الرعــــاية اللاحقــــة

أولاً : مضمون الرعاية اللاحقة :
     عادة ما يواجه المفرج عنهم عند خروجهم من المؤسسة العقابية ما يسمى "بأزمة الإفراج" التي تنشأ عن الاختلاف بين ظروف الحياة التي اعتاد عليها داخل المؤسسة العقابية وبين الحياة خارجها ، حيث يصادف حرية قد ينحرف في استعمالها ومسئولية قد يعجز عن تحملها ومطالب مادية قد يفشل في توفيرها. وقد يلقى صدوداً من أفراد المجتمع المحيط نظراً لماضيه الإجرامي فيعيش معزولاً دون مأوى أو عمل ، مما قد يقتل داخله جرعة التأهيل التي تشربها خلال فترة قضاء العقوبة فيعود مسرعاً إلى سلوك سبيل الجريمة مرة أخرى.

لأجل هذا اتجهت السياسة العقابية الحديثة إلى الاعتراف للمفرج عنه بحقه في الرعاية اللاحقة  L’assistance poste pénitentiaire ou  post-pénale بقصد مساعدته مادياً ومعنوياً على استعادة مكانته في المجتمع بعد انقضاء فترة سلب الحرية. فالرعاية اللاحقة تعتبر أسلوباً تكميلياً للتنفيذ العقابي تهدف إلى استكمال ما تم تطبيقه من أساليب معاملة وبرامج تأهيل داخل المؤسسة العقابية ، وحتى لا تذهب المشاكل التي تعترض المفرج عنه بكل ما حققته له هذه الأخيرة من إصلاح وتهذيب[1].

ولم تعد الرعاية اللاحقة في ظل السياسة العقابية الحديثة رعاية فردية تقوم على اعتبارات الشفقة والعطف وبدافع ديني أو إنساني. بل هي التزام على الدولة قبل المحكوم عليه تفرضه وظيفتها في رسم  السياسة الجنائية المتعلقة بمكافحة الجريمة وكذلك وظيفتها في تطبيق سبل المعاملة العقابية. فالرعاية اللاحقة جزء من المعاملة العقابية التي تطبقها الدولة على المحكوم عليه وتستهدف بها إتمام التأهيل - إذا لم تكن مدة العقوبة كافية لتحقيق هذا الغرض - أو لمساندة المفرج عنه حتى يظل التأهيل الذي حققته أساليب المعاملة داخل المؤسسة العقابية قائماً ومؤثراً بداخله. فهي على هذا النحو الجزء الأخير من المعاملة العقابية[2].

ولا يعني بأي حال من الأحوال التزام الدولة بالرعاية اللاحقة للمفرج عنهم أن تغل يد الأفراد والهيئات الخاصة عن المساهمة في جهود الرعاية اللاحقة. فالمجتمع في ذلك يمثل وحدة عضوية واحدة. وإلى هذا أشارت المادة 64 من قواعد الحد الأدنى لمعاملة المذنبين بقولها "أن واجب المجتمع لا ينتهي بالإفراج عن المسجون ، لذلك يجب أن توجد هيئات حكومية أو خاصة قادرة على مد المسجون المفرج عنه برعاية لاحقة فعالة تهدف إلى تقليل التحامل عليه وإلى إعادة تأهيله الاجتماعي. كما توصى المادة 80 من ذات القواعد بأن توجه العناية اعتباراً من بدء تنفيذ العقوبة إلى مستقبل المسجون عقب الإفراج عنه. كما يجب العناية ومساعدته على المحافظة على صلاته بالأشخاص أو الهيئات الخارجية التي يمكنها رعاية مصالح أسرته وإعادة تأهيله الاجتماعي ، أو إنشاء صلات من هذا القبيل".

 وإذا كان الأصل أن تمتد الرعاية اللاحقة أن إلى جميع المفرج عنهم ، إلا أن بعض التشريعات قد ميزت بين الرعاية الإجبارية والرعاية الاختيارية[3]. مثال ذلك التشريع الفرنسي الذي قرر أن يخضع للرعاية الإجبارية المفرج عنهم شرطياً وأن تقدم المساعدة بصورة اختيارية إرادية للمفرج عنه نهائياً. وتخطر الإدارة العقابية المسجون المفرج عنه – شرطياً أو نهائياً - بالمساعدة التي ستقدم له محل إقامة من لجنة رعاية المفرج عنهم.

وفيما يتعلق على الأخص بحالات الإفراج النهائي يقوم المساعد الاجتماعي L’assistant social بإجراء مقابلات من المسجون لبحث المساعدات التي يحتاجها واتخاذ ما يلزم من اتصالات في هذا الشأن مع لجنة رعاية المفرج عنهم[4]Le comité de probation et d’assistance aux libres. وإذا قبل المفرج عنه نهائياً أن يكون تحت إشراف لجنة رعاية المفرج عنهم تقوم اللجنة بتعيين مندوب يختص بتقديم المساعدة له.

ومن بين صور المساعدة العمل على حل مشاكل المفرج عنه العائلية أوالشخصية ، أو تدبير سكن مؤقت أو عمل ملائم له. ويمكن أن تقدم اللجنة مساعدات مادية كالملابس وتذاكر السفر والمبالغ النقدية والمعاونة في استخراج أوراق الهوية الشخصية[5]. ويمكن أن تمتد الرعاية اللاحقة إلى تقديم وسائل علاجية للمفرج عنهم المرضى بدنياً أو عقلياً أو نفسياً. ومثال ذلك أيضاً علاج الشواذ ومدمني الخمور والمخدرات بحسبان أن ذلك يساهم في استئصال عوامل الإجرام التي قد تدفع إلى سلوك سبيل الجريمة مرة أخرى.

