طبيعة الخطورة الإجرامية :
يظهر من المضمون السابق أن
الخطورة الإجرامية حالة تتعلق بالفرد الذي تتوافر لديه جوانبها ، لكنها لا ترتبط
بالواقعة الإجرامية ذاتها. وعلى هذا فإن الخطورة الإجرامية تختلف عما يسمى بجرائم
الخطر التي يرى المشرع فيها أن سلوكاً معيناً يمثل في ذاته خطراً اجتماعياً لمساسه
بمصلحة معينة يحرص عليها المجتمع فيعده من قبيل الجريمة دون الحاجة للانتظار
وقوع ضرر فعلي (مثال ذلك تجريم القيادة تحت
تأثير عقار مخدر أو مادة مسكرة أو تجريم القيادة المتسرعة). فالخطورة حالة نفسية وصفه فردية تكشف عن إمكانية وقوع
جريمة ما في المستقبل.
وكذلك تختلف الخطورة الإجرامية عن الجريمة ذاتها ،
فالأولى كما قلنا صفة فردية أما الثانية فهي سلوك إرادي يصدر من جانب الفرد. وعدم
الربط التام بين الجريمة كواقعة مادية وبين الخطورة الإجرامية كتعبير عن الإجرام المستقبلي ، يوجب عدم اشتراط أن تكون
الجريمة المحتمل ارتكابها من نوع معين ، أو أن تكون على درجة معينة من
الجسامة ، أو أن يكون ارتكاب المجرم لها محتملاًُ
في وقت معين من تاريخ ارتكابه للجريمة السابقة. فالخطورة الإجرامية أساس للجزاء
الجنائي (التدابير) بهدف منع الجريمة في المستقبل ووقاية المجتمع أياً كان نوع ودرجة
الجريمة[1].
إلا أن الفصل بين الجريمة والخطورة الإجرامية ليس
تاماً ، فوقوع الجريمة يعتبر أمراً أساسياً للقول بتوافرها كدليل إثبات لها وليس كعنصر من عناصرها. أي أن الجريمة السابقة قرينة على قيام حالة الخطورة
الإجرامية. بيد أن هذه القرينة ليست مطلقة. فهذا الدليل - أي الجريمة السابقة
- يفقد دلالته
في الحالات التي تكون فيها الجريمة الواقعة على درجة دنيا من الجسامة.
والدليل على
ذلك أن المشرع المصري يعطي مثلاً سلطة تقديرية للقاضي في الحكم بإيقاف تنفيذ العقوبة
(م55 عقوبات) ، رغم وقوع الجريمة واكتمال أركانها المادية والمعنوية،
إذا ما تبين له أن فاعل الجريمة ليس على درجة كبيرة من الخطورة الإجرامية.
وبالمثل فإن وقوع الجريمة ليس شرطاً للقول بتوافر هذه لخطورة ,
أي لن تنحصر الخطورة فيمن سبق ارتكابهم لوقائع إجرامية. فتلك الخطورة قد تتوافر حتى فيمن
لم يرتكب جرماً قط ما دام وقوع هذه الجرم في المستقل صار أمراً محتملاً ، غاية
الأمر أن الخطورة لا تثبت على هؤلاء إلا بعد إجرامهم
بالفعل[2].
1-
ج : أدلة الخطورة الإجرامية :
قلنا أن شرط ارتكاب جريمة سابقة ليس
عنصراً من عناصر الخطورة الإجرامية ولا شرطاً من شروطها. فقد تتوافر تلك الخطورة في حالة
ارتكاب أفعال لا تصل إلى مرحلة التجريم. غير أن كون الخطورة الإجرامية
أصبحت وفقاً للسياسة العقابية الحديثة تمثل أساساً لتوقيع التدابير الاحترازية
التي قد تأخذ طابع سلب الحرية أو تقيدها أو الحرمان من الحقوق والمزايا فإن إعمال
الشرعية الجنائية يوجب عدم توقيع التدبير والقول بالتالي
بتوافر الخطورة الإجرامية إلا بعد وقوع جريمة بالفعل باعتبارها أمارة قوية على هذه
الحالة. ويبرر هذا القول أن الخطورة الإجرامية حالة نفسية كامنة وباطنة
لا يتأتى الوقوف عليها مباشرة وإنما بطريق غير مباشر من خلال السلوك الذي سلكه من كان على هذه
الخطورة[3].
