العلاقة
بين الإنسان والطبيعة
الطبيعة هي كل ما يحيط بالإنسان، وهي الوسط الذي يؤثر فيه الإنسان ويتأثر به، فالإنسان لا
يمكنه العيش خارج الوسط البيئي، والوسط البيئي يمكنه البقاء والاستمرار بدون
الإنسان، ولكن نشاطات الإنسان وأفعاله الإيجابية تكون مفيدة للوسط البيئي.
أصبح
من الواضح لدى الكثيرين أن فهم الإنسان
بشكل جيد يتحقق من خلال فهم علاقته
بالبيئة، ومعرفة ديناميكية التأثير المتبادل بينهما، هذه المعرفة التي يفترض بها
أن تؤدي إلى جعل الطبيعة أكثر قرباً للإنسان، وتجعله أكثر تفهماً لها، وأنه جزء
ومكون مهم من مكوناتها، وليس سيدها، أو أن سيادته فيها نسبية تتجلى بالمقارنة بينه
بوصفه كائناً حياٍ عاقلاً وهبه الله إمكانية معرفة قوانين الطبيعة، وفهمها وحسن
التعامل معها، وبين الكائنات الحية الأخرى التي لا تملك مثل هذه الإمكانات.
إن
الطبيعة هي مجموعة أو جملة من العمليات (الكونية، الجيولوجية، المناخية،
الكيميائية، الفيزيائية، البيولوجية وغيرها)، وهذه العمليات تجري بشكل طبيعي من
دون تدخل الإنسان، وهي كانت موجودة قبل ظهور الإنسان بزمن طويل، وهي أزلية أبدية
لا متناهية في الزمان والمكان، أما الإنسان فهو مخلوق حديث نسبياً، ولكن تأثيره في
الطبيعة وعناصرها متنام ومتغير في المكان والزمان. وعلى ما يظهر فقد كانت علاقة
أسلافنا القدماء بالبيئة أكثر انسجاماً وترابطاً مما هي عليه الآن لأسباب مختلفة،
حتى إن بعض الشعوب القديمة كانت تقدس بعض الظواهر الطبيعية كالأنهار والبحار
والغابات والجبال لدرجة العبادة. فقد كان الغاليون وهم من شعوب روما القديمة يقدمون
العبادة للجبال، والحجارة العجائبية، والينابيع المقدسة، والأشجار المباركة،
والحيوانات المقدسة([1]).
ومثل هذه العبادات كانت تمارس أيضاً من قبل شعوب اليونان
القديمة والبلدان المجاورة لها،
ففي مصر القديمة كانت تتم عبادة الحيوانات
والنباتات كالبطم والنخيل، وفي بلاد ما بين النهرين كان يوجد إله الزرع، وإله
الزوبعة والعاصفة([2]).
وكانت زهرة اللوتس تعد زهرة مقدسة لدى الفراعنة، وكان عند
اليونان القدماء ما يعرف بالغابات المقدسة، وهي رمز القوة النباتية، وقد أقيمت
فيها المعابد، وكان الدخول إليها محظوراً إلا للكهنة والقليل من أتباعهم، وتمنع
حراثتها أو قطعها، ويعد ذلك تدنيساً يستحق العقوبة. أما في الدين الإسلامي الحنيف،
فإن الأرض - وهي الوسط البيئي الصالح للحياة - تشكل نظاماً بيئياً متكاملاً، يهيئ
للإنسان، وهو أهم عنصر في هذا النظام، ولغيره من العناصر الحية في هذا النظام، يهيئ
لهم مقومات الحياة وعوامل البقاء.
وقد أكدت الأديان والشرائع السماوية على أهمية حماية البيئة والمحافظة عليها وعلى مواردها، من الاستنزاف والإسراف
والتبذير، وأكد على ذلك الكثير من التشريعات والقواعد والأحكام المنطلقة من القرآن
الكريم، ومن الأحاديث النبوية الشريفة
وهي كثيرة، عن النظافة والزراعة وإحياء الأرض الموات، والجهود التي بذلها الخلفاء
والعلماء ورجال الدين في هذا المجال، وقد جاء في قوله تعالى: )وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ
مَعْرُوشَاتٍ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ
مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ
حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ[
(الأنعام 141). وهذه الآية الكريمة تبين بوضوح الكثير من المنهي عنه والمسموح به
وما يترتب عليه.(§)
(§) للمزيد من
المعلومات، يمكن الاطلاع على كتاب : الحفاظ على البيئة في العصور العربية
الإسلامية، أ . د . مهدي صالح السامرائي،
دار جرير للنشر والتوزيع، 1425 هـ - 2005 م .
Post a Comment