محاسن الدعوة النجدية
اعلم، رحمك الله، أن
للدعوة النجدية محاسن كثيرة يشهد بها المخالف قبل الموافق. و يمكن تحديد ذلك و تلخيصه
في النقاط التالية:
1. تجديد الدين و إحياء رسومه: و ذلك أن الدين الإسلامي تأثر كثيرًا في القرون الأخيرة لغلبة الجهل و
انقراض العلماء و تقصير الأمراء في القيام بواجبهم في نصرته و حمايته، مع ما تراكم
عليه من البدع و المحدثات، و مظاهر الشرك بالله تعالى و انتشار الخرافات.
و قد يقول قائل إن هذه مبالغة فأين أنت من كبار العلماء
الذين تمتلئ بهم كتب التراجم، مع وصفهم بالعمل و العلم الواسع و التقوى و الصلاح
بما لا نجده عند علماء اليوم؟
و الجواب أن نقول: عرفت شيئًا و غابت عنك أشياء.
فإن أولئك العلماء كان غالبهم في الحواضر الشهيرة فقط
مثل الحرمين و دمشق و الشام و مصر و القاهرة و فاس و تونس و استامبول و شنقيط وصنعاء
و تريم بحضرموت، و بغداد بالعراق، و غيرها. و هم أنفسهم غلبت عليهم البدع و
الشركيات، مع شدة التعصب للمذاهب و العقائد و لو خالفت السنة.
أما غالب البوادي و الأرياف فقد عادت إلى الجاهلية
الأولى، من فشو الزنا و اللواط و سائر أصناف المنكرات، مع ترك الصلوات و الزكوات،
و الانهماك في قطع الطريق على المسافرين و الحجاج، إضافة إلى عادات جاهلية و أعراف
طاغوتية. و قد نص على ذلك الكثير من مؤرخي تلك الأزمان.
فهذا أبو سالم العياشي، أحد كبار علماء المغرب في القرن
الحادي عشر، يذكر في رحلته «ماء الموائد» عجائب من ذلك. و منها أن الأعرابي
كان يدخل للمسجد النبوي، صلى الله على صاحبه و آله و سلم، فيضرب بعصاه الأرض و لا
يدري ما يقول ثم ينصرف، فيضحك على ذلك بعض العلماء، بدل أن يعلموه و يقوموا
بواجبهم.
و يذكر محمد بن عبد السلام الناصري من علماء القرن
الثالث عشر في «رحلته للحج» أنه مر على بادية البلاد الطرابلسية (ليبيا)
فوجدهم لا يعرفون معروفًا و لا ينكرون منكرًا، بل قد عادوا للجاهلية الأولى.
و يذكر أحمد بن الصديق الغماري في كتابه «الحِسْبَة» أن
بربر الجبال و بوادي المغرب ما عادوا يعرفون الإسلام و لا عباداته.
بل قد حدثتني جدتي الشريفة نفيسة بنت الزمزمي الكتانية
أن كثيرًا من نساء البوادي في المغرب كن يقلن: «إن الصلاة ما كنا نعرفها و
لا يعرفها آباؤنا حتى أدخلها لنا الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني!!». و هذا في أوائل القرن الرابع عشر!!
و كذلك يذكر الشوكاني في رسائله عن بوادي اليمن أنهم عادوا
للجاهلية الأولى.
و هو ما ذكروه عن بادية نجد زمن الإمام ابن عبد الوهاب
رحمه الله تعالى. فلما ظهر الشيخ جدد الله به قرونًا. فإنه منذ وفاة شيخ الإسلام ابن
تيمية سنة 728ﻫ بدمشق الشام، لم يظهر عالم مجدد بهذه
القوة و التأثير.
و ابن تيمية كانت قوته، رحمه الله، من قوة حجته و مواقفه
الكبيرة، لكن دعوته لم تنتشر كثيرًا، لشدة من حاربه، مع عدم وجود دولة ناصرة و مال
ينشر الفكر.
