الجريمة حسب القانون
         على الرغم من أن كتابات الفقهاء والباحثين بشان الوصف القانوني للجريمة هي من القلة والتناثر بين المواضيع الجنائية المختلفة وبالتالي فهي لا توضح هذا الموضوع بالدقة المطلوبة لإيضاحه وتبيان تفاصيله المهمة والتي تختلف عن موضوع آخر قد يختلط معه وهو التكييف القانوني للجريمة , وعلى ذلك لابد من التعرف على ماهية الوصف القانوني من التطرق إلى هذا الموضوع في مطلبين الأول نتعرض فيه إلى تعريف الوصف القانوني , أما الثاني فسنتناول فيه الموقف القانوني والقضائي منه .

تعريف الوصف القانوني للجريمة : -
         يعرف الوصف القانوني للجريمة بأنه وسيلة تحديد الواقعة المستوجبة للعقاب وهو الثوب القانوني الملائم لها بلا ضيق ولا اتساع , وينبغي أن يكون الفعل قيد التهمة هو الذي يتوافق معه هذا الوصف (1) . ويمكن القول أيضا بأن الوصف القانوني للجريمة هو النموذج القانوني الذي يحدده المشرع في قانون العقوبات أو أي قانون عقابي آخر , والذي بموجبه يمكن أن تعد بعض الأفعال وفقا لشروط وأركان خاصة جريمة ما يترتب على ارتكابها عقوبة معينة .
       ويرتبط الوصف القانوني بالتحديد الذي يقوم به المشرع والذي بموجبه تعد بعض الأفعال جرائم يترتب على ارتكابها عقوبات معينة محددة في النص القانوني وفقا للمبدأ السائد في الدساتير وفي  القانون الجنائي وهو مبدأ  شرعية الجرائم والعقوبات (2) . حيث إن مهمة التشريع من جل اختصاص المشرع فهو الذي ينشئ جرائم ويضع لها عقوبات معينة انسجاما مع حماية حقوق الأفراد وحرياتهم الشخصية في الدولة من اعتداء الآخرين عليها دون وجه حق . وبالتالي يمتنع على القاضي وفقا لمبدأ الشرعية الجنائية أم ينشئ جرائم وعقوبات لم ينص عليها المشرع , فدور القاضي ينحصر في تطبيق القانون على الوقائع التي تعرض عليه في اضبارة الدعوى المطروحة أمامه , مع إمكانية القاضي – ضمن الحدود التي رسمها المشرع له – أن يختار العقوبة بين حديها الأدنى والأعلى المحدد من قبل المشرع , أو أن القاضي يمتلك سلطة توقيع العقوبات التخييرية المسموح بها ضمن الإباحة التشريعية للقاضي .
       والقانون بصورته المجردة لا يمكن أن يحمي حقوق وحريات الأفراد إلا إذا طبق ضد المعتدين على تلك الحقوق والحريات , والمطبق للقانون هو القاضي ضمن حدود سلطته التقديرية إياه . فالقانون ذاته تتحقق حمايته من خلال القضاء وذلك في مواجهة عدم الفاعلية , أي في حالة وجود عارض يعترض حماية النظام القانوني , وفي حدود هذا العارض تتدخل السلطة القضائية بقصد تقويضه دون البحث عن مسبباته إلا بالقدر اللازم لمواجهة الحالة العرضية مـــن خـلال تحديــــد التدبيـــــر الملائم كما" وكيفا" (3) . ولقد ذهب رأي في الفقه إلى أن الوصف القانوني أو النموذج القانوني للجريمة أو إعطاء الواقعة اسم قانوني خاص بها هو ذاته التكييف ويطلق عليه بالتكييف القانوني . إلا إننا ننتقد وبشدة هذا الرأي ونقول بضرورة التفرقة بين الوصف القانوني والتكييف القانوني للجريمة , وذلك استنادا إلى رأي بعض الفقه الذي يرى وجود فارق أساسي بين الاسم القانوني ( الوصف القانوني ) للجريمة والتكييف القانوني لها , فالأول اشمل من الثاني , حيث تندرج مجموعة التكييفات القانونيــة تحـــــت الاسم ( الوصف) القانوني الواحد للجريمة , وكذلك فأن توافر الأركان الخاصة للجريمة هو الذي يحدد اسمها (وصفها ) القانوني , في حين إن توافر عناصر قانونية معينة تدخل في كيان الجريمة دون أن تعد من أركانها هو الذي يحدد تكييفها القانــوني الذي يقـــــوم بــــه القاضـــي ويطلــــق عـــلـــى الأخيــــرة (( الظروف التي تغير من تكييف الجريمة )), ومثال على ذلك يقال بأن القتل العمد والسرقة وصفان (اسمان) قانونيان وكل منهما يدل على مجموعة من الجرائم تختلف آحادها في التكييف القانوني الذي يباشره القاضي وفقا للنص أو النموذج القانوني المحدد سلفا , وتحقيق كل وصف قانوني رهن بتوافر الأركان الخاصة بالقتل العمد أو السرقة , فإذا تتبعنا مجموعة الجرائم التي توصف بأنها قتل عمد نجد من آحادها ما يوصف بأنه قتل عمد مع سبق الإصرار أو قتل عمد باستعمال المفرقعات وكل منها يحمل وصف قانوني معين , وكذلك السرقة فهناك في آحادها ما يوصف بأنه سرقة من خادم بالأجرة أو سرقة بالليل أو سرقة باستعمال سلاح وتسور , وكل منها ذو وصف قانوني محدد في القانون , وبالتالي يجب على القاضي عندما تعرض عليه واقعة معينة أن يردها إلى وصفها القانوني من حيث توافر الشروط والأركان التي تطلبها القانون سلفا (4) .
