علم الفقه
مجاور
لعلم طريق الآخرة لأنه نظر في أعمال الجوارح ومنشؤها صفات القلوب . (2)
إن تقرير حقيقة أفضلية
علم الآخرة على بقية العلوم لا يلغي أهمية العلوم الأخرى وحاجة المسلمين كافة
إليها ، ولكن ذلك يعني أن على كل مسلم مكلف ـ أيا كان علمه ـ ألا يحرم نفسه من
الاستزادة من هذا الخير فإن من فاته هذا العلم النافع وقع في الأربع التي استعاذ
منها النبي صلى الله عليه وسلم وصار علمه وبالا عليه وحجة عليه ولم ينتفع به لأنه
لم يخشع قلبه لربه ولم يشبع نفسه من الدنيا بل ازداد عليها حرصا ولها طلبا ولم
يسمع دعاؤه لعدم امتثاله لأوامر ربه وعدم اجتنابه لما يسخطه ويكرهه (1).
وليست الأفضلية مقتصرة على علوم الدنيا ،
بل إن العلم بالله أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات من صلاة وصيام وتسبيح ودعاء
وذلك لأسباب عدة يذكرها ابن جماعة (2) كما
يلي :
أ ـ أن العلم يعم نفعه لصاحبه وللناس ، والنوافل
البدنية مقصورة على صاحبها ،
ب ـ أن العلم مصحح
لغيره من العبادات ومفتقرة إليه ولا يتوقف هو عليها .
ج ـ أن العلم يبقى
أثره بعد موت صاحبه بينما تنقطع النوافل بموت صاحبها .
د ـ في بقاء العلم
إحياء الشريعة وحفظ معالم الملة .
هـ ـأن طاعة العالم
واجبة على غيره فيه .
3 ـ الحاجة إلى العلم
الشرعي :
لقد ذم الله قوما انصرفوا بالكلية عن العلم
الأخروي إلى علوم هذه الدنيا الفانية ، اهتم الفرد منهم بصلاح دنياه وأمر معاشه
وزيادة أمواله متجاهلا دينه الذي هو عصمة أمره وبه فلاحه ونجاحه . قال تعالى : {
وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا من الحياة
الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون * أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات
والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون } [
الروم : 6-8 ]
وقال الحسن في وصف هؤلاء : يعلمون متى زرعهم
ومتى حصادهم ، ولقد بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقر الدرهم بظفره فيخبرك
بوزنه ولا يحسن يصلي (1) .
وقال صلى الله عليه وسلم في أمثال هؤلاء : إن
الله يبغض كل جعظري جواظ صخاب في الأسواق ، جيفة بالليل حمار بالنهار ، عالم بأمر
الدنيا جاهل بأمر الآخرة . [ رواه البيهقي في السنن نقلا عن الألباني في صحيح
الجامع برقم 1874 ]
ما أشد انطباق الوصف في هذا الحديث على حال
كثير من شباب المسلمين وشيبهم ، رجالا ونساء في العصر الحاضر ، فربما يتقن المهندس
عمله ويبدع الصانع في مصنعه ويربح التاجر في سوقه أو يخلص الأستاذ في تدريسه
واستيعاب مادته ، وكل واحد من أصحاب المهن والوظائف يقضي الساعات الطوال ليقوم
بتبعات تلك المهنة أو الوظيفة وما يتعلق بها ومع ذلك لا تجده يفرغ ساعة من وقته في
الأسبوع أو في الشهر لتعلم أمور دينه إما في بيته مع أهله وأولاده وإما في المسجد
القريب من سكنه مع جيرانه أو بأي طريقة من الطرق ، ويرى الباحث أن هذا الإعراض مما
ابتلي به المسلمون حتى المثقفين منهم ، وقد عد العلماء من نواقض الإسلام التي تخرج
صاحبها من الإسلام ، الإعراض عن دين الله تعلما وعملا (2).
إذا فالأمر جد خطير
وعلى الفرد المسلم أن يكون له من العلم الشرعي نصيبب ، وينبغي على كل مكلف تعلم
أصول الدين وما هو معلوم من الدين بالضرورة من أمور العقائد والعبادات والمعاملات
والمداومة على ذلك من المهد إلى اللحد وخاصة فيما تمس إليه حاجة الفرد نفسه ،
فالتاجر يتفقه شرعيا في أنواع البيوع والقاضي يتعلم أحكام القضاء والحكم وقل مثل
ذلك للسياسي والمعلم والطبيب والمهندس وهلم جرا ، وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ـ
رحمه الله ـ عما يجب على المكلف اعتقاده وما الذي يجب عليه علمه فقال : أما
الإجمال فيجب على المكلف أن يؤمن بالله ورسوله ويقر بجميع ما جاء به الرسول من أمر
الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وما أمر به الرسول ونهى بحيث يقر
بجميع ما أخبر به وما أمر به فلابد من تصديقه فيما أخبر والانقياد له فيما أمر ،
... ، وأما الذي يجب عليه علمه فهذا يتنوع فإنه يجب على كل مكلف أن يعلم ما أمر
الله فيعلم ما أمر بالإيمان به وما أمر بعلمه بحيث لو كان له ما تجب فيه الزكاة
لوجب عليه تعلم علم الزكاة ، ولو كان له ما يحج به لوجب عليه تعلم الحج وكذا أمثال
ذلك ، ويجب على عموم الأمة علم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بحيث لا يضيع
من العلم الذي بلغه النبي صلى الله عليه وسلم أمته شيء وهو ما دل عليه الكتاب
والسنة لكن القدر الزائد على ما يحتاج إليه المعين على الكفاية إذا قامت به طائفة
سقط من الباقين .
وأما العلم المرغب فيه
جملة فهو العلم الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم أمته لكي يرغب كل شخص في العلم
الذي هو إليه أحوج وهو له أنفع وهذا يتنوع ، فرغبة عموم الناس في معرفة الواجبات
والمستحبات من الأعمال والوعد والوعيد أنفع لهم ، وكل شخص منهم يرغب في كل ما
يحتاج إليه من ذلك ، ومن وقعت في قلبه شبهة فقد تكون رغبته في ما ينافيها أنفع من
غير ذلك (1)
(2) إحياء
علوم الدين : أبو حامد الغزالي ، بيروت ، دار المعرفة ، 5 أجزاء ، 1 /19 .
(1) فضل علم
السلف على الخلف : ابن رجب ، عمان ، دار عمار ، 1406 هـ ، ص 52
(2) تذكرة
السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم : ابن جماعة الكناني ، بيروت ، دار الكتب
العلمية .
(1) زاد المسير في علم التفسير : عبد الرحمن بن علي
بن محمد بن الجوزي . بيروت ، المكتب الإسلامي ، 1404 هـ ، 6/289
(2) الولاء
والبراء في الإسلام من مفاهيم عقيدة السلف : محمد سعيد سالم القحطاني ، الرياض ،
دار طيبة ، 1402 هـ ،ص 76
(1) فتاوى ابن
تيمية : مرجع سابق ، 3 /327 ــ 329
إرسال تعليق