نظام تقسيط العقوبات  
     أخذ المشرع الفرنسي بنظام تقسيط العقوبات Fractionnement des peines  في قانون العقوبات الجديد في المادة 132–27 التي تقرر أنه "يجوز للمحكمة في مواد الجنح وللأسباب جدية طبية أو عائلية أو مهنية أو اجتماعية ، أن ينفذ الحبس المحكوم به لمدة سنة على الأكثر بالتقسيط ، خلال فترة لا تتجاوز ثلاث سنوات ولا تقل مدة كل تقسيط عن يومين". ويظهر من هذه المادة أن نظام تقسيط العقوبات لا يسري إلا بشأن الجنح دون الجنايات ويصدر القرار به من المحكمة المختصة وليس من قاضي تطبيق العقوبات. وهي نظام يقترب في مجموعه من النظام البلجيكي المعروف باسم "حبس نهاية الأسبوع" سالف الإشارة إليه.

ونهيب من جانبنا بالمشرع المصري أن يوسع من الأخذ بهذه البدائل كي يتجنب مساوئ العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة ، والتي انتشرت بعد تفشي ظاهرة "تسعير العقاب" Système de trafication de la punition في النظام القضائي المصري ، أي إصدار القضاء أحكام متماثلة في الجرائم المتماثلة دون اعتبار لشخصية المحكوم وظروفه ، وكذلك ما يسمى "عقدة الحد الأدنى" ، أي ميل القضاة إلى إصدار أحكام تقترب من الحد الأدنى للعقوبة[1].



إشكاليات التدابير الاحترازية
     سبق وأن ذكرنا أن كلاً من العقوبات والتدابير تتحد في التكيف من حيث كونهما جزاءات جنائية. هذه الوحدة أثارت جدلاً في الفقه حول مدى جواز الجمع بين كلاً من الجزاءين ومدى استقلال كل منهما عن الآخر. والواقع أن لهذا التساؤل مستويين ، الأول يتعلق بمدى جواز الجمع بين الجزاءين على مستوى التشريع ، والثاني يتعلق بمدى جواز الجمع بينهما في مرحلة التطبيق.

1-                  أولاً : مدى قابلية العقوبات والتدابير للوحدة في مرحلة التشريع[2] :
     يذهب اتجاه في الفقه – خاصة من بين أنصار مدرسة الدفاع الاجتماعي - إلى القول بإمكانية الجمع بين كلاً من العقوبات والتدابير في نظام واحد L’unification de la peine et de la mesure de sûreté ، قائلين بأن ذلك لا يتعارض مع أهداف السياسة الجنائية ، متى كانت الفوارق بين نوعي الجزاء ليست بالفروق العميقة. فعند هذا الاتجاه يتحد كلاً الجزاءين في الغاية كما أنهما من حيث الموضوع يمسان بحق من حقوق المجرم ، على الأخص إذا كان سالب أو مقيد للحرية. كما أن كلا الجزاءين يخضع لمبدأ الشرعية بحيث لا يجوز تقريرهما إلا بناء على قانون وينطبق بشأنهما مبدأ القضائية. كما يؤكد هذا الاتجاه على أنه لا يجوز التعليل من أجل رفض فكرة التوحيد بكون التدابير تهدف إلى مواجهة الخطورة الإجرامية بينما العقوبة تستهدف في الأصل تحقيق الردع والعدالة ، وذلك لأن تطبيق العقوبة وتنفيذها يستند إلى حد كبير على درجة خطورة الجاني الإجرامية.

وفوق أن كلا الجزاءين يهدف إلى تحقيق الردع الخاص ، فإن التدابير يمكن أن تشارك العقوبة تحقيق الردع العام والعدالة. ذلك أن التدابير وما تنطوي عليه من ألم غير مقصود وبحسبانها جزاء مرتبط بوقع جريمة يجعل العامة تربط بين هذه الصورة من الجزاءات وبين الجريمة المرتكبة ، مما يخلق في نفوس العامة نوعاً من الزجر والترهيب (الردع العام) والكافي لتحقيق العدالة.

