئة الله تعالى ولا يمكن أن يقع شي في السماوات
ولا في الأرض إلا بمشيئة الله تعالى.
رابعا: مرتبة الخلق:
ومعناها الإيمان
بأن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء في هذا الكون بأسره فهو خالق كل عامل وعمله، وكل
متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه، وما من ذرة في السموات ولا في الأرض إلا والله سبحانه
وتعالى خالقها، وخالق حركتها وسكونها، سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه، وحتى الموت
– وهو عدم الحياة - فإن الله هو الذي يخلقه،
وهذا الأمر متفق
عليه بين الرسل صلى الله تعالى عليهم وسلم، وعليه أطبقت الكتب الإلهية والفطر والعقول
والاعتبار، وآيات القرآن في هذا الباب يصعب حصرها، ومن ذلك إخباره سبحانه أنه خالق
كل شيء،
والعباد وأفعالهم
لا يخرجون عن العموم السابق، فالله سبحانه قد علم ما يفعله عباده، وكتب ذلك في اللوح
المحفوظ، وهو سبحانه خالقهم وخالق أفعالهم، كما قال سبحانه: ?? ?
? ?? [الصافات: 96].
وهذه المرتبة وما
قبلها – أي مرتبة المشيئة - هما محل النزاع بين أهل السنة وبين مخالفيهم من القدرية
والجبرية، كما سنرى آنفا إن شاء الله تعالى.
Post a Comment