أغراض التدابير الاحترازية :
     إذا كان للعقوبة ، كما أسلفنا ، أهداف ثلاث تتمثل في تحقيق الردع العام والردع الخاص وإرضاء الشعور بالعدالة ، فإننا نجد أن التدابير تتميز بكونها أحادية الهدف ، الذي يتمثل فقط في تحقيق الردع الخاص. وعلى هذا يمكن القول أن العقوبة لها وظيفة أخلاقية ، أي الرغبة في التكفير أو إرضاء الشعور الاجتماعي الذي تأذى بالجريمة بما يحقق معنى العدالة ، الأمر الذي يستوجب أن تنطوي العقوبة على معنى الإيلام المكافئ أو المعادل لما أحدثه الجاني من ضرر بالمصلحة المعتدى عليها. على العكس من ذلك فإن الوظيفة الأساسية للتدابير هو تحقيق غرض نفعي يتمثل في الدفاع عن المجتمع ضد احتمالية ارتكاب جرائم تمثل عدوان  عليه في المستقبل ، وذلك إما بالتوجه للمتهم من أجل إصلاحه أو علاجه وإما بعزله وإقصائه نهائياً عن المجتمع[1].

فالتدابير تتجرد من أي وظيفة أخلاقية ، حيث لا يبني توقيعها على أساس الخطأ أو قيام المسئولية الأخلاقية ، وإنما مناط توقيعها هي الخطورة الإجرامية الكامنة في شخص الجاني والتي كشفت عنها الجريمة التي سبق له ارتكابها.

فلا تستهدف التدابير تحقيق الردع العام - وإن أمكن تحقيقه عرضاً وعلى نحو غير مقصود - حيث لا يرتبط توقيعها بالجريمة التي ارتكبت وإنما بالخطورة الإجرامية المستقبلية ، أي احتمالية ارتكاب الجرائم في المستقبل. ومن ثم تنتفي الصلة في تقدير الرأي العام بين الجريمة المرتكبة وبين التدابير المطبقة. وعلى هذا النحو فإن أثرها التهديدي والتخويفي أثر ضعيف لا يكاد يذكر.

كما أن التدابير لا تهدف إلى تحقيق العدالة. فهي لا ترمي إلى إعادة التوازن بين الجريمة كشر وقع والتدبير كشر مقابل. فهي على الأكثر تقدير وسيلة لعلاج المجرم بالقضاء على الخطورة الكامنة فيه وتحويله إلى رجل شريف[2].

ويتحقق الردع الخاص الذي ترمي إليه التدابير بإحدى ثلاثة أساليب : إما بالتأهيل وإما بالإبعاد وأما بالتعجيز. ويقصد بالتأهيل علاج خطورة المجرم وأسباب إجرامه بمختلف الأساليب الطبية والنفسية والعلمية من أجل تحويله إلى عضو نافع في المجتمع. وقد يصبح التأهيل أمراً عسيراً وصعب المنال في بعض الحالات بما يدفع المجتمع - من أجل أن يقي نفسه شر المجرم في المستقبل - إلى ابعاد المجرم عن المجتمع ، سواء على سبيل التأبيد أو بشكل مؤقت عن طريق العزل أو بمنعه من ارتياد بعض الأماكن أو بإبعاده عن البلاد إذا كان المجرم أجنبيا. وقد يتحقق الردع الخاص أخيراً عن طريق المباعدة بين المجرم وبين الوسائل التي يكون بغيرها عاجزاً عن الإجرام ، ومثال ذلك غلق المنشأة أو المصادرة.

وهذه الوسائل ليست منفصلة بعضها عن بعض ، ولكنها تتكامل أحياناً بحيث يكون إحداها تمهيداً للآخر أو قد تشترك واحدة مع الأخرى إذا استدعت ظروف المجرم هذا الأمر[3].
خصائص التدابير الاحترازية وشروط تطبيقها

1-                  أولاً : خصائص التدابير الجنائية :
     لإبراز الخصائص التي تميز التدابير الاحترازية يتعين علينا أن نبين أولاً الخصائص التي تشترك فيها التدابير مع العقوبات قبل أن نبين ما تتميز بها التدابير وحدها.

