الجدل الفقهي حول عقوبة الإعدام :
2-
تمهيد
وتقسيم :
ظلت عقوبة الإعدام محتفظة بضرورتها العقابية في الردع
فيما قبل القرن الثامن عشر. فجان جاك روسو دعا إلى الاحتفاظ بتلك
العقوبة بحسبان أن الفرد بموجب العقد الاجتماعي قد قبل
اندماجه في الجماعة وقبل قيام المجتمع بصيانة حقه في الحياة ، فإذا ما اعتدى الفرد
بنفسه على المجتمع في شكل القتل فقد قبل مقدماً إعدامه. كما أن بيكاريا قد حبذ
الإبقاء على عقوبة الإعدام في ظروف الفتنة السياسية والاضطرابات التي تتطلب توقيع أقصى العقوبات
من أجل إقرار النظام. كما أن الشريعة الإسلامية تقرر هذه العقوبة كجزاء لبعض جرائم
الحدود والقصاص[2]. بل هى سمة من سمات النظام الجنائي الإسلامي وإرثا من تراثه.
على أنه منذ مطلع القرن الثامن عشر بدأ المفكرين
والفلاسفة ينحون نحو مهاجمة هذه العقوبة ، فنشأ في الفقه
تيارين منقسمين بين مؤيد ومعارض ولكل حجه وأسانيده. وتتصل هذه الآراء - مع تنوعها - بشرعية عقوبة الإعدام ، وملاءمتها ، وطبيعتها ، وكذلك فائدتها.
3-
أ :
الجدل من حيث شرعية
عقوبة الإعدام :
انتقد الرأي
القائل بوجوب إلغاء عقوبة الإعدام هذه العقوبة من حيث أنها لا تجد سنداً شرعياً. وفى تفسير ذلك يقولون بأن
المجتمع لم يهب الحياة للفرد ، بل إن تلك الحياة هى هبة الخالق عز وجل ، وبالتالي
فإن الدولة أو المجتمع لا يحق له أن يحرم الفرد من حقه في الحياة.
بيد أن القائلين بالإبقاء على تلك العقوبة يردون على
ذلك بقولهم أن الحرية أيضا هبة الله للإنسان وليست هبة المجتمع لأن الأفراد ولدوا أحراراً. فلماذا لم يتم الاعتراض على
العقوبات السالبة للحرية مع أن أساس حق العقاب واحد بالنسبة لكافة العقوبات على
اختلاف أنواعها. وبالتالي فإن البحث في شرعية العقاب من حيث مانح الحق في الحياة
أو الحق في الحرية سيؤدى إلى تعطيل تطبيق العقوبات جميعها.
4-
ب : الجدل
من حيث تطبيق
عقوبة الإعدام :
قيل في الاعتراض على هذه العقوبة انه لا يمكن الرجوع
فيها أو إزالة أثارها ، فهى عقوبة ذات حد واحد ولا يستغرق تنفيذها
زمناً. فإذا ما نفذت استحال
الرجوع فيها وإصلاح
ما يكون قد حدث من خطأ في الحكم القضائي. فإدانة البريء أمر مازال ممكن ،
وسيؤذي العدالة كذلك كون الإدانة قد تضمنت عقوبة
الإعدام. فالضمير العام سوف يظل مثقلاً بذنب لا يمحى متمثلا في إعدام
شخص برئ.
غير أن المؤيدين لهذه العقوبة يردون على ذلك بأن كافة
التشريعات التي أبقت على تلك العقوبة تحيطها بالعديد من الضمانات التي تمنع أو
تحول دون الوقوع في الخطأ القضائي. كما أن هذا الأخير (الخطأ) أمر ممكن الحدوث
بشأن العقوبات السالبة للحرية ، بل بالنسبة لكافة العقوبات ، فهل نطالب بإلغاء كافة العقوبات
؟!!. وكما لا يمكن تعويض حياة إنسان لا يمكن تعويض حريته
أيضا.
5-
ج :
الجدل من حيث ملائمة
عقوبة الإعدام :
حاول المعارضون لتلك العقوبة إبراز عدم ملائمتها ، بقولهم أن هذه العقوبة تحدث
ضرراً غير محدود بالجاني في حين أن أذى وضرر الجريمة يكون
محدوداً بالنسبة
للمجتمع ، مما يرفع التناسب بين الجريمة والجزاء.
إلا أنه تم الرد على ذلك بالقول بان التناسب بين
الجريمة وعقوبة الإعدام المقررة لها يتحقق من كون هذه العقوبة لا تتقرر إلا بصدد الجرائم شديدة الخطورة على
المجتمع وعلى حياة الأفراد. فضلا عن أن العدالة توجب في حالة إزهاق روح برئ بالقتل مثلاً أن يقتص من الجاني بإزهاق روحه. فالأرواح تتكافأ ، والقول بغير ذلك يعلي من قيمة نفس وروح الجانى القانونية بالمقارنة بمثيلتها لدى المجني عليه.
