مراتب الهدى :
الكلام في الهداية والإضلال - من أهم المسائل التي يجب أن يعتني بها العبد المؤمن؛ لأن أفضل ما يقدم الله لعبده وأجل ما يقسمه له هو الهدى، وأعظم ما يبتليه به ويقدره عليه هو الضلال، وكل نعمة دون نعمة الهدى، وكل مصيبة دون مصيبة الضلال.

أما مراتب الهدى؛ فهي أربع مراتب:
إحداها: الهدى العام، وهو هداية الله -عز وجل- كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها، وهذا أعم مراتبه؛ لأن هذه المرتبة تشمل كلَّ مخلوق، فقد هدى الله -عز وجل- ما خلقه من كائنات إلى ما تقوم به حياتها، وما يتمكن به من الحصول على معاشه.

المرتبة الثانية: فهي بمعنى الهدى والدلالة والتعليم، والدعوة إلى مصالح العبد في ميعاده، وهذا خاص بالمكلفين الذين بُيِّن لهم الحق، ونزلت عليهم الكتب، وأرسلت لهم الرسل.

المرتبة الثالثة: فهي الهداية المستلزمة للاهتداء، وهذه هي هداية التوفيق والمشيئة، أعني: مشيئة الله بعبده الهداية، وخلق دواعي الهدى، وإرادة الهدى له، وما إلى ذلك.

المرتبة الرابعة: فهي هداية المؤمنين إلى الجنة والكافرين إلى النار.

ب/ تفصيل القول في مرتبتي الهداية والإرشاد والبيان، وهداية التوفيق والإلهام:
هاتان المرتبتان هما صلب الحديث في هذه المسألة، فمرتبة الهداية والإرشاد والبيان للمكلفين، هذه مرتبة لا تستلزم حصول التوفيق واتباع الحق وإن كانت شرطًا فيها أو جزءَ سبب، وذلك لا يستلزم حصول المشروط المسبب، بل قد يتخلف عنه المقتضي؛ إما لعدم كمال السبب أو لوجود مانع، وهذا واضح من بعثة الأنبياء والمرسلين، وإنزال الكتب من عند الله رب العالمين.

ولذلك قال الحق -تبارك وتعالى- في بيان هذا النوع من الهداية: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} (فصلت: 17) وقال -جل ذكره-: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُون} (التوبة: 115) فهداهم هدى البيان والدلالة، فلم يهتدوا، فأضلهم؛ عقوبةً لهم على ترك الاهتداء أولًا بعد أن عرفوا الهدى فأعرضوا عنه، فأعماهم عنه بعد أن أراهموه.

وهذه الهداية -أعني: هداية الإرشاد والبيان للمكلفين والدلالة إلى طريق الحق والصواب- هي التي أثبتها الله لرسوله -صلى الله عليه وسلم- فقال: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم} (الشورى: 52) ونَفَى عنه تلك الهداية الموجبة -أعني: هداية التوفيق والإلهام- وذلك كما جاء في قوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت} (القصص: 56).

Post a Comment

أحدث أقدم