       ويلاحظ بان تكييف القاضي الجنائي لجريمة معينة وفقا لوصفها القانوني أي طبقا لنموذجها المحدد في القانون وبالتالي إنزال هذا الوصف القانوني للفعل المجرم على الواقعة المعروضة أمام القاضي يلزم القاضي المدني بهذا التكييف , فإذا كيف القاضي الجنائي الواقعة بأنها سرقة فلا يمكن للقاضي المدني أن يكيفها بأنها نصب أو خيانة أمانة , لكن القاضي المدني يستطيع أن يكيف الجريمة تكييفا آخر من الناحية المدنية من اجل تقرير المسؤولية المدنية وبالتالي الحصول على التعويض , فمثلا إذا حكمت المحكمة الجنائية ببراءة المتهم من تهمة إتلاف منقولات الغير بلا عمد لان القانون الجنائي لا يعاقب عليها التزمت المحكمة المدنية بهذا التكييف ,فـــــلا تستطيع أن تقـــــرر بان الإتــــــلاف حصـــل عمدا لأنه يخالف الحكم الجنائي (5) .
       وبناء" على هذه الحجج الفقهية يتضح لنا بان الوصف القانوني للجريمة ليس إلا تحديد الجريمة في نموذج أو نص قانوني يتضمن أركان هذه الجريمة بالإضافة إلى عقوبتها وفقا لمبدأ الشرعية الجنائية , والمشرع هو الذي يقوم بهذه المهمة وليس القاضي , حيث إن الأخير مهمته إنزال وتطبيق حكم النص أو النموذج القانوني على الواقعة المعروضة أمامه . 

الموقف القانوني والقضائي من الوصف القانوني للجريمة :-  
       يستند الموقف القانوني من هذا الموضوع إلى مجموعة من المواد القانونية التي تنص على كلمة الوصف القانوني صراحة أو إشارة سواء أكان ذلك في قانون العقوبات أم في قانون الإجراءات الجنائية (القانون الجنائي ), والتي أشارت إلى إن الوصف القانوني للجريمة ما هو إلا عملية سابقة للتكييف القانوني للجريمة وما على القاضي الذي يريد أن يطبق القانون على الواقعة المعروضة إلا أن ينزل الوصف أو النموذج القانوني المحدد من قبل المشرع سلفا على تلك الواقعة .
       فالمواد ( 51 , 52 , 54) (6) من قانون العقوبات العراقي تشير إلى الأخذ بالوصف القانوني للجريمة والمحدد من قبل المشرع . فالمادة (51) من هذا القانون تنص على انه (( إذا توافرت في الجريمة ظروف مادية من شأنها تشديد العقوبة أو تخفيفها سرت آثارها على كل من ساهم في ارتكابها فاعلا كان أو شريكا علم بها أو لم يعلم . أما إذا توافرت ظروف مشددة سهلت ارتكاب الجريمة فلا تسري على غير صاحبها إلا إذا كان عالما بها . أما ما عدا ذلك من الظروف فلا يتعدى أثرها شخص من تعلقت به سواء كانت ظروفا مشددة أو مخففة )). أما المادة (52) من القانون ذاته فتنص بأنه (( إذا توافرت أعذار شخصية معفية من العقاب أو مخففة له في حق احد المساهمين – فاعلا أو شريكا – في ارتكاب الجريمة فلا يتعدى أثرها إلى غير من تعلقت به . أما الأعذار المادية المعفية من العقاب أو المخففة له فأنها تسري في حق كل من ساهم في ارتكاب الجريمة )). في حين إن المادة (54) منه تنص علـــى انه (( إذا اختلف قصد احد المساهمين في الجريمة – فاعلا أو شريكا – أو كيفية علمه بها عن قصد غيره من المساهمين أو عن كيفية علم ذلك الغير بها عوقب كل منهم بحسب قصده أو كيفية علمه )).
