منهج السلف في الإيمان بالقدر :
أ/ بيان اعتمادهم على الكتاب والسنة دون العقل والقياس:
فأهل السنة والجماعة اعتمدوا في هذا الباب على الكتاب والسنة لا غير، وقد ذكر ابن حجر -رحمه الله تعالى- عن أبي المظفر السمعاني -رحمه الله- أنه قال: "سبيل المعرفة في هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس والعقل، فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة، ولم يبلغ شفاء العين، ولا ما يطمئن به القلب؛ لأن القدر سر من أسرار الله تعالى اختص العليم الخبير به، وضرب دونه الأستار، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم، لِمَا علمه من الحكمة، فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب". اهـ ، كما قال تعالى: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون} (الأنبياء: 23) فمن سأل: لِمَ فعل؟ فقد رد حكم الكتاب.

ب/ قواعد هامة عند أهل السنة والجماعة في مسألة القدر:
القاعدة الأولى: وجوب الإيمان بالقدر.

القاعدة الثانية: الاعتماد في معرفة القدر وحدوده، وأبعاده على الكتاب والسنة وترك الاعتماد في ذلك على نظر العقول ومحض القياس.

القاعدة الثالثة: ترك التعمق في البحث في القدر: لأن بعض جوانبه لا يمكن للعقل الإنساني مهما كان نبوغه أن يستوعبها، وبعضها الآخر لا يستوعبها إلا بصعوبة كبيرة.

ففي (سنن الترمذي) بإسناد حسن عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: ((خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمر وجهه -صلى الله عليه وسلم- حتى كأنما فُقئ في وجنتيه الرمان، فقال: أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك مَن كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمتم عليكم ألا تنازعوا فيه)) . وهذا منهج سليم واضح يقرره أهل السنة والجماعة في كل مسائل الاعتقاد.

ج/ بيان مدى إدراك العقل للعلل والأوامر والأفعال:
وقد ذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف إلى أن لأوامر الله مخلوقاته عللًا وحكمًا، فإنه لا يأمر إلا لحكمة، ولا يخلق إلا لحكمة، وبعض هذه الحكم تعود إلى العباد وبعضها يعود إلى الله تعالى، والعقول البشرية تستطيع أن تدرك شيئًا من هذه الحكم. كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت: 53)

والحكم الحاصلة من الشرائع ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن يكون الفعل مشتملًا على مصلحة ومفسدة ولو لم يرد الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم يشتمل على فساد العالم.

النوع الثاني: أن الله -عز وجل- إذا أمر بشيء صار حسنًا وإذا نهى عن شيء صار قبيحًا، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع.

الثالث: أن يأمر الشارع بشيء امتحانًا واختبارًا، كما أمر الله إبراهيم -عليه السلام- بأن يذبح ولده إسماعيل؛ فالشارع ليس له قصد في ذبح الابن ولكنه ابتلاء واختبارٌ.

Post a Comment

أحدث أقدم