الحرية العلمية في
الاسلام
لم يلزم الإسلام جميع
أفراده بالاتجاه إلى علم معين ، وترك هذا الأمر مطلقا حسب رغبة كل فرد وميوله
وأهوائه ، بل إن مقتضى الحال يدعو إلى أن يكون للمسلمين باع في كل علم من العلوم
المفيدة وأن يكون لدى جماعة المسلمين الخبراء
والمختصون في مختلف المجالات لكي
يكونوا في قوة ومنعة ويستغنوا بإمكانيتهم عن الأعداء ، قال تعالى : { وإذا جاءهم
أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه
الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } [
النساء : 83 ].
فوجود الهيئات
المتخصصة والعلماء البارعين في مختلف المجالات النافعة أمر هيأته الشريعة ويسرت
سبله عن طريق حرية العلم للأفراد ، يقول أحد التربويين المعاصرين : وحين تتعقد
المواقف والمشكلات ـ خاصة تلك التي تتعلق بأمور السلم أو أمور الحرب والأخطار ـ
وتحتاج إلى درجات عالية من القدرات والخبرات العميقة ومناهج التفكير الحكيم فإن
القرآن يوجه إلى وجوب إقامة هيئة متخصصة في دراسة هذا النوع من المواقف والمشكلات(1).
وقد كانت حرية العلم واضحة
في حياة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ورضي الله عنهم أجمعين ـ فمنهم
العالم بالقرآن والعالم بسنة المصطفى عليه السلام واللغوي والشاعر والقاضي ومنهم
القائد المحنك الخبير بفنون الحرب والتاجر المتمرس بالتجارة والعالم بالفرائض
والعالم بالحلال والحرام ، وورد في سيرة المصطفى القولية والفعلية ما يدل على
تشجيعه وإقراره لكل منهم على المجال الذي برع فيه أو العلم الذي اختاره ، من ذلك
ما رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : أرحم أمتي أبو بكر ، وأشدها
في دين الله عمر وأصدقها حياء عثمان وأعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل ،
وأقرؤها لكتاب الله أبي ، وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت ، ولكل أمة أمينا وأمين
هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح . [ أحمد : 3/184 وصححه الألباني في صحيح الجامع
برقم 908]
وروى
البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم
قريظة لحسان بن ثابت : اهج المشركين فإن جبريل معك . [ أحمد : 4/286 وصححه
الألباني في صحيح الجامع برقم 2519 ]
وعن ابن مسعود ـ رضي
الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقتدوا باللذين من بعدي أبي
بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وما حدثكم ابن مسعود فاقبلوه . [ رواه أبو يعلى في
مسنده ، نقلا عن الألباني في الصحيحة برقم 1154 ] والآثار في ذلك كثيرة .
إن الحرية العلمية في
التربية الإسلامية تفتح الباب على مصراعيه لتتنوع الخبرات وتتعدد التخصصات ، ورغم
كثرتها وتنوعها ، إلا أنها كلها تصب في منبع واحد هو تحقيق الاكتفاء الذاتي
للمجتمع وذلك بتكاتف أفراده وتعاونهم .
وتسعى التربية
الإسلامية لهذا الهدف بتوظيف الطاقات ، فالجميع يعمل ويبني ويساهم كل من موقعه وكل
حسب طاقته وكل حسب ميوله العلمية ورغباته الفكرية أو قدراته المهنية ، ومن المفترض
ألا يوجد بين المسلمين من لا ينفع في أي أمر من الأمور ، وما دام الفرد المسلم
عاملا فهو يضع لبنة في البناء ،
وهو بذلك له جهده ومساهمته التي لا يستغنى عنها ،
وشعور المرء بحرية العلم يجعله لا ينتقص أي جهد يقدمه ولو كان يسيرا ، بل على
العكس من ذلك فإن هذا يدفعه إلى أن يبدع في مجاله ويسد الثغرة التي هو عليها حتى
لا يؤتي المجتمع المسلم من قبله وحتى لا يصبح هو نفسه عالة على غيره .
(1) أهداف
التربية الإسلامية : ماجد عرسان الكيلاني ، المدينة المنورة ، مكتبة دار التراث ،
1408 هـ ، ص 61 .
إرسال تعليق