2-                  أ : الخصائص المشتركة بين التدابير والعقوبات[4] :
3-                  التدابير والعقوبات جزاءات قانونية :
     حاول البعض أن يشكك في الطبيعة القانونية للتدابير من حيث كونها جزاءات قانونية ، على أساس أن هذه الأخيرة هي رد فعل يقرره النظام القانوني في مواجهة وقائع مخالفة للقانون ، وتعبر بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن سلوك إرادي. وبالتالي فالجزاء يفترض قاعدة قانونية انتهكت إرادياً ، وهذا الأمر لا يتوافر بشأن التدابير. فهده الأخيرة لا تفترض قاعدة موجهة للأفراد بل إن القاعدة القانونية التي تنص على التدابير إنما هي موجهة إلى أجهزة الدولة تطبقها متى توافرت شروطها.

فالفرد لا يمكن أن يوجه إليه أمراً بألا يكون خطراً ، ذلك أن الخطورة صفة وليست واقعة، قد تتدخل الإرادة أحياناً وبصورة غير مباشرة في اكتسابها بالنسبة لفئات معينة من الأفراد، مثل كاملي الأهلية الخطرين ، بينما بالنسبة لفئات أخرى ، كالأحداث عديمي الأهلية ومرضى العقول ، فتتخلف ارادة اكتساب تلك الصفة. فالتدابير لا تجازي الفرد على جريمة ، بل هى وسيلة تستخدمها الدولة في مكافحة الجريمة[5].

ولاشك أن هذا الرأي ينظر إلى الجزاء الجنائي بمنظور ضيق. فالوظيفة الوقائية للتدابير - التي وإن كانت تختلف بالطبع عن وظيفة العقوبة التي يناط بها أساساً الردع - لا تحول دون اعتبار التدابير من قبيل الجزاءات القانونية. فليس في التشريع ما يمنع من تبني مفهوم موسع للجزاء الجنائي يشمل الجزاء الرادع والجزاء الوقائي. ويكون كلاً من العقوبات والتدابير صورتين للجزاءات الجنائية ، وأن القواعد التي تتعلق بهما تتوجه بالخطاب إلى الأفراد للعمل على احترامها[6].


4-                  شرعية التدابير والعقوبات :
     تخضع التدابير لمبدأ الشرعية الجنائية المقرر بشأن العقوبات. فإذا كان المبدأ أنه لا عقوبة إلا بناءً على قانون ، فإن ذات المبدأ يسري على التدابير الاحترازية ، فلا يوقع تدبير إلا بناءً على قانون. والعلة في ذلك أن التدابير شأنها شأن العقوبات تتضمن قيوداً على حريات وحقوق الأفراد ، ومن ثم فلا يجوز تقريرها إلا من قبل المشرع أو من يفوضه في ذلك.

وقد كرست بعض التشريعات هذه الشرعية صراحاً ومن ذلك ما نص عليه قانون العقوبات اللبناني في مادته الأولى من أنه "لا تفرض عقوبة ولا تدبير احترازي أو إصلاحي من أجل جرم لم يكن القانون قد نص عليه حين اقترانه". ومن ذلك أيضاً ما نص عليه قانون العقوبات الاتحادي بدولة الإمارات العربية المتحدة في مادته الرابعة حين أكد على أنه "لا يفرض تدبير جنائي إلا في الأحوال وبالشروط المنصوص عليها في القانون". وإلى هذا ذهب أيضاً مشروع قانون العقوبات المصري في عام 1967 حين نص في المادة الرابعة فقرة أولى منه على أنه "لا يحكم بتدبير إلا في الأحوال وبالشروط المنصوص عليها في القانون".

5-                  شخصية التدابير والعقوبات :
     تخضع التدابير الجنائية - كما هو الحال في شأن العقوبات - لمبدأ الشخصية ، بحيث لا يتحمل الأثار الناشئة عن التدابير إلا من عينة الحكم لتحملها. وإذا كانت العقوبات تتقرر على مرتكب الفعل بشخصه ولا يجوز فيها الحلول في تحميلها ولا التوارث فكذلك الأمر بالنسبة للتدابير ، فلا توقع إلا على من ثبتت خطورته الإجرامية دون حلول في ذلك أو توارث. فالتدابير إجراء قصد به تفريد الجزاء الجنائي تبعاً للشخصية الفردية ، أي يستهدف مكافحة عوامل الخطورة الكامنة في الشخص. ولما كانت الخطورة صفة فردية فقد كان طبيعياً أن يطبق التدبير على الإنسان الخطر فقط محواً لخطورته ومن أجل الدفاع عن المجتمع.