و مصداقًا لقول النبي e: «إن الله يبعث لهذه الأمة
على ٍرأس كل قرن من يجدد لها دينها». فقد ظهر
مجددون كبار قبل ابن عبد الوهاب، و كل من أنصف يتبين له أنهم تأثروا بابن تيمية،
بل ابن عبد الوهاب نفسه مزيته أنه أحيا منهاج ابن تيمية و نصره و نشره.
فقد ظهر في اليمن الإمام السيد محمد بن إبراهيم الوزير
المتوفى سنة 840ﻫ و ظهر غيره.
و لعل أقوى حركة تجديدية ظهرت قبل ابن عبد الوهاب هي
حركة الإمام الشاه أحمد ولي الله الدهلوي، إمام أهل الحديث بالهند. غير أن تأثيرها
كان محدودًا بالهند و ما حولها و منهاجها لم يكن على محض السنة البيضاء.
و ظهر باليمن الصنعاني ثم الشوكاني، و لكن يقال فيهما ما
قيل في حركة الدهلوي.
و قد تقدم معنا كلام القاضي الشوكاني في «البدر
الطالع» من أن النجديين ما دخلوا قرية إلا أقاموا فيها شرع الله و أمروا الناس
بالصلاة و الزكاة و الانتهاء عن المنكرات. بل أمروهم بالصلاة جماعة في المساجد و
شددوا عليهم في ذلك. وكذلك نهوا عن التبرج و الاختلاط و تدخين الدخان، و عزروا على
ذلك بالجلد.
فهذا إحياؤهم لشعائر الدين و إقامتهم له.
2. تجريد التوحيد:
من أعظم ما ركز عليه النجديون مسألة تجريد التوحيد لله تعالى و محاربة الشرك. و من
أجل ذلك صنف الشيخ كتابه «التوحيد الذي هو حق الله على العبيد» و صنف
للعوام جملة من الكتب مثل «الأصول الثلاثة» و «كشف الشبهات» و «نواقض
الإسلام العشرة» و «مسائل الجاهلية» و «مختصر السيرة النبوية» و
«مختصر زاد المعاد». و كان العامة يحفظون ذلك عن ظهر قلب، حتى ترسخ عندهم
حب التوحيد و بغض الشرك.
و قد حدثني صديق لي من تلك البلاد عن مشايخهم أن
المتقدمين لما كانوا في دروسهم يسمعون مظاهر الشرك يبكون بكاء مرًّا غيرة على الله
أن يشرك به سبحانه.
و من أجل هذا كانوا يقاتلون بحماس شديد، و كانت المرأة
تركب ولدها الفرس و يطير به و هو ينادي: «هبت رياح
الجنة، وينك يا باغيها؟».
و قد أعاد النجديون التوحيد لصفاته كما كان أول الإسلام،
و تكلموا كثيرًا في موالاة أعداء الله و حب أوليائه سبحانه و نصرهم و معاداة
أعدائه و بغضهم، و ما يتعلق بذلك، و لهم فيه رسائل و كتابات كثيرة.
3. نصرة السنة والعمل بها: و ذلك بنبذ جميع أصناف البدع و الحض على السنة البيضاء، و متابعة رسول
الله e و السلف الصالح في كل كبيرة و
صغيرة، مصداقًا لحديث: «إياكم و محدثات الأمور
فإن كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة». و «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»
و من الجدير بالذكر أن النجديين المتقدمين لم يكونوا
ينكرون التصوف جملة و تفصيلا و يحاربونه، إنما كانوا يحاربون ما علق به من بدع،
كما كنت قرأت في رسالة لعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، و هو،
فيما يظهر لي، أكثر النجديين اعتدالا، و رسالته لأهل مكة جميلة في بيان منهاجهم،
موافقة للسنة. و كان ذلك سنة 1213 ﻫ فيما أظن.