        وقد يقال بأن المشرع العراقي في هذا القانون لم يرد كلمة ( وصف قانوني ) في المواد أعلاه وبالتالي كيف يمكن عده قد اخذ بتعبير الوصف القانوني ؟ . يجيب بعـــــض الفقــه العراقي – والذي نؤيده – على هذا التساؤل بالقول :إن تحقق الظروف الشخصية المشددة والخاصة بأحد الجناة تقتضي في الواقع العملي تغيير وصف الواقعة وبالتالي تغير وصف الجريمة وفقا لمادة أو فقرة أخرى منصوص عليها في القانون ذاته الذي يتناول جريمة غير تلك التي خضعت لها تلك الجريمة قبل تحقق الظروف الشخصية المشددة , وكذلك الحال بالنسبة للأعذار القانونية المخففة حيث إنها تغير من وصف الجريمة لأنه عندما تتقرر عقوبة جنحة من قبل المشرع لجريمة كان معاقب عليها بعقوبة جناية فان هذا يعني إن المشرع قد نقص من جسامة الجريمة في صورتها الجديدة المقترنة بالعذر وعدها ليس بجسامة الجناية بل بجسامة الجنحة , وهذا ما يقتضي تغيير وصفها القانوني أي إخضاعها لنص قانوني آخر في قانون العقوبات يشدد أو يخفف عقوبتها نتيجة اقترانها بالظرف المشدد أو العذر المخفف (7) . وحتى يمكن تفادي أي انتقاد قد يطرح في المستقبل فانا ندعوا المشرع العراقي إلى النص صراحة في هذه المواد على عــبارة (تغير الوصـــــف القانوني للجريمــــة بتأثير إحدى الظروف أو الأعذار المنصوص عليها في هذه المواد ) حتى يمكن تبيان ما لهذه الظروف والأعذار من تأثير في تغيير الوصف القانوني للجريمة .  
       أما في قانون العقوبات المصري فقد أشارت المواد (39, 41, 42) المتعلقة بالمساهمة الجنائية الأصلية أو التبعية , حيث من الممكن أن يتغير الوصف القانوني لجريمة يرتكبها احد الفاعلين أو احد الشركاء دون غيره من المساهمين في حالة تغير الوصف بتغير القصد الجرمي لديه فقط .
       هذا ويلاحظ بان بعض القوانين العقابية العربية قد ذهبت إلى ابعد من ذلك حينما عرفت الوصف القانوني للجريمة بأنه تحديد للجريمة بحسب ما تفرضه بشأنها النصوص القانونية من عقوبة (8) . وقد أوضحت هذه القوانين أيضا بأنه لا يتغير الوصف القانوني إذا أبدلت العقوبة المنصوص عليها قانونا بعقوبة اخف نتيجة الأخذ بالأسباب المخففة إلا إن الأمر يجري خلاف ذلك عند الأخذ بالأعذار, أما إذا كان للفعل عدة أوصاف (أي كون عدة جرائم ) ذكرت جميعها في الحكم بدون أن يفرض على الفاعل إلا العقوبة التي يستلزمها الوصف الأشد ( أي الجريمة الأشد) , أما إذا تفاقمت النتائج الجرمية للفعل بعد الملاحقة الأولى فأصبح قابلا لوصف قانوني اشد (أي جريمة تكون عقوبتها اشد من الأولى ) فانه يلاحق بهذا الوصف (التحديد القانوني وفقا للنموذج قانوني أو الاسم القانوني ) وتنفذ العقوبة الأشد دون غيرها , فإذا كانت العقوبة المقضي بها سابقا قد نفذت تسقط مدتها من أصل العقوبة الجديدة (9) .