6-
د :
الجدل من حيث فائدة
عقوبة الإعدام :
احتج المعارضون على تلك العقوبة بقولهم أنها غير
مجديه ولا فائدة منها ، سواء بالنسبة للفرد أو بالنسبة
للمجتمع. فالإعدام عقوبة لا يتحقق فيها معنى الإصلاح والتأهيل ، إنما يكون
الانتقام الهدف الأسمى. فضلاً عن أن الإحصاءات قد اثبتت أن معدلات الجريمة لم تنقص في المجتمعات
التي مازالت تأخذ بهذه العقوبة ، كما لم تزد نسبة الإجرام في الدول التي ألغتها ،
مما ينفى فائدتها بالنسبة للمجتمع ككل.
بيد أن المؤيدين للإبقاء على تلك
العقوبة قد ردوا على ذلك بقولهم أن عقوبة الإعدام لا يثبت توقيعها إلا بشأن
المجرمين عتاة الإجرام ، والذين يثبت بحسب وضعهم الإجرامي عدم الأهلية للإصلاح. كما أنه من الصعب الربط بين
معدل الجريمة وبين كون تلك العقوبة ألغيت أو تم الإبقاء عليها ، حيث لا تتوافر
إحصاءات مماثلة عن كم الجرائم الذي لم يقع خشيه الحكم بالإعدام. يضاف
إلى ذلك أن لتلك العقوبة أثرها الكبير في تحقيق الردع العام. وليس أدل على ذلك من أن الدول التي كانت
قد ألغتها قد اضطرت إلى إقرارها مرة ثانية ، بل وتظهر من آن لأخر - وتحت تأثير بعض الحوادث المؤثرة في
المجتمع – دعوات للمطالبة بإعادة عقوبة الإعدام.
وفى الحقيقة فإن الرأي حول الإبقاء أو إلغاء عقوبة
الإعدام هو أمر يرتهن بمبادئ وقيم وأخلاق كل مجتمع. لذا فمن الصعب فرض رأى معين قد
يتصادم مع أسس المجتمع. ولما كانت الشرعية الإسلامية وحضارتها هى عصب وأساس
التشريع المصري في كل فروعه ، فإننا ندعو المشرع إلى الإبقاء على تلك العقوبة توافقاً مع ما قررته الشريعة الغراء في شأن
القصاص شريعة النبيين أجمعين في كافة الشرائع السماوية[3].
وإذا كنا قد أيدنا الإبقاء على تلك العقوبة في التشريع
المصري ، إلا أننا ندعو المشرع أيضا إلى الأخذ بالمواثيق الدولية والإعلانات العالمية الخاصة
بحقوق الإنسان وما جاء فيها بشأن عقوبة الإعدام. من ذلك ما جاء بالمادة 6 من العهد
الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عن الجمعية
العامة للأمم المتحدة في 16 ديسمبر 1966 وتم تنفيذه في 23 مارس 1976 التي نصت فقرتها الثانية على أنه "لا يجوز في
البلدان التي لم تلغ عقوبة الإعدام أن يحكم بهذه العقوبة إلا جزاء على أشد الجرائم
خطورة…". ونرى كذلك
حظر إقرار
عقوبة الإعدام بشأن جرائم الرأي والفكر أو بشأن الصغار والأحداث (م6/5 من العهد).
J. Graven,
Nouvelles réflexions sur la peine capitale, Mélanges H. Donnedieu de Vabres,
1960, p. 231 ; J. Rostand, A. Naud, A. Richard et J. Graven, Contre la peine de
mort, publiée par l’Association française contre la peine de mort, 1966 ; P.
Savey-Casard, La peine de mort, Esquisse historique et juridique, Genève, Droz,
1968 ; R. Vouin, L’article de la mort, RSC. 1966, p. 559 ; G. Imbert, La peine
de mort, PUF. Que sais-je ?, 1989 ; Colloque international sur le 20ème
anniversaire de l’abolition de la peine de mort, Publication de l’Assemblée
Nationale, 6 oct. 2001.
[2] بل أن الفقه الإسلامي يأخذ بهذه العقوبة في بعض الجرائم
التعزيرية ويسميها الأحناف القتل سياسة كالجاسوسية والدعوة
إلى البدعة…الخ. وتطبق حاليا في بعض الدول الآخذة بالنظام الجنائي الإسلامي على جرائم الاتجار في المواد
المخدرة والاغتصاب.
[3] يقول تعالى في كتابه العزيز "وَلَكُمْ فِي
الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" سورة
البقرة ، آية 179. ويقول عز من قائل "من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أن
من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس
جميعاً…"
وقوله أيضاً "وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس…". على أنه
لا يجب أن يفهم من ذلك أن الإعدام الذي تعرفه بعض البلدان – كمصر مثلاً - يتطابق
مع فكرة القتل حداً أو قصاصا المعرفة في الشريعةً الإسلامية. فبين النظامين فروقاً
كبيرة تباعد بينهما وإن تطابقا في أنهما يتضمنا فقد الحياة.
Post a Comment