فوقوع الجريمة يعد أمارة حاسمة على وجود الخطورة باعتبار
أن الجريمة أشد صور السلوك الإنساني انحرافاً وتكشف أكثر
من غيرها من صور السلوك غير الأخلاقي عن طبع الشخص ومزاجه. فالثابت – حسب الخبرة الحياتية للمجموع – أن وقوع الجريمة من شخص
يكون في ذاته دليلاً على أن فاعلها يكون على استعداد لأن يجرم مرة ثانية في
المستقبل مما يوجب توقيع تدبيراً احترازياً ذو طابع تأهيلي أو
علاجي إلى جانب العقوبة.
غير أن الجريمة بحسبانها دليلاً أو أمارة على الخطورة
الإجرامية لا يعني القول بضرورة اشتراط توافر المسئولية الجنائية
واكتمال شروطها للقول بإمكان توقيع أحد التدابير الجنائية ، فقد توقع تلك الأخيرة
رغم انتفاء مسئولية الفاعلين أو الشركاء عن الجريمة
المرتكبة ، حيث سبق القول بأن مناط توقيع التدابير هو الخطورة الإجرامية وليس الخطأ الجنائي بصوره
المختلفة.
وقد حاول البعض التأكيد على عدم اشتراط وقوع جريمة
بالفعل كشرط لتوقيع التدابير حيث أن التدابير تواجه حالة نفسية كامنة لا صلة لها
بالواقعة الإجرامية. ودليلهم في ذلك أن كون الجريمة
المرتكبة تعد أمارة أو قرينة على توافر الخطورة الإجرامية وليس
عنصراً من عناصرها لا يمنع من القول بتوافر تلك الخطورة – ومن ثم امكان توقيع التدابير الجنائية –
إذا توافرت أمارت أخرى قد لا تصل إلى حد الجريمة[4].
والواقع أننا لا نوافق على هذا الرأي لمساسه بالحرية
الفردية التي يمكن أن تهدد بتدابير سالبة أو مقيدة دون وجود إجرام حقيقي من قبل الفرد. فإطلاق توقيع التدابير لمجرد وجود
أمارات لا تصل إلى حد الجريمة هو أخذ للناس بالشبهات ودعوة إلى التعسف والاستبداد
من قبل السلطات العامة.
وفي رأينا أن هذا الرأي يخلط بين الخطورة الإجرامية
كأساس لتوقيع التدابير الجنائية وبين الخطورة الاجتماعية التي يمكن أن تتخذ كأساس
لتوقيع تدابير وقائية غير ماسة بالحرية أو بالحقوق الفردية. فهذا النوع الأخير من الخطورة قد
يقوم في حق الأفراد لمجرد وجود أمارت أو قرائن تثبت في حقهم نوع من
المناهضة للمجتمع دون أن يصل الأمر إلى حد ارتكاب جرائم معينة. أي يمكن
القول بأن الخطورة الإجرامية تضم في طياتها الخطورة الاجتماعية ، أما الأخيرة فلا تعني بالضرورة
توافر الخطورة الإجرامية ، ومن ثم فلا يمكن اتخاذها كأساس
لتوقيع جزاء جنائي ، عقوبة كان أم تدبير[5].
ولقد اتجهت التشريعات إلى الأخذ بالرأي الأول الذي
يربط بين الخطورة الإجرامية وسبق ارتكاب جريمة كقرينة
على توافرها.