      أما بالنسبة لقانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم 23 لسنة 1971 فقد أشار إلى عبارة الوصف القانوني صراحة , وذلك في المادة (187) منه . حيث نصت هذه المادة على أن (( أ- تحرر التهمة في ورقة خاصة يتصدرها اسم القاضي ووظيفته وتتضمن اسم المتهم  وهويته ومكان وقوع الجريمة وزمانها ووصفها القانوني واسم المجني عليه والشيء الذي وقعت عليه الجريمة والوسيلة التي ارتكبت بها والمواد القانونية المنطبقة عليها وتؤرخ ويوقعها رئيس المحكمة أو القاضي . ب- لا تتقيد المحكمة في تحديد الوصف القانوني للجريمة بالوصف الوارد في أمر القبض أو ورقة التكليف بالحضور أو قرار الإحالة )) . وكذلك الحال بالنسبة للمادة (224/أ) من القانون ذاته التي نصت على أن (( يشتمل الحكم أو القرار على اسم القاضي أو القضاة الذين أصدروه واسم المتهم وباقي الخصوم وممثل الادعاء العام ووصف الجريمة المسندة إلى المتهم ومادتها القانونية والأسباب التي استندت إليها المحكمة في إصدار حكمها أو قرارها وأسباب تخفيف العقوبة أو تشديدها ,...)) . ويلاحظ هنا بأنه وعلى الرغم من الاتجاه المحمود لمشرع العراقي في النص صراحة على الوصف القانوني للجريمة في قانون أصول المحاكمات الجزائية بعكس قانون العقوبات , إلا إننا نعتقد بان عبارة (...,والمواد القانونية المنطبقة عليها,...) في المادة (187) وعبارة ( ...,ومادتها القانونية ...,) في المادة (224 / أ )  هي تزيد لا حاجة له , وذلك لان الوصف القانوني للجريمة يشمل بالضرورة ذكر المواد القانونية المنطبقة عليها ,وهذا ما تؤكده المادة (66/4) من قانون الإجراءات الجزائية القطري رقم 15 لسنة 1971, والمادة (130/4) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي رقم 17 لسنة 1960 , واللتان بينتا أن الوصف القانوني للجريمة يجب أن يتضمن ذكر المواد القانونية التي تنطبق عليها أو الاسم الذي يطلقه القانون عليها – إن وجد – مع ذكر ما يرتبط بها من ظروف مشددة . لذلك كله ندعوا المشرع العراقي إلى حذف هاتين العبارتين من المادتين (187/ أ , 224/ أ ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي . ويلاحظ أيضا بان عبارة الوصف القانوني قد وردت صراحة في المادة (260) (10) من القانون ذاته التي نصت على انه (( لمحكمة التمييز أن تبدل الوصف القانوني للجريمة التي صدر الحكم بإدانة المتهم فيها إلى وصف آخر يتفق مع طبيعة الفعل الذي ارتكبه وتقرر إدانته وفق المادة القانونية التي ينطبق عليها هذا الفعل وان تصدق العقوبة إذا وجدتها مناسبة للفعل أو تخففها ) . في حين إن قوانين إجرائية عربية أخرى لم تشر صراحة إلى  الوصف القانوني بل أشارت إلى معناه فقط كالمادة (238 / ج ) من قانون الإجراءات الجنائية الصومالي المعدل سنة 1970 , حيث أشارت إلى انه ((1- يجوز طلب إعادة النظر في الأحوال الآتية :- ...,ج- إذا كانت الوقائع التي تقررت أساسا للإدانة لا تتفق مع تلك التي تقررت في حكم جنائي آخر غير قابل الرجوع ,...)) . ومن جهة أخرى يمكن ملاحظة إن الوصف القانوني للجريمة ليس إلا الاسم القانوني الذي يعطيه إياها القانون ذاته والذي يصدر عن المشرع , وهذا مــا أكدت عليه المـــادتان ( 92 ,102) من قانـــــون أصول المحاكمات الجزائية البحريني لسنة 1966 .