6-                  قضائية التدابير والعقوبات :
     تتضمن التدابير بحسبانها جزاءً جنائياً - مهما كانت بساطتها - تقيداً وسلباً للحرية أو حرمان من بعض الحقوق والمزايا ، مما يعني أنها تمس بحقوق وحريات الأفراد ، من هنا كان لابد من أن يوكل أمر توقيعها إلى السلطة القضائية منفردة بهذا الأمر وحدها لا يشاركها فيها سلطة أخرى ، شأنها في ذلك شأن العقوبات.

لذا فإن كل تدخل من جهة الإدارة في أمر توقيع التدابير يمثل انتهاكاً لمبدأ قضائية الجزاء الجنائي .La juridictionnalisation de la sanction pénale   ومن قبيل ذلك القانون رقم 74 لعام 1970 في شأن وضع بعض المشتبه فيهم تحت مراقبة الشرطة بناء على حالة الاشتباه. فهذا القانون قد أجاز لوزير الداخلية وضع المعتقل تحت مراقبة الشرطة لمدة سنتين بعد الإفراج عنه إذا توافرت في حقه حالة الاشتباه ، مع إعطائه الحق في التظلم أمام السلطة القضائية. هذا النص قد انتقدته المحكمة العليا في حكمها الصادر بتاريخ 5 أبريل 1975 مطالبة بأن يوكل أمر وضع المشتبه فيهم تحت مراقبة الشرطة للسلطة القضائية وحدها خشية التعسف والاستبداد من الإدارة.
كما يمكننا أيضاً أن ننتقد تدخل الإدارة في توقيع تدابير غلق المنشأة والمحال العامة بناء على التوسع في فكرة قانون العقوبات الاقتصادي.

7-                  جبرية التدابير والعقوبات :
     الجزاء الجنائي - تدبير كان أم عقوبة - مقرر لمصلحة المجتمع ، لذا فإن التدابير - كما هو الحال في شان العقوبات - تطبق بصرف النظر عن رضاء أو إرادة المحكوم عليه. وهذه الصفة الجبرية هي التي تكفل للتدابير عامة صفة الجزاء الجنائي.

8-                  ب : السمات الخاصة بالتدابير:
     تنفرد التدابير بحسبانها جزاء يتعلق بمواجهة الخطورة الإجرامية الكامنة في الجاني بعدة خصائص منها :

9-                  الوقاية الخاصة كهدف للتدبير:
     للتدابير وظيفة محددة هي الوقاية أو المنع الخاص ، أي محاولة القضاء على عوامل الخطورة الفردية التي قد تدفع الشخص إلى ارتكاب جريمة في المستقبل. وعلى هذا الأساس فيتوقف تطبيق التدابير على تحقق شرطين : الأول موضوعي يتمثل في ارتكاب الفرد لجريمة، والثاني شخصي يتمثل في توافر الحالة الخطرة التي تجعل من صاحبها مصدر لإجرام جديد[7].

ويترتب على ذلك أن التدابير ، حتى ولو اتخذت صورة سلب الحرية ، فإنها لا تستهدف الإيلام والتكفير عن الجريمة التي وقعت. وإنما ترمي إلى إبعاد المجرم عن الظروف والعوامل التي تهيئ له سلوك سبيل الجريمة ، أي إبعاده عن أسباب خطورته. وكون التدابير تتصل بالخطورة الإجرامية المستقبلية وليس الجريمة أو الواقعة الإجرامية المرتكبة فإن الأمر يوجب أن يراعى عند توقيعها تناسبها مع شخصية الجاني وخطورته دون بحث في الأساس الموضوعي المتمثل في الجريمة التي كانت قد وقعت.