وعلى الجانب الآخر يؤيد بعض الفقه فكرة استقلالية العقوبة عن التدابير وعدم قابليتهما للجمع في نظام عقابي موحد. وعلة ذلك أن العقوبة تقوم على أسس أخلاقية تستهدف توجيه اللوم القانوني للمجرم مما يوجب عند وزنها الرجوع إلى ماضي المجرم لمحاسبته على جريمته وإلى جسامة الواقعة الإجرامية ودرجة الإثم الذي صاحب الإرادة ، حتى تكون العقوبة في النهاية متعادلة ومتناسقة مع تلك العناصر. تلك الأمور لا تتوافر بشأن التدابير فهي لا تتوجه إلا إلى المستقبل كي تقي المجتمع الخطورة الإجرامية المتمثلة في احتمالية وقوع الجريمة في المستقبل. لذا فإنها لا تقاس - في الأصل - حسب جسامة الواقعة الإجرامية ولكن بحسب درجة خطورة المجرم. ولهذا كله كانت العقوبة محددة المدة بخلاف التدابير التي يتوقف انتهائها أو تعديلها على ما سوف يكشف عنه مستقبل المجرم ومدى تفاعله مع المجتمع وتقلص نوازع الشر داخله.

ولدينا أن هذا الرأي الأخير يجب تأييده ، ذلك أن الجمع بين العقوبة والتدابير في نظام عقابي واحد سوف يؤدي إلى تغليب أغراض العقوبة أو أغراض التدابير ، وفي ذلك ضرر بالمجتمع. حيث أن تغليب أغراض العقوبة فيه من التشديد تجاه المجرمين الذين تقل درجة خطأهم عن درجة خطورتهم الإجرامية. كما أن تغليب مقتضيات التدابير قد يؤدي إلى التساهل مع المجرمين اللذين تقل لديهم الخطورة عن درجة خطأهم.

وفي رأينا أنه يجب أن يبقى لكل من الجزاءين مجاله الخاص ، فيبقى للتدبير طبيعته كأسلوب دفاع اجتماعي لا يجازي خطيئة ولا يعبر عن لوم ولا يصم من ينزل به بالعداء للمجتمع أو التقصير قبله ، على العكس من العقوبات التي يظل مناط توقيعها الخطأ الجنائي ويبقى الإيلام جزء من كنهها ومقصود كي يعبر عن طبيعتها كجزاء أخلاقي.

ويكفينا دليل على سلامة رأينا هذا المبني على استقلالية الجزاءين أن الجمع بين العقوبة والتدبير في نظام موحد سوف يضع على قدم المساواة من حيث طبيعة الجزاء الأشخاص الذين تتوافر بشأنهم عناصر المسئولية الجنائية ومن يتوافر بشأنهم مانع من موانع المسئولية كجنون أو كعاهة في العقل أو كصغر السن.

ويبدو أن هذا الرأي هو الراجح لدى غالبية التشريعات الجنائية. فبه أخذ القانون الإيطالي والألماني واليوناني والسويسري والدنماركي ، وكذلك بعض التشريعات العربية كالقانون اللبناني والسوري والعراقي والجزائري ومشروع من قانون العقوبات المصري في عام 1967. وقد أخذ بهذا الأسلوب أيضاً - وإن كان بشكل ضمني – التشريع الفرنسي والتشريع المصري. بل لقد عدلت التشريعات التي كان قد سبق لها أن أخذت بفكرة التوحيد إلى نظام الاستقلال ومن ذلك التشريع السوفيتي الصادر عام 1926 والذي عدل عن فكرة الوحدة تحت مسمى "تدابير الدفاع الاجتماعي" إلى نظام استقلال العقوبة عن التدابير عام 1958.

2-                  ثانياً : مدى قابلية العقوبات والتدابير للوحدة في مرحلة التطبيق :
     ينصب التساؤل في تلك النقطة حول مدى جواز الجمع بين العقوبة والتدبير كجزاء عن جريمة واحدة توافر في شأن مرتكبها عناصر المسئولية الجنائية وكذلك الخطأ تعبير عن الإرادة الجنائية الآثمة مما يوجب توقيع العقوبة ، وتوافرت لدية الخطورة الإجرامية ، مما يوجب توقيع تدبير. فهل يطبق على هذا المجرم عقوبة مقابل ما بدر منه من خطأ فضلاً عن التدبير لقاء ما ظهر لديه من خطورة إجرامية ؟

هذا التساؤل يطرح جانباً حالة الأشخاص الذين لا يتوافر بشأنهم إلا أحد الأساسين الذين يبنى عليهما الجزاء الجنائي عقوبة أم تدبير ، ألا وهما الخطأ والخطورة. فالمجرم بالصدفة لا يثور بشأنه هذا التساؤل حيث يتوافر لدى هذا النمط الإجرامي الخطأ دون الخطورة ، كما أن المجرم المجنون تتوافر بشأنه الخطورة دون الخطأ مما لا يجعل لهذا التساؤل محلاً بشأنه أيضاً. وبالتالي فإن المشكلة ستثور بشأن أولئك الذين تكتمل لديهم عناصر الأهلية الجنائية ، كحالة المعتاد على الإجرام والأشخاص ناقصي الأهلية كالشواذ أو ذوي المسئولية المخففة[3].

