أنصار الحركة النجدية
جماهير علماء نجد كانوا من أشد أنصار الحركة النجدية، و قد تخرج على يد الإمام محمد بن عبد الوهاب عدد كبير من العلماء و صنفوا التصانيف الكثيرة في بيان فكرتهم و الرد على المخالفين، جمعها العلامة عبد الرحمن بن القاسم العاصمي المتوفى سنة 1392 ﻫ، رحمه الله، في «الدرر السنية في الفتاوى النجدية» و هو كتاب كبير حافل يقع في 16 مجلدًا.
و من أشهر أولئك العلماء، أئمة الدعوة النجدية أبناء و أحفاد محمد بن عبد الوهاب مثل ابنه عبد الله و ابنه سليمان الشهيد، و عبد الرحمن بن حسن و ابنه عبد اللطيف ثم حفيده محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف، مفتي الدولة السعودية و شيخ مشايخها. رحمهم الله جميعًا.
و من كبار تلاميذ الشيخ و تلاميذ تلاميذه حمد بن ناصر بن معمر و عبد الله أبا بطين و حمد بن عتيق و سليمان بن سحمان و غيرهم كثير. و قد ترجم لهم ابن قاسم العاصمي في المجلد الأخير من «الدرر السنية».
أمَّا من غير أهل نجد فقد تحمس أهل عسير و بلاد تهامة للدعوة النجدية و قاموا معها خير قيام، مثل أحمد بن محمد الحفظي، آنف الذكر، و إن كان انتقد المقاتلين النجديين نصيحة للحركة، و محمد بن حسين النعيمي صاحب «معارج الألباب» و الشريف محمد بن ناصر الحازمي، من أصحاب القاضي الشوكاني الكبار من أهل الحديث و الأثر، بل جل أسانيد أهل القرن الثالث عشر و الرابع لأهل اليمن و الحجاز و الهند تمر عن طريقه رحمه الله تعالى.
من كبار أنصار الحركة أبو بكر حسين بن غنَّام الإحسائي المالكي، مؤلف كتاب «روضة الأفكار و الأفهام في تاريخ الشيخ الإمام و غزوات ذوي الإسلام» المطبوع باسم «تاريخ نجد» في مجلد كبير، و هو من أوسع الكتب في ترجمة الإمام ابن عبد الوهاب و ذكر وقائع حركته و من بعده من الأمراء.
و ابن غنَّام مالكي المذهب، مثل كثير من أهل شرق الجزيرة العربية، ساحل الخليج العربي، و له منظومة نظم فيها عقيدة الإمام ابن أبي زيد القيرواني، رحمه الله تعالى، التي كتبها أول «الرسالة» الفقهية، و هي عقيدة سلفية مباركة.
و كتابه هذا «روضة الأفكار» كتبه بنفَس النجديين و مصطلحاتهم المعهودة في كتاباتهم مثل تسمية أمراء آل سعود بأمراء المسلمين، و ذكر معاركهم بأنها غزوات أهل الإسلام ضد المشركين، و ما أخذوه من الأموال غنائم شرعية. إلى غير ذلك مما أنكره الآلوسي في «تاريخ نجد». و سنبين شيئًا من هذا، بحول الله تعالى،في نقدنا للحركة النجدية.
و من أنصار النجديين كثير من أهل الحديث بالهند، ومنهم محمد بشير السهسواني مؤلف كتاب «صيانة الإنسان عن وسوسة أحمد زيني دحلان» في مجلد، يرد فيه على إمام الشافعية بالحرم المكي أحمد دحلان، آنف الذكر، المتوفى سنة 1303 ﻫ.
و من شدة السهسواني في مذهبه و غلوه فيه، أنه حج مرة و تعمد ترك زيارة المدينة المنورة، صلى الله على صاحبها و سلم، ليقرر مذهبه في تحريم شد الرحال لزيارة القبر الشريف، فدا ساكنه النفوس. غفر الله للسهسواني بقصده الحسن في تجريد التوحيد
و قد ذكرت أنه كان بين أهل الحديث بالهند و بين النجديين علاقة وثيقة، و كان كثير من النجديين يرحلون للديار الهندية ليدرسوا العلم على أهلها مثلما فعل إسحق بن عبد الرحمن بن حسن، و سعد بن حمد بن عتيق، و غيرهما كثير. و قد كان أهل الهند أمكن من النجديين في معرفة الحديث و رجاله و فقهه، و كان النجديون أمكن منهم في معرفة عقيدة السَّلف و فهمها، مع تمكنهم في الفقه الحنبلي، أما أهل الهند فكانوا أثريين غير منتسبين لأي مذهب. و كان النجديون يستنسخون منهم كتب ابن تيمية، و غيرها من كتب السنة، و يطبعون كتبهم هناك.
