أخطاء النجديين

1.   تضييقهم للعذر بالجهل أو نفيهم له:
النجديين كانوا من أشد الناس تمسكًا بالعقيدة السلفية الأثرية، و معرفة بها و اهتمامًا بمصنفات أبي العباس بن تيمية و تلميذه أبي عبد الله بن قيم الجوزية، و أنهم كانوا في سائر أبوابها على الاستقامة بل هم الذين أحيوها بعدما كادت تغيب من الأرض.
و في مسائل الأسماء و الأحكام ما كانوا يكفرون إلا بما أجمع علماء الإسلام المتقدمون على أنه كفر، و هم يصرحون بهذا في كتبهم و يتبرؤون من مذهب الخوارج الذين يكفرون بمطلق المعاصي أو الكبائر.
غير أن النجديين ضيقوا العذر بالجهل، و نفاه كثير منهم في مسائل أصل التوحيد فغلوا في ذلك كثيرًا كما سنبين في النقاط التالية بحول الله تعالى.
و هم بذلك مخالفون لما عليه كبار أئمة الإسلام و السنة و التوحيد، و خاصة ابن تيمية و الذهبي و من تبعهما.
و أيضًا ابن حجر العسقلاني و ابن الوزير اليماني، و عامة المجددين المتأخرين كالشوكاني و أصحاب الدهلوي بالهند و الآلوسي و القاسمي و غيرهم. رحم الله الجميع.
و عند النجدين كلام كثير في التفريق بين بلوغ الحجة و فهمها، فعندهم مجرد بلوغ الحجة كافية لإقامتها على الواقع في الكفر، بل منهم من يعد مجرد بلوغ آيات القرآن كافية في ذلك.
و هم يقيمون عامة المسلمين الجهال أو علماءهم المتأولين من الأشاعرة و المتصوفين فضلاً عن غيرهم، مقام العرب الذين بعث فيهم رسول الله e، فإن النبي صلوات ربي و سلامه عليه يقول: «و الله لا يسمع بي أحد من هذه الأمَّة يهودي و لا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا كبَّه الله في النار».
و عندهم أيضًا أن كل من بلغته دعوتهم ثم أعرض عنها أو لم يدخل فيها و لا حاربها، أو خالفها لأنه لم يقتنع بها فهو كافر مرتد حلال الدم والمال و العرض.
و لم ينظروا إلى عموم الجهل و إلى قاعدة (ما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين) أي أن من ثبت إسلامه فلا يزول إلا بحجة قاطعة و يظهر منه رد صريح لكلام الله تعالى و جحد لدينه كما قال تعالى عن المشركين: ﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك و لكن الظالمين بآيات الله يجحدون.
و المشركون و غيرهم من سائر طوائف الكفر إنما قامت عليهم الحجة برسول الله e و من قبله من الأنبياء لأنهم كانوا مؤيدين بالمعجزات و البراهين القاطعة، كما قال النبي e: «ما من نبي إلا قد أوتي ما على مثله آمن الناس، و لقد كان ما أوتيته وحيًا يتلى». و ليس كذلك حال مسلم متلبس بأمور شركية قد شاب عليها الصغير و هرم عليها الكبير، و جماهير علماء القرون المتأخرة لا يشددون فيها، ثم يأتي عالم أو طالب علم فينصح الناس فينكرون عليه إما لأنه لم يحسن أسلوب النصح أو لم يحسن في توضيح حجته، أو لأن مقابله له حجج و شبه لم تحل، أو يقلد عالمًا كبيرًا على خطئه، أو عنده غباء و بلادة لم يفهم معها الحجة.
فكيف يقال مع هذا إن مجرد قراءة القرآن كافية في إقامة الحجة؟!! هذا ما قاله أحد من قبل، فإنه لا يوجد أحد من المسلمين ينكر القرآن، إنما الشأن في فهم حجته و دلالته على المطلوب.
