مفهوم النظرية البنائية 
         حدد المعجم الدولي للتربية مصطلح البنائية Constructivism وفق ما أشار إليه زيتون وزيتون ( 1992م ) بالتعريف التالي : " رؤية في نظرية التعلم ونمو الطفل قوامها أن الطفل يكون نشطاً في بناء أنماط التفكير لديه ، نتيجة تفاعل قدراته الفطرية مع الخبرة " ص1 .
         كما حدد معجم علوم التربية الفارابي وآخرون ( 1994م ) التعريف التالي للبنائية : "صفة تطلق على كل النظريات والتصورات التي تنطلق في تفسيرها للتعلم من مبدأ التفاعل بين الذات والمحيط من خلال العلاقة التبادلية بين الذات العارفة وموضوع المعرفة " ص52 .
         وتشير كلمة بنائية كما يذكر زيتون ( 2003م : 15 ) إلى عملية بناء المعرفة من الخبرة، ويعتبرها العلماء والفلاسفة وعلماء الاجتماع وعلماء علم النفس ، الكيفية التي نتعرف بها على العالم من حولنا ، فالعلماء يسعون وراء حقائق موضوعية بشكل مستقل ومتحرر عن الضغوط الاجتماعية ، ويتوصلون لنتائج ، ثم يعيدون تجاربهم ، ليقضوا على الشك الذي قد يعتريهم بشأن تلك النتائج.
         كما عرفها الميهي (2003م) بأنها : " الإجراءات التي تمكن الطالب من القيام بالعديد من المناشط التعليمية أثناء تعليمه للعلوم ، وتؤكد على مشاركته الفعلية في تلك المناشط، بحيث يستنتج المعرفة بنفسه ، ويحدث عنده التعلم القائم عن الفهم وبمستويات متقدمة تؤدي إلى إعادة تنظيم البنية المعرفية للطالب وما فيها من معلومات " ص15 .
         أما عن تعريف البنائية من قبل البنائيين أو منظري البنائية فلم يتم وضع تعريف محدد لها ، حيث أشار كثير من الباحثين إلى أن البنائية يمكن أن يكون لها معانٍ مختلفة لأشخاص مختلفين ، ولكن على سبيل المثال فقد أورد عبد الرزاق (2001م :18) التعريفات التالية :
-       عرف فون جلاسرفيلد ( Von Glasserfeld,1988 ) وهو من أكبر منظري البنائية المعاصرين وأبرزهم – حيث يرى أن البنائية " عبارة عن نظرية معرفية تركز على دور المتعلم في البناء الشخصي المعرفي " أي تؤكد على أن المعرفة لا يتم استقبالها بشكل سلبي، بل تبنى بشكل فعال .
         أما كروثر ( Crowther,1993 ) فذكر " أنه عندما يمر الأفراد بخبرة جديدة فإنهم يلائمونها لذواتهم من خلال خبرة أو معرفة سابقة تعرضوا لها " .
         وقد أورد الخليلي ( 1995م : 256 ) تعريف واتزلويك( Watzlawik )  الذي يعتبر أحد منظري البنائية المعاصرين أن البنائية تعرف بأنها " ذلك الموقف الفلسفي الذي يزعم أن ما تدعى بالحقيقة ما هي إلا بناء عقلي عند الذين يعتقدون أنهم تقصوها واكتشفوها . وبتعبير آخر فإن الذي يصلون إليه ويسمونه حقيقة ما هو إلا ابتداع يتم من قبلهم دون وعي بأنهم هم الذين ابتدعوه اعتقاداً منهم بأنه موجود بشكل مستقل عنهم وتصبح هذه الابتداعات ( التصورات الذهنية ) هي أساس نظرتهم إلى العالم من حولهم وتصرفاتهم إزاءه " .
         كما أشارت ملاك السليم ( 2004م : 698 ) إلى تعريف كانيلا Cannela,1994)) للبنائية وهو : " علم المعرفة أو نظرية التعلم المعرفي التي تقدم شرحاً لطبيعة المعرفة وكيفية تعلمها، والتي تؤكد أن الأفراد يبنون فهمهم أو معرفتهم الجديدة من خلال التفاعل بين معرفتهم السابقة وبين الأفكار والأحداث والمناشط التي هم بصدد تعلمها " .
