تربية الذات والسمو بالشخصية إلى المراتب العليا
الخطاب واضح والبيان ناصع في الحث على تربية الذات والسمو
بالشخصية إلى المراتب العليا وذلك بالاستعداد لهذه المسئولية التي سيواجهها كل فرد
حيث تبدأ مسئولية كل فرد في هذه الحياة منذ بلوغه سن التكليف وتنتهي بمفارقته لها
، ولكل مسئوليته الخاصة به .
عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، فالإمام الأعظم الذي على
الناس راع ومسئول عن رعيته والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته ، والمرأة
راعية على أهل بيت زوجها وهي مسئولة عنهم ، وعبد الرجل راع على كل مال سيده وهو
مسئول عنه ، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته [ البخاري : 4 /328 ]
كل فرد في المجتمع الإسلامي له رعية يرعاها ، وبغض النظر عن
موقعه فيه في القمة أو في القاع ، وسواء كان رجلا أو امرأة ، حرا أو عبدا ، مهما
اختلفت الظروف والأحوال فإنه مسئول عن رعيته ، يوضح هذا المعنى محمد بن عبد الله
دراز فيقول (1):
والحق أن هذه الظروف لا تتخلف أبدا فلكل منا بالضرورة بعض
العلاقات وهو يشغل مكانا معينا ويمارس بعض الوظائف في جهاز المجتمع ، فالأب مسئول
عن رفاهية أولاده ـ المادية والأخلاقية ـ والمربي مسئول عن الثقافة الأخلاقية
والعقلية للشباب والعامل عن تنفيذ عمله وكماله ، والقاضي عن توزيع العدالة والشرطي
عن الأمن العام والجندي عن حفظ الوطن ، كذلك نحن ـ فرادى ـ مسئولون عن طهارة
قلوبنا واستقامة أفكارنا ، كما أننا مسئولون عن حماية صحتنا وحياتنا ، حتى أننا
نستطيع أن نجد في كل لحظة من لحظات الحياة الإنسانية بعض المسئوليات وهي ليست
افتراضية فحسب بل حاضرة وواقعية متى تحققت لها الشروط العامة ، ثم إن اختلاف
المواقف لا يتدخل إلا من أجل تخصيص وتحديد موضوع هذه المسئولية
وإنما يزيد هذه المسئولية خطورة وأهمية قوله صلى الله عليه
وسلم : ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه
الجنة [ مسلم : 1/125 ]وفي رواية : ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه
لم يجد رائحة الجنة [البخاري : 4 /331 ]
وفي رواية لمسلم : ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لا
يجتهد لهم وينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة [ أبو داود : 3 / 356 ]
وقال أيضا عليه السلام : من ولاه الله عز وجل شيئا من أمر
المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله عنه دون حاجته وخلته وفقره [
أبو داود :3 /356 ]
ألا فليتفكر في هذه النصوص كل المربين والعلماء والحكام
وغيرهم من الرعاة فإن التبعة كبيرة والحساب عسير . صحيح أن الجزاء يوم القيامة
ولكن لا يغيب عن البال أن المسئولية تبدأ من الحياة الدنيا دار العمل والكسب ، فهل
أدى كل فرد ما يترتب عليه من واجبات تجاه الأمانة التي كلف بها ، إن إجابة أي فرد
لنفسه عن هذا السؤال تتطلب التجرد والنزاهة ، فلا داعي لجلب الأعذار وتبرير
الأخطاء أو انتحال المغالطات النفسية والحيل اللاشعورية ، فاليوم دار عمل ولا حساب
وغدا دار حساب ولا عمل
إن شعور الفرد بهذه المسئولية يدفعه للعمل بدون توان ولا
ملل ويراعى في هذه المسئولية هل حفظ الأمانة كما ينبغي أم ضيع وفرط ، وإن أولى
الناس بالمحاسبة والمراقبة نفسه التي بين جنبيه فيراجعها
الفينة بعد الأخرى
ويسائلها قبل أن تسأل
كما أن مسئولية الفرد عمن يعول يشعره بالتبعة الشاقة
فيتعاهدها بالرعاية والعناية ويراقب الله في هذه الأمانة عملا بقوله تعالى : { يا
أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة
غلاظ شداد }[ التحريم :6 ]
(1) دستور
الأخلاق في القرآن : محمد عبد الله دراز ، تعريب وتحقيق / عبد الصبور شاهين ،
بيروت مؤسسة الرسالة ، الكويت ، دار البحوث العالمية ، الطبعة الرابعة ، 1402 هـ ،
ص 139
Post a Comment