صيغة الشهادة على
الإعسار
اختلف الفقهاء في الصيغة التي
تكون بها الشهادة على الإعسار ، وأنا أذكر هنا أهم الصيغ التي أوردها الفقهاء في
كتبهم .
عند الحنفية : ورد في كتب
الحنفية التي وقفت عليها صيغتان للشهادة على الإعسار(78).
الأولى : نشهد أنه فقير لا
نعلم له مالاً ولا عرضاً من العروض يخرج بذلك عن حالة الفقر .
الثانية : نشهد أنه مفلس معدم
لا نعلم له مالاً سوى كسوته التي عليه وثياب ليله ، وقد اختبرنا أمره في السر
والعلانية .
عند المالكية : وقفت على صيغتين
متقاربين للشهادة عندهم :
الأولى : أننا لا نعرف له
مالاً ظاهراً ولا باطناً(79) .
الثانية : نشهد أنا نعرف فلان
بن فلان معرفة صحيحة وأنه من أهل الفقر والعدم ، وما علمنا أن له مالاً حاضراً أو
غائباً ولا ريعاً ولا عرضاً ولا شيئاً يعدى عليه فيه(80)
.
لكنهم قالوا : إن كان مدعي
الإعسار معلوم الملاء أو أقر بقدرته على دفع الحق وملائه قبل ذلك فلابد أن تشهد
البينة مع ذلك على ذهاب ما بيده(81) .
عند الشافعية : ورد في كتب
الشافعية ــ التي وقفت عليها ــ عدة صيغ للشهادة على الإعسار(82)
:
الأولى : أشهد أنه معسر لا
يملك إلا قوت يومه وثياب بدنه .
الثانية : أشهد أنه معدم أو
مقتر أو معسر ، وإن أضاف : أنه مستحق الصدقة جاز .
الثالثة : أشهد أنه معسر عاجز
العجز الشرعي عن وفاء شيء من هذا الدين ، وقال بعضهم : إن أضاف الشاهد : ,أنا خبير
بباطن حاله فحسن ، وخاصة إن ارتاب الحاكم فيه واستجهله .
عند الحنابلة : لم أقف على نص
معين عندهم في صيغة الشهادة ولكن جاء في كشاف القناع ( يكفي في الحالين أي في حال
شهادتها بالتلف وحال شهادتها بالإعسار أن تشهد بالتلف أو أن تشهد بالإعسار ، وفي
التلخيص : لا يكفي بالشهادة بالإعسار بل لابد من الشهادة بالتلف والإعسار معاً ،
وفي الرعايتين(83) والحاويين(84) والفائق(85)
تشهد بذهابه وإعساره لا أنه لا يملك شيئاً(86)
)
والذي يظهر أنه متى علم الشهود
معنى الإعسار الشرعي جاز أن يشهدوا بأي صيغة تدل عليه لعدم ورود نص بصيغة محددة ،
لكن يجب على القاضي الاستيثاق من معرفة الشهود لمعنى الإعسار .
تحليف مدعي الإعسار مع
البينة :
إذا أقام مدعي الإعسار بينة تشهد
بإعساره هل للقاضي أن يحلفه مع هذه البينة بأنه ليس له مال ظاهر ولا باطن أو لا
يشرع تحليفه ؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة
على ثلاثة أقوال :
القول الأول : يشرع
للقاضي تحليفه مطلقاً : وهذه اليمين تسمى عند بعضهم يمين القضاء أو الاستبراء ،
وهي من آداب القضاء ، والمرجع فيها لرأي القاضي واجتهاده ، وهذا مذهب المالكية(87) ووجه مقابل الأصح عند الشافعية(88) ووجه ضعيف عند الحنابلة(89) .
التعليل : لأن البينة تشهد على
العلم لا على القطع ، ويحتمل أن يكون له مال في الباطن ، ولأن القاعدة الفقهية تنص
على أن كل بينة شهدت بظاهر فإنه يستظهر بيمين الطالب على باطن الأمر .
واختلفوا بعد ذلك هل هذه اليمين
على البت أو على نفي العلم ؟ وجه الأولى أنه يحلف على نفسه ووجه الثانية لاحتمال
أن يكون له مال لا يعلم به كإرث أو وصية .
القول الثاني : لا يشرع
الحلف مع البينة ولو طلب المدعي ذلك : وهذا مذهب الحنفية(90) وهو الصحيح عند الحنابلة إذا شهدت
البينة بالإعسار لا بتلف المال أو نفاده
(91)
.
