حال الناس تجاه القوانين الوضعية مبني على هذا التقسيم
:
فكل من علم حكم الله تعالى، وأن القوانين مناقضة له، وجوز الحكم بها وترك حكم
الله تعالى، أو فضلها على الإسلام، أو قال عن حكم إسلامي قطعي لا اجتهادي، عالما بذلك
غير متأول إنه لا يصلح لنا، فقد خرج عن الإسلام وانخلع منه، لأن العلماء أجمعوا على
أن من كذب بآية من القرآن فقد كذب به كله. ومن أنكر معلوما من الدين بالضرورة فقد كفر.
قال تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾،
والدين في لغة العرب هو: المنهاج والقانون. قال تعالى: ﴿ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك﴾.
لكن إذا نظرنا لحال عوام المسلمين اليوم في كثير من البلاد الإسلامية؛ نجد أنهم
يغلب عليهم الجهل بالدين وأحكامه، لقلة العلماء الربانيين، والتضييق عليهم، ثم لتقصير
غالبهم عن القيام بواجباتهم الشرعية، مع قوة أهل الباطل وتحكمهم في مقاليد الأمور،
وسيطرتهم على الصحافة والإعلام.
وإذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، يعذر عوام أهل زمانه في أمور كثيرة
فيها خروج عن الدين، وعذرهم عنده: غياب من يبين لهم الآثار النبوية ودروسها في غالب
بلاد المسلمين. إذا كان يقول هذا في القرن الثامن وفيه من أيمة العلم أمثاله وأمثال
الذهبي والمزي وابن القيم وابن كثير والسبكي وغيرهم من أيمة الدين؛ فماذا نقول نحن
في القرن الخامس عشر زمن دروس العلم وغياب العلماء وأفول نجمهم؟!.
هذا وعامة الناس يتحاكمون للمحاكم وهم لا يخطر على بالهم أنهم يخالفون شرع الله
تعالى، فكثير منهم لا يعرفون أن لله حكما في البيوع والمعاملات، بل كثير من المتدينين
يتاجرون ولم يقرأوا رسالة في أحكام المعاملات ولا رفعوا بها رأسا، فكيف بالعامة والدهماء؟!.
وإذا علم العامي أن لله حكما في مسألة فإنه يتحاكم للقانون اضطرارا لأخذ حقه،
لأنه لا يجد بابا لأخذ حقه إلا المحكمة التي تحكم بغير الإسلام. فهو بذلك مضطر. كما
أن قصده هو أخذ حقه الذي أعطاه له الشرع و دفع الصائل عليه الظالم له بما تيسر له.
فمن زعم أن التحاكم للمحاكم القانونية الوضعية كفر مطلقا دون نظر لهذه الأعذار؛
فهو جاهل لا يدري ما يخرج من رأسه.
بل إن المسلم يجوز له التحاكم لهذه المحاكم إذا لم يجد بابا لأخذ حقه غير ذلك.
لكن يجب ألا يرضى إلا بما يوافق شرع الله تعالى، وإذا حكمت له المحكمة بشيء يخالف ذلك
فلا يجوز له القبول به، ولا أخذ شيء فوق حقه.
نعم؛ لو أن إنسانا تورع عن التحاكم لهذه المحاكم ورضى بضياع حقوقه، واستعان
بالله تعالى؛ فهذا يؤجر على ذلك، لكنه لا يجوز له أن يلزم الناس باختياره. فإن الناس
يضنون بأموالهم وأمتعتهم، ولا تسمح نفوسهم بتركها تضيع وهم ينظرون. ولذا جاز في دين
الله دفع العدو الصائل بما يندفع به كيفما كان ولو بقتله.
فكذلك يجوز استرداد الحقوق عن طريق المحاكم وردع الجناة والمجرمين، فإن ذلك
أهون الشرين. وقاعدة الشرع أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وأن الفقه مبني على
معرفة أدنى الشرين وأعلى المصلحتين.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية النجاشي ملك الحبشة رحمه الله تعالى، وقال إنه
لم يكن يطبق الشريعة الإسلامية، لكنه كان ينصر المسلمين ويؤوبهم، ولم يكن بمقدوره فعل
أكثر من ذلك، فإنه لو أقام دين الله كله لقام عليه الأحباش وخلعوه، وضاعت مصلحة بقائه
ونصرته للإسلام في بلاده وتقليل الشر.
وقد قام عليه بعض الحبشة فعلا كما ثبت في قصة الصحابة الذين هاجروا للحبشة،
فأرسلوا الزبير بن العوام رضي الله عنه لينظر لهم حال المعركة، فلما بشرهم بانتصار
النجاشي على عدوه فرحوا بذلك فرحا عظيما.
و هاك نص كلام ابن تيمية بحروفه في (19/217):
«... و كذلك النجاشي
هو و إن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام، بل إنما دخل معه نفر
منهم، و لهذا لما مات لم يكن هناك أحد يصلي عليه فصلى عليه النبي
e بالمدينة، خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفًا و صلى عليه و أخبرهم بموته
يوم مات و قال: « إن أخاكم صالحًا من أهل الحبشة مات»، و كثير من شرائع الإسلام أو
أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر و لم يجاهد و لا حج البيت، بل قد روى
أنه لم يصل الصلوات الخمس و لا يصوم شهر رمضان و لا يؤدي الزكاة الشرعية لأن ذلك كان
يظهر عند قومه فينكرونه عليه، و هو لا يمكنه مخالفتهم. و نحن نعلم قطعًا أنه لم يمكنه
أن يحكم بينهم بحكم القرآن... ».
ثم قال: « و النجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن، فإن قومه لا يقرونه
على ذلك»، ثم بين عين ما نحن فيه، بل أبعد مما ذكرناه بقوله: «و كثيرًا ما يتولى الرجل
بين المسلمين و التتار قاضيًا بل و إمامًا و في نفسه أمورًا من العدل يريد أن يعمل
بها، فلا يمكنه ذلك، و لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها» اﻫ.
وبهذا يتبين أن من تحاكم للقانون الوضعي مضطرا لعدم وجود محاكم شرعية، أو علماء
يمكن أن يفصلوا النزاع بين المسلمين ويقبل حكمهم، فهذا لا يكفر، لأنه معذور بالضرورة.
كما أن العامي الجاهل لو تحاكم باختياره دون اضطرار فهو معذور بجهله. وبالله التوفيق
والسداد.
Post a Comment