إمام الدعوة النجدية
هو أبو عبد الله محمد بن عبد الوهاب
بن سليمان التميمي النجدي الحنبلي، رحمه الله تعالى، وأنه بدأ دعوته سلميا أول الأمر
بعد أن تأثر بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية رحمهما الله تعالى،
ورأى ما عليه أهل زمانه من انحراف كبير عن الدين وغلو في البدع وانحراف شديد عن التوحيد
بغلوهم في قبور الصالحين ودعائهم والاستغاثة بهم في الشدائد والكربات، هذا مع ما هم
منهمكون فيه من أنواع الفجور من زنا ولواط وقتل للناس بغير حق، ورجوع للجاهلية الأولى
في السلب والنهب، وإغارة القبائل على بعضها، وترك للصلاة والزكاة وشعائر الدين.
فعندئذ عقد عهدا مع الأمير محمد بن سعود، أمير الدرعية، لنصرة
الدين والقيام به، فجرد الأمير المذكور سيفه وجعل الشيخ إمامه بعد أن كان ضيفه، فحاربوا
القبيلة للدخول في الدين، ونصرة شريعة سيد المرسلين، صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد ذكر الشيخ، كما في «الدرر السنية» وغيرها من رسائله،
أنه لا يقاتل الناس إلا على ما أجمع عليه العلماء، ولا يلزم أحدا بأمر خلافي، وقال:
إن حالهم مع القبائل على أصناف:
- فمنها قبائل عادت إلى الجاهلية
الأولى فأنكرت البعث والنشور، وارتدت عن الدين.
- وأخرى تؤمن بالإسلام ولا
تلتزم شرائعه من صلاة وصيام وزكاة، وغير ذلك من أحكام
.
- وأخرى تقيم الشرائع، لكنها
تقدس قبور الصالحين، وتفعل عندها ما كانت العرب تفعله عند أصنامها من دعائها والنذر
لها، والطواف حولها، والاستغاثة بها عند الشدائد والملمات.
فما مضى زمن يسير حتى دخلت جميع البلاد النجدية في حكم ابن
سعود الذي تصاهر مع الشيخ، فتزوج ابنته التي ولدت له بعد ذلك الأمير عبد العزيز بن
محمد بن سعود.
وقد توفي الشيخ سنة 1206هـ، فخلفه في الدعوة ابنه عبد الله،
وكان عالما جليلا، له مصنفات تدل على فضله وعلمه وحكمته، وتولى إمارة آل سعود عبد العزيز
الذي كان سبط الشيخ كما ذكرت لك. وفي عهده دخلت جل الجزيرة العربية في حكمه، بما في
ذلك الحرمان وساحل الخليج العربي، فجن جنون الدولة العثمانية التي كان سلاطينها يلقبون
بخدام الحرمين الشريفين.
وقد كانت بلاد نجد أيضا تابعة من الناحية الاسمية للعثمانيين،
لكنهم كانوا مهملين لها، لكونها كانت بادية بعيدة، فكانت تعيش حالة من التسيب والفوضى
بسبب ذلك.
وقد كان عهد الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود من أزهى عهود
الدولة السعودية، وكانت الأرزاق دارة، والبلاد واسعة، تشمل بادية العراق والشام، مع
سائر الجزيرة العربية إلا اليمن. لكن العلماء أنكروا عليه وعلى جنوده التجاري في سفك
الدماء، والتسرع في التكفير، كما سنوضح ذلك بحول الله تعالى في نقدنا للحركة النجدية.
ثم قُتل الأمير، قتله شيعي عراقي انتقاما من تدمير النجديين
لضريح الإمام الحسين بن علي عليهما السلام في كربلاء.