التعليل : لأن في ذلك جمعاً بين
البينة واليمين وذلك غير جائز ، ولأن في الحلف مع البينة تكذيباً لها .
القول الثالث : يجب
تحليف مدعي الإعسار إذ طلب الخصم ذلك :
وهو الأصح عند الشافعية(92) وأضافوا : أنه لو كان الحق لمحجور
عليه أو غائب أو جهة عامة لم يتوقف التحليف على الطلب .
التعليل : لاحتمال أن يكون له
مال باطن لا يعلمه الشهود .
الترجيح : الذي يظهر قوة القول الأول احتياطاً لحقوق الناس ولاحتمال وجود مال
لا تعلمه البينة ولأن الحالف يحلف على شيء
هو أعلم الناس به .
ويمكن أن يجاب عما استدل به
أصحاب القول الثاني والثالث بما يلي :
أن القول بأن في التحليف جمعاً
بين البينة واليمين غير صحيح ، لأن شهادة البينة تنفي ما ظهر من المال واليمين
تنفي ما خفي ، فصار المنفي بالبينة غير المنفي باليمين كما لو ادعى مع البينة أنه
لم يبرئه ، ولا يكون ذلك جمعاً بين البينة واليمين ، أما قولهم إن في الجمع بينهما
تكذيباً للبينة فغير صحيح ، ويجاب عنه بمثل الجواب المتقدم .
أما القول الثالث فيجاب عنه بأن
بعض الغرماء قد لا يعلم أن له حق تحليف خصمه فيترك طلب اليمين جهلاً ، وهذا مما قد
يضيع عليه فوجب الاحتياط من القاضي لحقوق الناس .
فظهر بذلك قوة القول الأول ، لكن
ينبغي التنبه إلى أن التحليف وإن كان مرده لنظر القاضي واجتهاده إلا أنه يجب أن
يحلف مدعي الإعسار إن كان الحق لقاصر أو يتيم أو مجنون أو غائب أو جهة عامة أو وقف
، أو ادعى رب الدين أن لمدعي الإعسار مالاً باطناً أو سمعت الدعوى في مقابلة بعض
الغرماء لأن حفظ حقوقهم منوط بالقاضي .
تعارض البينات :
إذا أحضر مدعي الإعسار بينة تشهد
بإعساره وأحضر الدائن بينةتشهد بيسار المدين فأي البينتين يقدم ؟
اجتهدت في ترتيب وتقريب أقوال
الفقهاء في هذه المسألة فظهر أنها لا تخلو من ثلاث حالات :
الحالة الأولى : ألا تبين أيّ من
البينتين سبباً لما تشهد به .
فلا تبين بينة اليسار نوع المال
الذي يخرج به المدين عن حد الإعسار أو مقداره ، ولا تبين بينة الإعسار السبب الذي
صار به المدين معسراً .
وقد اختلف العلماء في هذه الحالة
على أربعة أقوال :
القول الأول : تقدم بينة
اليسار :
التعليل : لأن اليسار
أمر عارض والبينات لإثبات خلاف الظاهر ، ولأن معها زيادة علم .
القول الثاني : تقدم
بينة الإعسار .
وهو قول عند المالكية ، وذكر
الدسوقي أنه الراجح(95) ،
ويمكن أن يخرج قولاً عند الشافعية بناء على ما نص عليه القفال في فتاويه من أنه (
إذا شهد على مفلس بالغنى فلابد من بيان سببه ، لأن الإعدام لما لم يثبت إلا من أهل
الخبرة كذلك الغنى )(96)
التعليل : لأن بينة العدم
ناقلة وبينة الملاء مستصحبة للظاهر ، والبينة الناقلة عن الأصل تقدم .
القول الثالث : يعمل
بالمتأخر منهما وإن تكرر إذا لم ينشأ من تكرارها ريبة .
وهو قول لبعض الشافعية(97) .
القول الرابع : التفصيل
:
فإن كان الدين ملتزماً بمقابلة
مال أو بعقد فتقدم بينة الإعسار لإثباتها خلاف الظاهر هنا وهو اليسر ، أما إن كان
الدين مستحقاً بغير عقد ولا مقابلة مال فتقدم بينة اليسار لإثباتها خلاف الظاهر
هنا وهو العسر ، وهذا التفصيل نص عليه ابن عابدين من الحنفية(98) وهو تفصيل وجيه .