و من أنصار النجديين أمراء آل ثاني في قطر، و كان لهم اهتمام بطبع كتب القوم و نشرها و من علمائهم محمد بن عبد العزيز بن مانع رحمه الله تعالى.
و منهم خاتمة حنابلة بلاد الشام عبد القادر بن بدران الدومي، رحمه الله تعالى، و لهم صنف حاشيته على «روضة الناظر» للموفق ابن قدامة المقدسي، رحمه الله، محرر المذهب الحنبلي و إمامه في زمانه، المتوفى سنة 620 ﻫ. و صنف «المدخل لمذهب الإمام أحمد بن حنبل» و أشاد فيه بالشيخ ابن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى.
و قد كان لمحمد رشيد رضا، رحمه الله، علائق قوية بالنجديين، لكن أظنه كان مثل إمام الشام محمد جمال الدين القاسمي المتوفى سنة 1332 ﻫ، موافقًا على أصل الدعوة، لكنه يخالف الحركة في غلوها. أما القاسمي فقد قرأت في ترجمته التي كتبها ابنه ظافر، رحمه الله،ذكره لغلو النجديين و أن كل حركة تبدأ ثائرة ثم تفئ للاعتدال.
أما رشيد رضا فله كتاب كبير في مجلد سماه «الوهابيون و الحجاز» و لكن لم أقع عليه، و إني لمتلهف لقراءته.
و القاسمي أيضًا كان له علاقة وطيدة بمحمود شكري الآلوسي و كلاهما كانا يسعيان عن طريق أصدقاء لهم نجديين في نشر تراث ابن تيمية و ابن القيم، و لما قام القاضي الشاعر يوسف النبهاني بمهاجمة الشيخين و معاداة النجديين، رد عليه الآلوسي بكتاب كبير في مجلدين سماه «غاية الأماني في الرد على النبهاني»، و له أيضًا رد أكمل به رد الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن على رجل عراقي اسمه داود بن جرجيس سماه «صلح الإخوان».
و الكلام عن أنصار النجديين في القرن الرابع عشر يطول، بخلاف أنصارهم في القرن الثالث عشر فقد كانوا قلة. و الله الموفق و المؤيد.
و قد كان في مصر حركة نشيطة في مساندة النجديين، ظهرت بوادرها أولا في القرن الثالث عشر، فقد كان المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي، رحمه الله، في كتابه «عجائب الآثار» في التاريخ يبدي تعاطفًا ظاهرًا مع النجديين.
 أما في القرن الرابع عشر فقد أسس العالم الأزهري محمد حامد الفقي و معه القاضي المحدث أبو الأشبال أحمد بن محمد شاكر، رحمهما الله تعالى، جماعة أنصار السنة المحمدية سنة 1343ﻫ، و أنشئت لها مطبعة خاصة بها، و كانت تنشر كتب النجديين.
و في المغرب كان لتقي الدين محمد بن عبد القادر الهلالي علائق قوية مع النجديين، و هاجر إليهم بعد تأسيس الدولة و درس في الحرم المدني الشريف، صلى الله على صاحبه و آله و سلم. و رشح لإمامته، ثم عاد للمغرب ناشرًا دعوته حتى توفي سنة 1407ﻫ عن عمر كبير لعله تجاوز المائة عام.
و من الطريف أنه وشى به المسؤول عن مراقبة الدروس في المسجد النبوي للمسؤولين لأنه يقول بكروية الأرض، و اشتد نكيره عليه و قال: «هذا لا يقوله إلا جهمي ينكر علو الله تعالى على خلقه!!»، لكن المسؤول طيب خاطره و قال: «نحن نعلم أن شيخ الإسلام قرر كروية الأرض في كتبه». ذكر ذلك في كتابه الممتع «الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة».

Post a Comment

أحدث أقدم