فتولى بعده الأمير سعود، وفي عهده كان السلطان العثماني هو
محمود خان، فأمر نائبه في مصر محمد علي باشا بغزو الجزيرة العربية والقضاء على الحركة
النجدية، واسترداد الحرمين الشريفين. فأرسل محمد علي باشا ابنه إبراهيم باشا فأغرى
القبائل بالأموال مع الحرب الشديدة، فتساقطت معاقل النجديين الواحدة تلو الأخرى، حتى
دخلوا عاصمتهم الدرعية سنة 1233هـ، فدمروها عن بكرة أبيها، وأعدموا الشيخ سليمان بن
عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب صاحب كتاب «تيسير العزيز الحميد»، وكان له من العمر
33 سنة، رحمه الله تعالى. وقبل إعدامه أمروا القيان بالغناء نكاية له. ثم أسروا الأمير
عبد الله بن سعود الذي خلف والده في الإمارة، وأهل بيته، وآل الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
رحم الله الجميع. فأرسلوهم لمصر، وأرسل الأمير لعاصمة الدولة العثمانية (استامبول)
حيث طيف به في شوارعها ثم أعدم. رحمه الله تعالى.
وقد استفاد كبار النجديين من إقامتهم في مصر، فإنهم لم يسجنوا،
بل فرض عليهم البقاء هناك، فدرسوا في الأزهر، واختلطوا بكبار علماء ذلك العصر، ومن
أهم من استفاد من المقام في مصر: الإمام عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب،
وابنه الإمام عبد اللطيف رحمهما الله تعالى.
ثم استطاع بعض أمراء آل سعود الإفلات من الإقامة في مصر،
والرجوع لنجد، فحاولوا إرجاع ملكهم، لكن لم يتيسر ذلك إلا للأمير تركي بن سعود الذي
اصطحب معه الإمام عبد الرحمن بن حسن، الملقب عند النجديين بالمجدد الثاني، وهو صاحب
«فتح المجيد» وغيره من الكتب المفيدة، فالتفت القبائل حول تركي الذي أيده الإمام عبد
الرحمن بالفتاوى والرسائل للقبائل.
ثم خلف تركيا ابنه فيصل، فلما مات انقسم أبناؤه وتنازعوا
على الملك، وحارب بعضهم بعضا، وعبثا حاول الإمام عبد اللطيف المصالحة بينهم.
وبكل حال؛ فقد كانت الإمارة السعودية الثانية ضعيفة، وكان
ولاؤها في الجملة للدولة العثمانية، فإن الأمير عبد الله بن فيصل كان مبايعا للسلطان
العثماني، كما أن مساحة الإمارة لم تخرج عن نجد، وهي نفسها نازعهم في إمارتها آل رشيد
من قبيلة شمّر في حائل والقصيم، وكانوا تابعين للعثمانيين، ولم يكونوا ضد الدعوة السلفية،
بل كان قضاتهم وعلماؤهم منها.
وانتهت هذه الإمارة بانهزام الأمير عبد الرحمن بن فيصل بن
تركي أمام محمد بن رشيد والعثمانيين، وطلبه اللجوء السياسي عند آل صباح في الكويت،
إلى أن قام ابنه عبد العزيز سنة 1319هـ، واستطاع السيطرة على الرياض، ثم التف حوله
جيش "إخوان من أطاع الله"، الذين كانوا شديدي التحمس للدعوة النجدية بغلو
وتنطع، وكان على زعامتهم ثلاثة أمراء كبار، هم: فيصل الدويش، أمير بني مطير, وسلطان
بن بجاد. أمير الغطغط. وضيطان بن حثلين، أمير العجمان. فبهؤلاء بنى الدولة السعودية
وضم إلى نجد الحجاز وعسير والأحساء، مع تعاون عبد العزيز مع الإنجليز ودعمهم له.
فلما اكتشف أولئك الأمراء علاقته بالإنجليز كفروه، وثاروا
عليه سنة 1349هـ، فاستعان عليهم بالعلماء الذين عدوهم بغاة وأمروا بقتالهم، واستعان
عليهم بطائرات الإنجليز التي قصفتهم حتى أسروا وماتوا في السجن.
فهذا باختصار شديد تاريخ الحركة والدعوة النجدية إلى تأسيس
المملكة العربية السعودية سنة 1350هـ، ومعرفة ذلك يساعد على فهم كتابات النجديين وظروفها،
وفكرهم وموقف الآخرين منهم.
Post a Comment