الحالة الثانية : أن تبين كل بينة سبب
ما تشهد به ، فالذي يظهر أنه ترجح بينة اليسار لأن معها زيادة علم إلا إن ذكرت
بينة الإعسار سبباً يفيد أنه أعسر بعد يساره
فتقدم ، لأن معها علماً بأمر حادث .
الحالة الثالثة : أن تبين إحداهما
سبباً دون الأخرى ، فالذي يظهر أنه تقدم البينة التي بينت السبب لأن معها زيادة
علم ما لم يظهر للقاضي خلاف ذلك بعد النظر في القرائن وتفحص الأسباب .
هل تسمع البينة على الإعسار قبل
الحبس :
هل يصح سماع بينة الإعسار قبل
حبس المدين استظهار لحاله أو أثناء المدة التي قررها القاضي لحبسه ؟
القول الأول : أنها لا
تسمع
التعليل : لأنها بينة على
النفي فلا تقبل ما لم تتأيد بمؤيد وهو الحبس .
القول الثاني : أنها
تسمع
الترجيح :
الذي يظهر لي أن الأمر مفوّض إلى
رأي القاضي واجتهاده بعد النظر في حال المدين وسبب الدين ومقداره وحال الزمان
والله أعلم .
الموازنة بالنظام : لم يتعرض نظام
المرافعات السعودي ولوائحه التنفيذية ولا نظام المحكمة التجارية لما يتعلق بالبينة
على الإعسار من حيث عدد الشهود أو صفتهم أو صيغة الشهادة أو تعارض البينات أو وقت
سماع البينة ، ولكن تطرقت المادتان 109 ــ 110 في نظام المحكمة التجارية إلى أن
على المفلس أن يقدم دفاتره وسندات الديون وجدولاً يوضح رأس ماله من حين اشتغل
بالتجارة إلى يوم إفلاسه للمحكمة لتقوم بتدقيق ذلك وتقرر ما تراه.
(78)
أنظر معين الحكام ص 189 ، والعناية شرح الهداية 6/379 .
(79)
أنظر حاشية الدسوقي 3/279 .
(80)
تبصرة الحكام 1/221 .
(81)
أنظر حاشية الدسوقي 3/279 .
(82)
أنظر أدب القاضي لابن أبي الدم ص 438 ، ومغني المحتاج 2/156 .
(83)
الكبرى والصغرى ، وكلاهما لأبي عبد الله
أحمد بن محمد بن حمدان الحنبلي المتوفى سنة 695هـ
(84)
الصغير والكبير ، وكلاهما لعبد الرحمن البصري الضرير الحنبلي المتوفى سنة 683هـ .
(85)
الفائق في المذهب لابن قاضي الجبل الحنبلي المتوفى سنة 771هـ
(86)
كشاف القناع 5/1653
(87)
تبصرة الحكام ص 235 ، والشرح الكبير للدردير 3/279 .
(88)
روضة الطالبين 3/374
.
(89)
الإنصاف 13/239
(90)
أنظر رد المحتار 5/385 وقد تتبعت عامة الكتب المعتمدة في المذهب فلم أجدهم ينصون
على تحليف مدعي الإعسار مع البينة ، علماً بأن علاء الدين الطرابلسي الحنفي نص على
تحليف مدعي الإعسار مع البينة في كتابه معين الحكام ص 93 ، ولعله وهم منه ــ عفا
الله عنه ــ سببه أن ينقل في كتابه هذا كثيراً بل حرفياً من كتاب تبصرة الحكام
لابن فرحون المالكي ، ونص التحليف مع البينة مع ما قبله وبعده وجدته مطابقاتماما
لما في تبصرة الحكام لابن فرحون 1/235 .
(91)
الإنصاف 13/238 .
(92)
مغني المحتاج 2/156 .
(93)
رد المحتار 5/389 .
(94)
حاشية الدسوقي 3/280
(95)
حاشية الدسوقي 3/280
(96)
مغني المحتاج 2/156
(97)
مغني المحتاج 2/156 .
(98)
رد المحتار على الدر المختار 5/389 ، وذكر أنه لم يسبق إلى هذا التفصيل .
(99)
رد المحتار 5/388
(100)
نسبه لهم العيني في البناية شرح الهداية 8/37 ، ولم أقف عليه فيما رجعت إليه من
كتبهم .
(101)
العناية شرح الهداية 6/379 .
(102)
مغني المحتاج 2/156
(103)
الشرح الكبير لابن قدامة 13/241 .
Post a Comment