و لعله منذ دعوة ابن تيمية، رحمه الله تعالى، لم يظهر من
أعاد الدين لصفائه و نشره كذلك بين الناس و أزال عنه البدع مثل النجديين. مع ما
عرف عنهم من العبادات والحرص على فضائل الأعمال و ملازمة الأذكار و قيام الليل و
البكاء من خشية الله. و هذا معلوم لمن قرأ تراجمهم. رحمهم الله تعالى.
4. نشر كتب السلف و إحياؤها: و هذا ناتج عما سبق. فإن النجديين أحيوا كتب الحديث التي لم يعد أحد يرفع
بها رأسًا أو يعرفها من السنن و المسانيد و الأجزاء و غيرها. و كتب شروح الحديث و
مصنفات السلف، و طبعوها أحسن الطبعات و نشروها و عملوا بما فيها، مع إحياء مجالس
العلم و بثها في كل مكان، و بذل الأموال الطائلة في ذلك.
و بهذا كله عاد منهاج أهل السنة و الجماعة، عقيدة السلف
الصالح أهل الحديث و الأثر للظهور و الانتشار في العالم كله، بعد أن لم يكن يقول
بذلك إلا قلة قليلة هنا أو هناك.
و مع أن النجديين كانوا حنابلة، إلا أنهم تجردوا للدليل
فإذا خالف الدليل مشهور المذهب أخذوا به و تركوا المذهب. كما قال سعد بن حمد بن
عتيق المتوفى سنة 1349ﻫ، رحمه الله تعالى، في نظمه ل «زاد المستقنع» معتمد
الحنابلة في الفقه:
|
و بعد
فالزاد الذي قد حرره
من«مقنع» الموفق المجدد و لانتفاعي و انتفاع من رغب و مع ذا فلست بالمعتمد صلى عليه الله ثم سلم |
|
موسى
الفقيه الحنبلي اختصره
أردت أن أنظمه لولدي في الفقه و العلم الشريف محتسب إلا ما صح عن محمد ما دامت الأرض و دامت السما |
و مع أن ابن عبد الوهاب نعى على المقلدين غلوهم في تقليد
المذاهب و ترك الدليل، فقد كان هو و أصحابه معتدلين في هذه المسألة، يحترمون
المذاهب و يوقرون أئمتها، و كانوا متظاهرين بأنهم حنابلة مقلدون إلا فيما صح دليله.
و كان العديد من علمائهم الكبار يتأثرون باختيارات شيخ
الإسلام و تلميذه ابن القيم، خاصة المتأخرين منهم، مثل عبد الرحمن بن ناصر السعدي
المتوفى رحمه الله تعالى سنة 1379ﻫ علامة بلاد القصيم، و ترك مدرسة في ذلك أنتجت
العلامة محمد بن صالح بن العثيمين، رحمه الله تعالى، المتوفى سنة1420ﻫ، و قد حضرنا
بعض مجالسه الرمضانية بالحرم المكي.
و اعلم أن هذا كله ما كان ليكون لولا تأسيس الدولة فإن
غالب المذاهب ما انتشرت في التاريخ إلاَّ بدولة تحميها و تنصرها. و هذا هو سبب عدم
انتشار دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، مع غزارة عطائه و سيلان ذهنه، سعة علمه
و جلالة تلاميذه الذين كانوا من كبار أئمة الإسلام في سائر العلوم، و انتشار دعوة
ابن عبد الوهاب.
و قد ذكر ابن حزم، رحمه الله، أن مذهبين انتشرا بالسيف و
الدولة؛ المالكي في المغرب و الحنفي في المشرق.
و نقول: و كذلك الشافعي نصره السلاجقة ثم الأيوبيون و
الشيعي الإمامي نصره الصفويون و غيرهم، و اليوم ينصره الخمينيون في إيران. و
الحنابلة بقوا قلة حتى كادوا ينقرضون ثم أحياهم القاضي أبو يعلى في القرن الخامس
بتوليه القضاء. ثم أحياه النجديون بإقامة الدولة على أساسه. و الله الموفق و
الهادي.
إرسال تعليق