         وأورد اللزام ( 2002م : 18 ) تعريف سيجل ( Sigle ) أحد المنظرين الأوائل للبنائية  " تشير البنائية إلى عملية البناء المعرفي التي تمت من خلال تفاعل الفرد مع ما حوله من أشياء وأشخاص ، وفي أثناء هذه العملية يبين الفرد مفاهيم معينة عن طبيعته، وهذا بالتالي يوجه سلوكياته مع كل ما يحيط به من أشياء وأشخاص وأحداث ".
         كما أشار المومني ( 2002م : 23 ) إلى تعريف لورسباك وتوبن ( Lorsbak and Tobin, 1992) للبنائية بأنها " نظرية معرفة استخدمت لشرح عملية " كيف نعرف ما نعرف " كما أورد إبراهيم ( 2004م : 362 ) تعريف بلوم وبورل (Bloom and Burrell,1999) للبنائية بأنها  "عملية استقبال تحوي إعادة بناء المتعلمين لمعاني جديدة داخل سياق معرفتهم الآنية مع خبرتهم السابقة وبيئة التعلم".
         ويمكن إيراد تعاريف أخرى للبنائية من أهمها تعريف ساندرز وتعريف ويتلي وهما :
عرف ساندرز ( Saunder,1992,136-140 ) البنائية على " أنها فكرة تتضمن أن أي شيء يقال له ( الحقيقة ) ما هي إلا تراكيب عقلية من قبل أولئك الذين يؤمنون أنه اكتشفوها وتفحصوها " .
أما ويتلي ( Wheatly,1991,9-21 ) فقد عرف البنائية بأنها " نظرية التعلم الذي يعني التكيفات الحادثة في المنظومات المعرفية الوظيفية للفرد من أجل معادلة التناقضات الناشئة من تفاعله مع معطيات العالم التجريبي " .
         ومن خلال استعراض تعريفات البنائية السابقة نجد أن منظري البنائية لم يتفقوا على تعريف محدد لها ، وقد يعود سبب ذلك كما أشار إلى ذلـك زيتـون وزيتـون (2003م : 18 – 19 ) ، منى عبد الهادي وآخرون ( 2005م : 358-359) للأسباب التالية :
أ-       لفظ البنائية وإن كان له تاريخ طويل في مجال الفلسفة باعتباره أحد النظريات التي تتناول المعرفة إلا أنه جديد في الكتابة التربوية .
ب-    تدخل البنائية في العديد من مجالات الدراسة ، منها التعلم ، والتدريس وتكنولوجيا التعليم ، وإعداد المعلم والتوجيه والإرشاد النفسي ، وغيره من الدراسات.
ج-     منظرو وأنصار البنائية ليسوا مجموعة واحدة ولكنهم عدة مجموعات ، كل منهم يعتقد أنه أصلح من الآخر .
د-      البنائية لها جانبان أحدهما فلسفي والآخر سيكولوجي ، ولكل منهما أنصاره وتعريفاته المتعددة .
هـ-   أنصار البنائية قصدوا ألا يعرفوها وتركوا الأمر لكل واحد منا ليكون معنى محدد لها في ذهنه .
         وبالنظر إلى التعاريف السابقة نجد أن تعريف فون جلاسرسفيلد أكثر التعريفات وضوحاً وبساطة ودقة لمفهوم البنائية، حيث يعكس الأساس الذي ارتكزت عليه النظرية، حيث يؤكد على إيجابية المتعلم وبناؤه المعرفة بذاته ولا غرابة في ذلك، حيث يعد جلاسرسفيليد Glassersfeld كما يذكر زيتون وزيتون ( 1992م : 17 ، 69 ) أعظم منظري البنائية المعاصرين ، وهو واضع أسس البنائية الحديثة – بنائية ما بعد جان بياجيه هو وزملائه الآخرين، أمثال : نيلسون جودمان ، وواتز لوك وغيرهم .

Post a Comment

أحدث أقدم