حياة البرزخ
بنهاية الحياة الدنيا تأتي فترة البرزخ وهي الفترة التي يقضيها الإنسان بعد مماته في القبر وقبل يوم الحشر ، قال تعالى : { كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة } [ آل عمران : 185 ]
وقال أيضا : { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة } [ النساء : 78 ]
    يعتقد المسلم اعتقادا جازما أن الموت باب وكل الناس داخله ، والبرزخ دار كل الناس سيزورها وسيقضي فيها فترة الله أعلم بها ، ثم يكون المحشر للسؤال عن الأعمال وللفصل بين العباد . وفي البرزخ يحيا الفرد حياة الله أعلم بها ، لا أب ولا أم ولا أصحاب ولا أتباع ولا خدم ولا حشم ، تكون مساءلة ويكون حساب .
    قال تعالى : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء } [ إبراهيم : 27 ] .
    روى أبو جعفر النحاس – رحمه الله – في معنى هذه الآية فقال : قال البراء بن عازب وأبو هريرة : هذا عند المساءلة إذا صار في القبر (1)
   وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال : استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل . [ أبو داود : 3/550 ]
    وعن البراء – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله : يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة . [ البخاري : 3/247 ] .
    كما روى أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم ، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم ؟ فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله ، فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله تعالى به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا . وأما المنافق والكافر فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : لا أدري كنت أقول ما يقول الناس ، فيقال له : لا دريت ولا تليت ، ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين . [ البخاري : 1/422 ] .
    إن المسئولية في البرزخ أمر لازم ولا مفر منها لأحد ، ومحصلة هذه المسئولية إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار . يقول القرطبي (1) : الإيمان بعذاب القبر وفتنته واجب ، والتصديق به لازم حسب ما أخبر به الصادق ، وأن الله تعالى يحيي العبد المكلف في قبره برد الحياة إليه ويجعله من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه ليعقل ما يسأل عنه ما يجيب به ويفهم ما أتاه من ربه وما أعد له في قبره من كرامة أو هوان . وبهذا نطقت الأخبار عن النبي المختار صلى الله عليه وسلم وعلى آله آناء الليل وأطراف النهار ، وهذا مذهب أهل السنة والذي عليه الجماعة من أهل الملة .
    وينبغي الإكثار من ذكر هاذم اللذات ومفرق الجماعات لقول النبي صلى الله عليه وسلم : أكثروا من ذكر هادم اللذات . [ الترمذي : 4/479 ] .
    إن من يتذكر ذلك البيت المظلم بيت الوحشة والدود لن تصرفه هذه الدنيا بملذاتها عن العمل والاستعداد للسؤال في ذلك المكان المقفر ، وسوف يراقب نفسه في كل حين ، ورحم الله عمر بن عبد العزيز الذي كان يتمثل بأبيات لابن عبد الأعلى حيث ينشد قائلا (2) :

من كان حين تصيب الشمس جبهته
ويألف الظل كي تبقى بشاشته
في قعر مظلمة غبراء مقفرة
تجهزي بجهاز تبلغين به يا نفس
وسابقي بغتة الآجال وانكمشي
لا تكدي لمن يبقى وتفتقري
أو الغبار يخاف الشين والشعثا
فسوف يسكن يوما راغما جدثا
يطيل تحت الثرى في قعرها اللبثا
قبل الردى لم تخلقي عبثا
قبل اللزوم فلا منجا ولا غوثا
إن الردى وارث الباقى وما ورثا

    كما أن تذكر هذا المصير المحتوم يولد القشعريرة في القلب ويملؤه بالخشية والإنابة وبالتفكر الصادق تسقط العبرات من المدامع ويحس الإنسان بالتفريط ويعترف بالتقصير فيندم على ما مضى وينيب إلى ربه ويسارع إلى تدارك ذاته فيربيها ويقومها على الجادة قبل أن يعض أصابع الندم ولات حين مندم . ومن وضع في مخيلته ظلمة القبر ووحشته سيتذكرها تلقائيا كلما وجد نفسه في غرفة مظلمة أو صحراء موحشة أو ما أشبه ذلك ، وذلك مما يحثه على التجهز والاستعداد قبل فوات الأوان .


(1)  معاني القرآن الكريم : أبو جعفر النحاس . مكة ، جامعة أم القرى ، 1409 هـ ( 6 أجزاء ) 2/530
(1)  التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة : محمد أحمد الأنصاري القرطبي . القاهرة ، دار الريان للتراث ، الطبعة الثانية ، 1407هـ ، ص 137
(2)  سيرة عمر بن عبد العزيز : ابن الجوزي . د.ت ، ص 195

Post a Comment

Previous Post Next Post