281-                   ثانياً : الرعاية اللاحقة في التشريع المصري :
     لقد أقر المشرع المصري نظام الرعاية اللاحقة حينما أوجب في المادة 64 من قانون تنظيم السجون أن تخطر إدارة السجن وزارة الشئون الاجتماعية والعمل بأسماء المحكوم عليهم قبل الإفراج عنهم بمدة كافية لا تقل عن شهرين لكي يتسنى في هذه المدة تأهيلهم اجتماعياً ، وإعدادهم للبيئة الخارجية مع بذل كل أسباب الرعاية والتوجيه لهم. وتقضي المادة 46 من اللائحة الداخلية لقانون تنظيم السجون بأن يعطى المسجون عند الإفراج عنه مكافأة مالية مناسبة عن عمله تحددها اللائحة الداخلية. ويراعى في تحديدها والتصرف فيها أن تكون دون الأجر العادي لمثله ، مع عدم جواز تصرف المسجون في المكافأة مادام في السجن.

 ومن صور الرعاية اللاحقة في النظام العقابي المصري ما تنص عليه المادة 88 من اللائحة الداخلية للسجون من وجوب تقديم الملابس اللائقة للمفرج عنه للظهور بها في المجتمع. ومن ذلك أيضاً ما تنص عليه المادة 14 من نفس اللائحة حينما أوجبت صرف نصف الأجر المستحق للمفرج عنه والذي يعتبر رصيداً له يمنح عند الإفراج.

وتقوم الدولة – ممثلة في وزارة الشئون الاجتماعية وقسم الرعاية اللاحقة بمصلحة الأمن العام بوزارة الداخلية - بالشق الأكبر من واجب الرعاية اللاحقة للمفرج عنهم. فلا تألوا هذه الأجهزة جهداً في تقديم المساعدات للمفرج عنهم سواء في صور إلحاقهم بعمل شريف أو تيسير حصولهم على مأوى أو تقديم بعض المساعدات النقدية.

ولا بد من الاعتراف بأن دور الدولة في الرعاية اللاحقة يظل قاصراً نظراً لضعف الإمكانيات المادية لأجهزتها. ولا يتسنى تعويض هذا النقص إلا بتدخل الجمعيات الخاصة والمجتمع المدني ، ممثلاً في رجال الأعمال وأصحاب المشروعات الصناعية والتجارية ، فتصبح مكافحة الظاهرة الإجرامية رسالة المجتمع كافة.





[1] د. محمد عيد الغريب ، المرجع السابق ، ص267. وقد أوصى المؤتمر الثاني للجمعية المصرية للقانون الجنائي بضرورة تقرير نظام للرعاية اللاحقة على التنفيذ العقابي ودعمه بحيث يتضمن من أساليب الرقابة والإشراف والمساعدة ما يكفل عدم عودة المفرج عنه إلى الإجرام (توصية رقم 12). راجع "حماية حقوق الإنسان في الإجراءات الجنائية في مصر وفرنسا والولايات المتحدة ، المؤتمر الثاني للجمعية المصرية للقانون الجنائي ، الإسكندرية 9-12 أبريل 1988 ، مجلة الدراسات الجنائية الحديثة ، منشورات المعهد الدولي العالي للعلوم الجنائية ، 1989 ، ص470.
[2] د. محمد عيد الغريب ، المرجع السابق ، ص268.
[3] يقرر التشريع الإنجليزي الرعاية الإجبارية للمحكوم عليهم بالحبس المؤبد ومن تقل أعمارهم عن الحادية والعشرين إذا زادت مدة عقوباتهم على ثلاث شهور ، ويقرر الرعاية الاختيارية لسائر المفرج عنهم. د. محمد عيد الغريب ، المرجع السابق ، ص269.
[4] تنص على هذه اللجنة المواد من 538 إلى 544 إجراءات جنائية فرنسي. وتشكل اللجنة من مأمور للرعاية أو أكثر يعين من قبل وزير العدل من بين المساعدين الاجتماعيين التابعين للخدمات الخارجية لوزارة العدل والتربويين التابعين للخدمات الخارجية للإدارة العقابية. فضلاً عن مندوبين يعينون – إذا لزم الأمر - بمعرفة المدير الإقليمي بناء على اقتراح قاضي تنفيذ العقوبات بعد أخذ رأي مدير الرعاية.
[5] ويعد هذا تطبيقاً للمادة 81 من قواعد الحد الأدنى التي توجب على الإدارات والهيئات الحكومية أو الخاصة التي تساعد الخارجين من السجن على العودة إلى احتلال مكانهم في المجتمع ، أن تسعى بقدر الإمكان لجعلهم يحصلون على الوثائق وأوراق الهوية الضرورية ، وعلى المسكن والعمل المناسبين ، وعلى ثياب لائقة تناسب المناخ والفصل وأن توفر لهم من الموارد ما يكفي لوصولهم إلى وجهتهم ولتأمين أسباب العيش لهم خلال الفترة التي تلي مباشرة إطلاق سراحهم .

Post a Comment

أحدث أقدم