، أكسيد النيتروز، ويعزى له نسبة بسيطة في الانحباس الحراري ولكنها نسبة تتزايد مع تعاظم النشاط الزراعي واستخدام الأسمدة في العالم. وبالرغم من قلته في الجو نسبة إلى غاز ثاني أكسيد الكربون فإن فاعليته للوحدة الواحدة المكافئة أعظم بنحو 310 مرات.
        وينتج أكسيد النيتروز بفعل احتراق الوقود الأحفوري وإدارة التربة وإنتاج الغذاء والثروة الحيوانية ونتيجة تخمر المياه العادمة والفضلات الصلبة. وفيما تنتج الطبيعة اليوم نحو 60% من هذا الغاز، فإن مساهمة الإنسان المعاصر بلغت 40%.

وهناك غازات أخرى تساهم في ظاهرة الانحباس الحراري، مثل CFCs (كلوروفلوروكربون) و HFCs (هيدروفلوروكربون) وPFCs (فسفوروفلوروكربون) وSF6 (سداسي كبريتات الفلورايد) وغيرها. ويرمز الحرب s إلى مجموع المركبات التي تنتمي إلى هذه العائلة.
        ويطلق على غازات CFCs (الكلوروفلوروكربون) اسم غاز الفريون (Freon)، وهي مركبات كيميائية تم تطويرها في ثلاثينيات القرن العشرين كبديل لغاز الأمونيا المستخدم في الثلاجات مثلاً، وكانت له استخدامات عسكرية كثيرة خلال الحرب العالمية الثانية. وقد منع إنتاج هذا المركب الكيميائي في بروتوكول مونتريال عام 1987 لأثره الكبير على تفكيك الأوزون، حيث يفكك جزيء واحد من مركب CFC نحو عشرة آلاف جزيء أوزون O3.
        وقد تم الاستعاضة عنها بمركبات HCFC لضررها الأقل على الأوزون حيث لا يتجاوز ضررها عشرة بالمئة ضرر CFCs. أما المركبين HFCs  وPFCs فقد تم استهدافهما في مؤتمر كيوتو عام 1997 لأن أثرهما لكل وحدة مكافئة على الانحباس الحراري يساوي آلاف المرات قدر غاز ثاني أكسيد الكربون.
        تقاس ظاهرة الانحباس الحراري من خلال معدل ارتفاع درجة حرارة الثمانية كيلومترات الأولى للغلاف الجوي، في حين تؤثر عدة عوامل على ظاهرة ارتفاع درجة حرارة الأرض. ومن العوامل الأخرى غير المرتبطة بالتلوث الاصطناعي الذي خلقه الإنسان: تبدّل مدار الأرض حول الشمس، وتغير النشاطات النووية في الشمس ذاتها، وهبوب الأعاصير الشمسية بين فترة وأخرى، حيث تشتد طوراً وتتضاءَل تارة أخرى.
فإذا كانت تغيرات مدار الأرض حول الشمس أو حول نفسها قد أدت إلى دخول الأرض في عصور جليدية، هل يحق لنا أن نتساءَل عن مدى فائدة الانحباس الحراري في التخفيف من قسوة العصور الجليدية القادمة؟
تتمثل الإجابة في أن الأرض لن تحتمل هذا التغير الكبير وهي تنتظر حتى يحدث عصر جليدي ربما بعد ألوف السنين، وربما عشرات الألوف من السنين، لذلك باتت مسألة معالجة ظاهرة الانحباس الحراري المعاصرة مسألة حياة أو موت بالنسبة للحياة على الأرض. أما الحديث عن دورات دافئة وأخرى باردة خلال عقود أو ربما قرون، فإن الارتفاع المتوقع في درجة الحرارة في نهاية القرن الحادي والعشرين سيكون أكبر من أي انخفاض قد يحصل بفعل دورة البرودة المتوقعة.