و أما الذين ينكرون العذر بالجهل في أصل الدين فهؤلاء قد خالفوا منهاج أهل السنة و الجماعة، فإن أول من قسم الدين إلى أصول و فروع هم المعتزلة ثم تابعهم المتكلمون الأشاعرة و غيرهم.
أما أهل السنة فقد نصوا على أن كل من أخطأ عن اجتهاد مع بذل وسعه في معرفة الحق، أو قلد إمامًا لكونه ليس من أهل الاجتهاد، فهو معذور، و قد نقل ذلك الحافظ أبو محمد ابن حزم الأندلسي في «الفصل في الملل و النحل» عن جماعة من السلف صحابة و تابعين و أئمة، و كذلك قرر ذلك أبو العباس بن تيمية في جملة من كتبه و أبدى في ذلك و أعاد. و سأنقل عنه ما تحت يدي من نصوص بحول الله حتى أوضح مخالفته لمنهج النجديين الذين يزعمون إتباعه، و كذلك لمنهج الغلاة المعاصرين الذين ينتحلون طريقته و هم أبعد الناس عنها.
و قد ثبت في «صحيح مسلم» و غيره أن رجلا كان مسرفًا على نفسه، فلما حضرته الوفاة أمر أولاده أن يحرقوه و يذروه في الرياح، و قال لهم: و الله لو قدر الله علي ليعذبني. فأمر الله سبحانه بجمع ذرات الرجل، ثم أحياه، فقال له: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: الخوف منك يا رب. فغفر الله له و أدخله الجنة.
فهذا رجل شك في قدرة الله على إحيائه بعد موته، بل إنه ظن أنه لن يبعث بعد الموت و سيفر من الله تعالى، و مع هذا غفر الله له و أدخله الجنة.
و قد قال ابن تيمية إن هذا الحديث من أرجى الأحاديث لأهل الأعذار، و هو واضح في العذر بالجهل في أصل الدين و في أصل التوحيد، و من تأوله بخلاف ظاهره فقد أخطأ كما بين ذلك ابن تيمية و غيره من أهل العلم.
و ثبت في السنن أن النبيe قال: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صلاة و لا صيام، حتى يبقى الشيخ الكبير و المرأة العجوز، يقولون: أدركنا آباءنا يقولون لا إله إلا الله فنحن نقولها. و ثبت أنها تنفعهم يومًا من دهرهم». و الحديث صححه جماعة من أهل العلم، و من ضعفه بأبي معاوية الضرير فلم يصب.
فأين هذا من كلام ابن عبد الوهاب في جملة من كتبه من أن من نطق بكلمة التوحيد و هو لا يفهم معناها فهو كافر؟! و قد ذكر ذلك في «نواقض الإسلام العشرة».
و الحق أن كلام ابن عبد الوهاب نفسه في العذر بالجهل مضطرب فتارة تجده يصرح بإنكار العذر بالجهل كما في مواضع من مسائله على كتاب «التوحيد»، و تارة له كلام صريح بإعذار من يعكف على قبة الشيخ عبد القادر الجيلاني، رحمه الله تعالى، و غيره من الأضرحة لعدم وجود من يعلمهم.
لكن له كلام صريح في تكفير من يسميه (جاهل التوحيد)، و له رسالة في ذلك سماها «مفيد المستفيد في حكم جاهل التوحيد».
و تلاميذه من بعده انقسموا في هذه المسألة على مذاهب يجمعها عند الجميع تضييق العذر بالجهل و التأويل حتى من علماء كبار مثل عبد الرحمن بن حسن و ابنه عبد اللطيف اللذين درسا في الأزهر و أخذا على كبار علماء الوقت و أسندا الحديث، و عليهما مدار أسانيد أهل نجد، و عن طريقهما تتصل بأسانيد أهل مصر و الشام. أقول هذا لجلالتهما في قلبي و احترامي لهما، رحمهما الله تعالى.
و أشد النجديين اعتدالا في هذا الأمر عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله جميعًا.

Post a Comment

Previous Post Next Post