وللإجابة على التساؤل المطروح ذهب البعض إلى أنه لا مانع من الجمع بين العقوبة والتدبير كجزاء واحد طالما اجتمع لدى الجاني مرتكب الجريمة الخطأ والخطورة. فهذا أمر يحتمه المنطق القانوني ، كي تكون العقوبة مقابل الخطأ ويكون التدبير مقابل الخطورة. وعلى هذا سارت التشريعات الغالبة كالتشريع الألماني والإيطالي واليوناني والفرنسي ومشروع قانون العقوبات المصري والقانون اللبناني.

على أن الأخذ بهذا الرأي يوجب طرح تساؤل آخر مؤداه بأي الجزاءين - عند الجمع بينهما عن جريمة واحدة - يبدأ التنفيذ.

ذهب البعض إلى ضرورة البدء في تنفيذ العقوبة ، حيث أن البدء في تنفيذها متى كان الخطأ ثابتاً أمر يحقق الردع العام ، فالتأخير في تنفيذها يقتل في النفوس الزجر والترهيب. فإذا ما نفذت وتحقق الهدف منها أمكن البدء في تنفيذ التدابير بقصد التأهيل أو العلاج. في حين ذهب البعض إلى ضرورة البدء بتطبيق التدابير باعتبارها أسلوباً علاجياًُ وتأهيلياً للمجرم تهدف إلى إعادته إلى حظيرة المجتمع كشخص سوي يدرك معنى العقاب ويتفهم دلالته. فلا شك أن البدء في تنفيذ العقوبة قد يعقد من نفسية المجرم ويجعل تحقق أغراض التأهيل والإصلاح والعلاج المستهدفة من التدابير أمراً صعباً فيما بعد.

ولدينا أن هذا الرأي الذي يرى جواز الجمع بين العقوبة والتدبير كجزاء عن جريمة واحدة يجب رده وعدم الأخذ به. وعلة ذلك أن هناك تناقض جوهري بين العقوبة كوسيلة إيلام وبين التدبير كوسيلة علاج ، والجمع بين الوسيلتين في مجرم بعينه فيه تجاهل لوحدة شخصية الإنسان وتمزيق لها. فالتناقض في معاملة المجرم سوف يؤدي إلى إحداث خلل اشد في شخصيته. فالبدء بتنفيذ عقوبة على مجرم يعاني شذوذاً قد يؤدي إلى زيادة الشذوذ تجاهه ، بحيث يصبح من الصعب علاجه فيما بعد عن طريق التدابير. كما أن البدء بتنفيذ التدبير بهدف العلاج قد يوقف فوائدة العقوبة التي توقع لاحقا[4]. من هنا نرى ضرورة تغليب أحد الجزاءين على الأخر إذا اجتمع في شخص واحد الخطأ والخطورة. ولدينا أنه من الضروري في تلك الحالة تغليب الخطأ بما يوجب توقيع العقوبة دون التدبير. ذلك أن العقوبة تشتمل على أهداف أعم وأشمل وتجب في داخلها هدف التدابير المتمثل في تحقيق الردع الخاص[5].

ونود أخيراً الإشارة إلى أن مبدأ عدم جواز الجمع بين الجزاءين عن جريمة واحدة وفي شخص واحد قد أوصىت به المؤتمرات الدولية ، ومنها مؤتمر لاهاي الدولي في عام 1950، والمؤتمر الدولي السادس لقانون العقوبات بروما عام 1953 ، والمؤتمر الأوروبي لمكافحة الجريمة ومعاملة المذنبين بجنيف في عام 1956.


[1] في ذات المعنى ، د. يسر أنور علي ود. آمال  عبد الرحيم عثمان ، المرجع السابق ، ص363. 
[2]  J. Pradel, op. cit., p. 437 et s ; R. Merle et A. Vitu, op. cit., p. 745 et s ; S. Jiménez de Asua, La mesure de sûreté, sa nature et ses rapports avec la peine, RSC. 1954, p. 17 et s ; W. Sauer, Le problème de l’unification des peines et des mesures de sûreté, RIDP. 1953, p. 601.
[3] د . محمود نجيب حسني ، المرجع السابق ، ص145–146.
[4] في ذات المعنى د. محمود نجيب حسني ، المرجع السابق ، ص147 ، د. محمد زكي أبو عامر ، ص467 ، د. أحمد شوقي أبو خطوة ، المرجع السابق ، ص528.
[5] R. Merle et A. Vitu, op. cit., p. 745 et s.

Post a Comment

أحدث أقدم