       أما بالنسبة للموقف القضائي من الوصف القانوني للجريمة فان هناك العديد من القرارات القضائية الصادرة عن محكمة النقض المصرية ومحكمة التمييز الاتحادية العراقية الصادرة بهذا الشأن والتي تشير أما صراحة أو ضمنا أن الوصف القانوني ليس إلا النص القانوني المحدد سلفا من قبل المشرع للفعل أو الواقعة الذي يوصف بأنه جريمة . ومن ذلك ما جاء في احد أحكام محكمــــة النقــــض المصريــــة بــــان (( محكمة الموضوع مكلفة بان تمحص الواقعة المطروحة أمامها بجميع كيوفها وأوصافها وان تطبق عليها نصوص القانون تطبيقا صحيحا دون أن تتقيد بالوصف القانوني الذي تسبغه النيابة العامة على الفعل المسند إلى المتهم , ولا يقدح في هذا أن حق الدفاع يقتضي بان تعين للمتهم التهمة التي توجه إليه ليرتب دفاعه عنها , ذلك بان حق المحكمة في تعديل التهمة في أثناء المحاكمة يقابله واجب مقرر عليها بمقتضى المادة ( 308 ) من قانون الإجراءات الجنائية وهو أن تبين للمتهم التهمة المعدلة وتتيح له فرصة تقديم دفاعه عنها كاملا , كما إن تغيير المحكمة التهمة من الاختلاس إلى الإضرار العمدي ليس مجرد تغيير في وصـــــف الأفعال المسندة إلى الطاعنين في أمر الإحالة مما تملك محكمة الجنايات إجراءه في حكمها بغير سبق تعديل في التهمة عملا بنص المادة آنفة الذكر , وإنما هو تعديل في ذات التهمة لا تملك المحكمة إجراءه إلا في أثناء المحاكمة وقبل الحكم في الدعوى لأنه يتضمن إسناد واقعة جديدة إلى الطاعنين لم تكن واردة في أمر الإحالة وهي واقعة الإضرار العمدي ولما كانت مدونات الحكم المطعون فيه ومحاضر جلسات المحاكمة قد خلت مما يدل على أن المحكمة قد نبهت الدفاع عن الطاعنين إلى تعديل وصف التهمة ,..., فان الحكم المطعون فيه يكون قد بني على إجراء باطل ومشوبا بالإخلال بحق الدفاع )) (11) . ويشير هذا الحكم إلى أن المحكمة المختصة عندما لا تنبه الدفاع عن المتهمين إلى الوصف القانوني الجديد ( وهو هنا الإضرار العمدي بدلا عن الاختلاس ) الذي ينطبق على الواقعة فان ذلك يعد إخلالا بحق الدفاع مما يستوجب معه نقض الحكم  .
        كما أشارت المحكمة ذاتها إلى أن الوصف القانوني ليس إلا النص القانوني المحدد سلفا من قبل المشرع وليس ما يخلعه القاضي للواقعة من تحديد في العـــــديد مـــــن أحكامــــها ومـــــن ذلك ما قضــت بأنه (( لما كانت جريمة إقامة بناء على جسر النيل وجريمة التعدي على أملاك الدولة بالبناء عليها يجمعهما فعل مادي واحد وهو : إقامة البناء سواء تم على ارض مملوكة للدولة , أو أقيم بدون ترخيص , ومن ثم فان الواقعة المادية التي تتمثل بإقامة البناء هي عنصر مشترك بين كافة الأوصاف القانونية التي يمكن أن تعطى لها , والتي تتباين صورها بتنوع وجه المخالفة للقانون , ولكنها كلها نتائج ناشئة عن فعل البناء الذي تم مخالفا له , لما كان ذلك , فقد كان يتعين على المحكمة التزاما بما يجب عليها من تمحيص الواقعة بكافة كيوفها وأوصافها , أن تضفي عليها الوصف القانوني الصحيح وهو – أيضا – التعدي على ارض مملوكة للدولة بإقامة بناء عليها , أما وإنها لم تفعل فإنها تكون قد أخطأت في تطبيق القانون )) (12) . وبالتالي يتضح من هذا الحكم إن محكمة النقض المصرية تشير وبصراحة إلى أن الواقعة الواحدة يمكن للمشرع أن يعطيها أكثر من وصف قانوني وبطبيعة الحال فان لكل وصف تحديد بنص قانوني معين وبعقوبة معينة في ذلك النص المحدد من قبل المشرع .