فقد نص قانون العقوبات الإيطالي على ألا يطبق التدبير الاحترازي إلا على من ارتكب
فعلاً منصوصاً عليه في القانون كجريمة (م202). وعلى هذا نص المشرع المصري في
مشروع قانون العقوبات لسنة 1967 (م106) وقانون العقوبات اللبناني (م1/1). وقد تنكشف الخطورة الإجرامية بناء
على عناصر متصلة بماديات الواقعة الإجرامية السابقة أو بعناصر متصلة بشخص المجرم
ذاته. ومن قبيل ذلك ما نص عليه المشرع الإيطالي في
المادة 133 من قانون العقوبات من أن تعد أمارت على توافر الخطورة
الإجرامية :
*- طبيعة الجريمة ومدى جسامتها
وكيفية وزمان ومكان تنفيذها
*- نوع ودرجة الضرر الناشئ من
الجريمة
*- درجة الآثم الجنائي (العمد والخطأ غير العمدي)
*- بواعث الجريمة وطباع المجرم
*- سوابق المجرم وظروفه الجنائية السابقة على الجريمة
*- سلوك المجرم المعاصر واللاحق على الجريمة.
كما قد يفترض المشرع الخطورة الإجرامية إذا
كانت الجريمة من نوع معين أو تم ارتكابها من شخص بذاته. مثال
ذلك ما نص عليه المشرع الإيطالي في المادة 204/2 عقوبات من افتراض الخطورة
الإجرامية بشأن المجرم شبه المجنون الذي يرتكب جريمة عمدية أو متعدية القصد يعاقب
عليها القانون بعقوبة لا تقل مدتها عن خمس سنوات. ومعنى هذا الافتراض هو إلزام
القاضي بتوقيع أحد التدابير العلاجية والتأهيلية الملائمة لهذا النوع من الخطورة[6].
والواقع أن المشرع المصري قد أخذ بشكل ضمني بفكرة
الخطورة الإجرامية كأساس لتوقيع الجزاء الجنائي المتمثل في صورة التدابير أو كأساس
لإعمال قواعد التفريد القضائي. مثال ذلك الأخذ بنظام وقف
التنفيذ (م55 عقوبات) ، ومثال ذلك ما توجبه المادة 342 من قانون الإجراءات
من إيداع المتهم أحد المحال المعدة للأمراض العقلية إذا ما صدر أمر بأن لا وجه
للإقامة الدعوى أو حكم ببراءة المتهم وكان ذلك بسبب عاهة في عقله متى كانت الواقعة جناية أو جنحة معاقب عليها
بالحبس.
ويؤكد ذات الفكرة أخذ المشرع المصري بنظام الإفراج
تحت شرط (م52 وما بعدها من قانون تنظيم السجون) ، وأخذه بفكرة تصنيف المحكوم عليهم
إلى فئات داخل المؤسسة العقابية (م13 من قانون السجون) ، ومنح السجين فترة انتقال تخفف فيها القيود قبل الإفراج عنه (م18 من
قانون السجون) ، وكذلك أخذه بفكرة رد الاعتبار سواء
القانوني
منه أو القضائي (م563 إجراءات الجنائية)
.
[1] فلذلك ليس سليماً القول بأن الجريمة السابقة
شرط لتوقيع التدبير لأنها ليست عنصراً من عناصر الخطورة الإجرامية بل هي دليل ثبوت لها فقط. راجع عكس هذا
الرأي د.
أحمد شوقي أبو خطوة ، ص508 ، د. محمد
زكي أبو عامر ، المرجع السابق ، ص448.
[2] د. محمد زكي أبو عامر ، المرجع السابق ، ص 380 – 380 ، د. أحمد شوقي أبو خطوة ، المرجع
السابق ، ص513 ، د. محمود نجيب حسني ، المرجع السابق ، ص989.
[3] د. جلال ثروت ، المرجع السابق ، ص106 وما بعدها ، د. عبد الفتاح الصيفي ، المرجع
السابق ص 130 وما بعدها.
[4] د. محمود نجيب حسني ، القسم العام ، المرجع السابق ،
ص127 وما بعدها ، د. مأمون سلامة ، قانون العقوبات ، القسم العام ، 1979 ، ص346 وما بعدها.
[5] راجع د. يسر أنور علي ، الاشتباه أو الخطورة الاجتماعية في الفقه
والقضاء المصري ، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية ، س10
، ع1 ، ص205 وما بعدها.
[6] د. جلال ثروت ، المرجع السابق ، ص110.
Post a Comment