إن من أسباب ظاهرة ارتفاع درجة حرارة الأرض أيضاً النشاطات النووية على سطح الشمس وتغير وتيرتها وشدتها من فترة إلى أخرى. ثم هناك نشاطات طبيعية على سطح الأرض، مثل ثوران البراكين واصطدام النيازك الضخمة بالأرض، ولكن الذي يقلقنا من هذه العوامل نشاطات الإنسان نفسه؛ والبيئة الاصطناعية التي خلقها الإنسان منذ تشكل الحضارات الكبرى، وهي اليوم واضحة جلية من خلال تزايد نسبة الغازات التي تسبب الانحباس الحراري بصورة لافتة كما أكدت على ذلك قياسات العلماء الدقيقة.
والمعلوم اليوم أن معدل درجة حرارة الأرض قد ازداد بمقدار  Cْ0.2 في القرن التاسع عشر عن القرن الذي سبقه، كما زاد بمقدار  Cْ0.6 خلال القرن العشرين، ومن المتوقع مع نهاية القرن الحادي والعشرين، ارتفاع درجة الحرارة عدة درجات مئوية، تتراوح ما بين درجة مئوية واحدة - على أقل تقدير-، وترتفع لتصل إلى 5-6 درجات في حدها الأقصى، هذا إذا لم تحدث كوارث طبيعية عظيمة كثوران البراكين الضخمة، وسقوط نيازك كبيرة على الأرض، أو ربما اشتداد مفاجئ في نشاط الشمس ونحو ذلك. وهو تغير من صنع الإنسان لم تشهده الأرض منذ 10000 سنة، ومن شأنه إحداث تغييرات بيئية هائلة على الأصعدة كافة ما لم يتكاتف العالم بجدية لمواجهته.
ومن المتوقع أن يرتفع منسوب البحار في نهاية القرن الحادي والعشرين بمعدل نحو عشرين سنتمتراً وربما أكثر، إذ تتباين التقديرات بحيث يضعها المحافظون عند عشرة سنتمترات فقط، فيما يجعلها المغالون تصل إلى نحو متر ونصف المتر. ومهما تكن حقيقة ذلك فسوف يتم غمر الشواطئ بالمياه، وبخاصة في الأماكن المنخفضة مثل فلوريدا في أمريكا، وهولندا وإيطاليا في أوروبا والهند وبنغلاديش والصين في آسيا، ومصر في إفريقيا، وغيرها من المناطق، وهي كافية لتهجير مئات الملايين من الناس وتدمير الصناعة والزراعة والغطاء النباتي والتنوع الحيوي.
على سبيل المثال، فإن المناطق الساحلية في مصر يقطنها الملايين من البشر، وعلى ارتفاع متر واحد فوق سطح البحر، سيهدد هؤلاء البشر في مساكنهم وأراضيهم الزراعية البالغة نحو 12 % من مجمل الأراضي الزراعية في مصر.
أما في بنغلاديش فيسكن أكثر من مئة مليون شخص من السكان في المناطق الساحلية، كما سيؤدي ارتفاع منسوب المياه إلى غرق مساحات كبيرة من الغابات ومن مجموع الأراضي الزراعية، فيمكن تصور مقدار الضرر البيئي الناجم عن هذه الكوارث!
وفي مناطق أخرى سوف يتعمق الجفاف، كما حدث عند جفاف بحيرة تشاد وتعاظم المجاعات في إفريقيا وآسيا وغيرها، كما ينجم عن ذلك التغير المناخي وتغير منسوب المياه ونوعيتها هجرات في الثروة الحيوانية والسمكية في مناطق كثيرة.
لقد شرعنا نشاهد التحولات المذهلة في المناخ واشتداد الأعاصير، وذوبان الثلوج على نحو غير مسبوق، الأمر الذي سوف يؤدي إلى استفحال ظاهرة "الانحباس الحراري" نتيجة فقدان الغطاء الأبيض الذي كان يساهم في انعكاس أشعة الشمس وتبريد كوكبنا(16).

Post a Comment

Previous Post Next Post