       أما بالنسبة لمحكمة التمييز الاتحادية العراقية فإنها أشارت أيضا أما صراحة أو ضمنا إلى معنى الوصف كما اشرنا إليه , وذلك في العـــديد من القرارات القضائية التي أشارت فيها إلى ذلك . ومنها ما أكدته المحكمة في هذا المجال بأنه (( لدى التدقيق والمداولة وجد أن محكمة الجنايات قد أخطأت في التكييف القانوني للجريمة ووصفها وفق( القرار 39 لسنة 1994 ) عقوبات وذلك إن الثابت من وقائع الدعوى المستخلصة من أدلتها فان فعل المتهم (ع ف ج ) يشكل جريمة تنطبق وأحكام المادة ( 240 ) عقوبات وعليه واستنادا لأحكام المادة (260) من قانون أصول المحاكمات الجزائية قرر تبديل الوصف القانوني للجريمة إلى المادة (240) عقوبات وتجريمه بموجبها وحيث إن العقوبة المفروضة بحقه أصبحت (شديدة والوصف الجديد قرر تخفيفها إلى الحبس مدة ستة أشهر وإشعار دائرة السجن بذلك ) وصدر القرار بالاتفاق في 29 / ذو القعدة / 1427هــ  الموافق 20 / 12 / 2006م )) (13) . وقررت أيضا في قرار آخر لها بأنه (( لدى التدقيق والمداولة وجد أن محكمة جنايات البصرة الثانية قد أخطأت في تكييف فعل المتهم (هــ ك ع  ) عندما قررت بتاريخ 8 / 11 / 2006 بالدعوى المرقمة ,..., تجريم المتهم المذكور وفق أحكام المادة 441/ أولا وثانيا عقوبات بدلالة أمر سلطة الائتلاف 31 لسنة 2003 وذلك لان الثابت من وقائع الدعوى أن المتهم المذكور وبالاشتراك مع المتهم المفرقة قضيته قام بطعن المشتكي ( ح ج ) وسرقة سيارته وتبين من التقرير الطبي الصادر بحق المشتكي بأنه أصيب بإصابات جراء طعنه بالسكين واكتسب الشفاء التام عليه فان فعل المتهم ينطبق وأحكام المادة 442 / ثالثا عقوبات بدلالة أمر سلطة الائتلاف رقم 31 لسنة 2003 لذا قرر تبديل الوصف القانوني للجريمة إلى المادة أعلاه وتجريم المتهم بموجبها وحيث إن العقوبة المفروضة على المتهم  بالسجن المؤبد جاءت خفيفة حيث إن ظروف الحادث وكثرة سرقة السيارات باستعمال العنف لا تستوجب تخفيف العقوبة لذا قرر نقض قرار فرض العقوبة وإعادة أوراق الدعوى إلى محكمتها بغية تشديد العقوبة دون الاستدلال بالمادة 132 عقوبات ورد الطـــعن وصــــدر القــــــرار بالاتفــــــاق فــــــي 8 / ربيع الثاني / 1428 هــ الموافق 26 /4 / 2007 )) (14) .
        وأول ما يلاحظ على القرار الأول هو التفرقة الواضحة بين التكييف القانوني والوصف القانوني وذلك من خلال حرف ( الواو ) بين عبارة ( التكييف القانوني للجريمة ووصفها ) وبالتالي التفرقة بين معنى الوصف والتكييف , وكذلك الإشارة الصريحة إلى أن الوصف القانوني ليس إلا  التحديد القانوني لواقعة معينة من قبل المشرع  وما العدول عن الحكم وفقا للقرار (39 لسنة 1994) إلى الحكم وفقا للمادة ( 240 ) عقوبات إلا توجيها لمحكمة الموضوع لتجعل تكييفها متناسبا مع الوصف القانوني المناسب ألا وهو النص أو المادة القانونية الجديدة وبالتالي فقد تغير الوصف القانوني من نص قانوني معين إلى نص قانوني آخر . أما القرار الثاني فقد أشار صراحة إلى ما اشرنا إليه سابقا فيما يتعلق بالوصف القانوني للجريمة وذلك بتقرير تبديل الوصف القانوني .  بل إن محكمة التمييز الاتحادية العراقية قد ذهبت في العديد من قراراتها إلى وجوب انطباق نص قانوني آخر على الواقعة المعروضة على المحكمة الموضوع بدلا من النص القانوني الذي حكمت به (15) ,وذلك إن دل على شيء فانه يدل على أن الوصف القانوني ليس إلا النص أو النموذج القانوني للواقعة التي جرمها المشرع بسبب انتهاكها لحق من حقوق الإنسان أو لحرية من حرياته .
        ومن كل ما تقدم يتضح بان الوصف القانوني للجريمة يتمثل بما يقوم به المشرع من تحديد للنص القانوني الواجب التطبيق من قبل القاضي على الواقعة المعروضة أو المطروحة أمامه , وهذا النص موجود في القانون الذي يشرعه المشرع لغرض مواجهة الجرائم وتحديد عقوباتها ألا وهو قانون العقوبات الموجود في كل دولة من الدول .

Post a Comment

أحدث أقدم