نقد الحركة و الدعوة النجدية
الدعوة النجدية مثلها
مثل غيرها من الحركات الإصلاحية عبر التاريخ. و قد كتب كثير من الناس في نقد هذه
الحركة و تلك و نقد فكرها و تقييم تاريخها حتى يستفيد الناس من ذلك و يأخذوا
العبرة و لا يقعوا في نفس الأخطاء التي وقع السابقون فيها فقد قال تعالى عن الرسل
عليهم السلام: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾ أي أن المرء يتعظ بها و يهتدي بهدي أصحابها، و لا يقع في خطأ من خالف الرسل
أو عصاهم. و كذلك العلماء، فإنهم ورثة الأنبياء إلا أنهم غير معصومين و مؤيدين
بالوحي، و العاقل من اتعظ بغيره و قد قال رسول الله e: «لا
يلدغ المؤمن من جحر مرتين»، و قد حذَّر ابن مسعود
t من زلة العالم و خطأ الحكيم، و قديمًا قيل زلة
العالِم زلة العالَم، و قيل: زلة العالِم مضروب عليها بالطبل.
و إذا كان
الأمر كذلك، فإني إلى ساعتي هذه لم أر أحدًا كتب في تقييم الحركة النجدية أو نقدها
على ضوء منهج أهل السنة و الجماعة
«ميزان الاعتدال في نقد الرجال».
إنما الناس فيها بين
رجلين؛ محبٍّ مطرٍ لها يدافع عنها جهده، كما هو حال جميع السلفيين المعاصرين بجميع
أشكالهم و مذاهبهم، و مبغضٍ قائلٍ لا يذكر إلا المساوئ و العيوب و لا يرى لها
فضلاً.
نعم كتب بعض المنصفين
كتابات في نقدها مثلما فعل محمد أبو زهرة في كتابه «تاريخ المذاهب الإسلامية»
و الشريف محمد الزمزمي بن الصديق في بعض مصنفاته، لكن هذين الفاضلين قد يجعلان
الصواب خطأ فإنهما أشعريان يريان إثبات الصفات لله تعالى
تجسيمًا و تشبيهًا، و كلام الزمزمي فيه شطط فإنه أدخل «الوهابين و
السلفيين» ضمن الطوائف الضالة في هذا العصر!!
أما أبو زهرة فكتاباته
معتدلة في ذلك، و فيها إنصاف لكنه لم يفصل بل أجمل كلامه و اختصر.
لكن المعنى بالأمر الآن
هم دعاة السنة و منهاج السَّلف، فإني لم أر أحدًا منهم انتقد الدعوة النجدية أو
درسها دراسة تقييم و تقويم، و أكثر من ذلك أن كثيرًا منهم لا يعرفها و لا يعرف
تاريخها و لا رجالها و كتاباتها، اللهم إلا أن عالمًا في نجد يسمى محمد بن عبد
الوهاب دعا الناس للتوحيد و السنة، و لا يكادون يعرفون من كتبه إلا «التوحيد»
و «الأصول الثلاثة».
و نتيجة لهذا فإن
كثيرًا من الشباب أخذوا كتابات النجديين و كأنها من المُسَلَّمَات، و المعاصرون من أهل الجزيرة العربية و مصر و غيرها الذين لا
يوافقون على أخطاء النجديين يتأولون كلامهم بما يوافق الصواب، و آخرون
يوافقون النجديين و يرفضون تأويل كلامهم الصريح و هم بذلك يحيون أخطاءهم. و سنبين
ذلك بحول الله تعالى، فإن هذا الموضوع من المواضيع التي طال اهتمامي بها منذ زمان
طويل.
نعم انتقد النجديين
بكلام مقتضب إمام أهل الحديث في عصرنا أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني، رحمه الله، في بعض مجالسه الخاصة
المسجلة على الأشرطة، و قال إنه لا يوافقهم على تضييق
العذر بالجهل و توسيع تكفير الناس. و الألباني و أصحابه معروفون بتوسيع العذر بالجهل و التأويل، بل أكثر من ذلك لا يدخلون العمل
في مسمى الإيمان، بل يجعلونه شرط كمال في الإيمان، و هذا معروف مشهور
صنفت فيه مصنفات كثيرة و ردود بين الناس، لا حاجة لنا في ذكرها هنا.
و انتقاد الألباني لابن
عبد الوهاب و أصحابه كان بسبب تمسكهم بمذهبهم الحنبلي، حتى إنه ليتهمهم بالتعصب
للمذهب، و قد أشار لذلك تلميذه محمد عيد العباسي في «بدعة التعصب المذهبي»
و أنكر عليهم قولتهم الشهيرة في نجد: «من حفظ «الزاد» حكم بين
العباد» أي من حفظ متن «زاد المستقنع في اختصار المقنع» لشرف الدين
موسى الحجاوي، رحمه الله تعالى، أمكنه أن يفتي و يقضي بين الناس.
و كذلك انتقد بعض النجديين في إنكارهم العذر بالجهل في أصول
التوحيد أبو قتادة عمر بن محمود ابن عثمان، فرج الله عنا و عنه، في «الدورة
الإيمانية» و عد كلامهم من كلام الخوارج لا من كلام أهل السنة. و قرأت أن له
كتابًا في الموضوع، لكني لم أقف عليه.
و بما أن هذا الفصل هو
لب القضية المسؤول عنها فسنفصل فيه شيئًا ما، فإن كل ما ذكرته آنفًا ما هو إلا
تمهيد لهذا الفصل. و أنا أعلم أن العديد من الناس قد يغضبون من كلامي، و قد لا
يعجبهم بحثي. لكني بحمد الله تعلمت من آبائي التجرد للحق و اتباع الدليل، لا
التعصب للرجال و الأسماء.
روى الحافظ أبو بكر
الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» و عنه الحافظ أبو بكر بن نقطة في «التقييد»:
أخبرني الأزهري، قال: أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن: قال: حدثنا أحمد بن مروان
المالكي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي،
قال: فجعل أبي يقول: فلان ضعيف، فلان ثقة. فقال أبو تراب: يا شيخ! لا تغتب
العلماء. فالتفت إليه فقال له: ويحك! هذا نصيحة، ليس هذا غيبة. قلت: و نحن أيضًا
نقول: ﴿إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت و ما توفيقي إلا بالله﴾، و قد قال الحبيب
المصطفى e: «الدين
النصيحة» قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: «لله و رسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم».
Post a Comment