10-              عدم تحديد مدة التدابير Mesures indéterminées :
     لما كان هدف التدابير ينحصر في مقاومة الحالة الخطرة الكامنة داخل الشخص المجرم كي يباعد بينه وبين ارتكاب جريمته في المستقبل ، فإن من الصعب وضع حد أقصى محدد سلفاً لما قد يفرض من تدابير تقومية وتأهيلية وعلاجية تجاه شخص المجرم. لهذا تذهب التشريعات إلى وضع حداً أدنى للتدابير مع ترك انتهائها متوقف على السلطة التقديرية للقاضي في ضوء ما يرفع له من تقارير عن حالة المجرم ومدى نجاحه أو فشله في التأهيل.

ونظراًُ لأن مثل هذا الإطلاق في مدة التدابير قد يمس بمبدأ الشرعية الجنائية ، خاصة في حالة التدابير السالبة للحرية ، فإن التشريعات المختلفة توجب إخضاع المجرم المحكوم عليه لفحص دوري يباشره الأخصائيون في مجال العلوم النفسية والاجتماعية وعلوم الجريمة مع عرض أمر الخاضع للتدبير على السلطة القضائية في فترات دورية للاستجلاء حالته الإجرامية وتقدير ما إذا كان من المناسب إنهاء التدبير أو تجديده لمدة أخرى[8].

11-              قابلية التدبير للتعديل  :
     من بين السمات التي تميز التدبير عن العقوبة الجنائية هي قابلية التدبير للتعديل Mesures modifiables خلال مرحلة لتنفيذ. فعلى العكس من العقوبة التي لا يجوز إبدالها بعقوبة أخرى أثناء مرحلة التنفيذ ، فإن التدبير يجوز أن يبدل كليه أو يعدل جزئياً أثناء التنفيذ ، متى كان ذلك يلاءم شخصية المجرم ودرجة خطوته الإجرامية. وعلى هذا نص قانون العقوبات الإيطالي في مادته 27 في فقرتها الأخيرة إذ أجاز التعديل اللاحق للحكم بالتدبير سواء كان هذا التعديل بالتخفيف أو التشدد أو الإلغاء.

12-              عدم خضوع التدابير لأحكام العقوبة الجنائية :
     هناك العديد من الأحكام الخاصة المتعلقة بالعقوبة التي تستقل بها هذه الأخيرة عن التدابير الجنائية. ومن تلك الأحكام ما يتعلق بعدم رجعية نصوص التجريم والعقاب على الماضي وعدم تنفيذ العقوبة إلا بعد حكم نهائي وأحكام التقادم وإيقاف التنفيذ والعفو والعود. كل تلك الأحكام تستقل بها العقوبة دون التدابير ، حيث أن تلك الأحكام لا تتمشى مع فكرة الدفاع الاجتماعي القائمة على الإصلاح والتقويم والعلاج والتأهيل.

فعند البعض تخضع التدابير لقاعدة الأثر الفوري والمباشر ، أي تطبيق القانون المنظم لها مباشرة فور صدوره ولو على وقائع ارتكبت قبل نفاذه. فهي ليست عقوبة عن فعل مضى وإنما هي علاج لحالة خطرة قائمة وقد تستمر في المستقبل[9].

إلا أننا لا نسلم بصلاحية هذا الرأي حيث أن هناك من التدابير ما قد يسلب الحرية أو يقيدها ، أي أنها قد تنطوي على إيلام يعادل الإيلام الناجم عن العقوبة. فضلاً عن أنه من غير المنطقي القول بخضوع التدابير لمبدأ الشرعية ثم إرجاع هذه التدابير إلى الماضي.

كذلك لا تخضع التدابير لنظرية الظروف المخففة. كما لا يجوز الحكم بإيقاف تنفيذها ولا انقضائها بالتقادم أو العفو. فضلاً عن أن الأحكام الصادرة بالتدابير تكون واجبة التنفيذ فوراً دون انتظار لصدور حكم نهائي. ولا تعد الأحكام الصادرة بها سابقة في العود لأن الألم الذي تنطوي عليه غير مقصود لذاته حتى يقال أن المحكوم عليه بها لم يرتدع فيجب أن يزاد الألم بالتشديد عليه. وأخيراً لا تخضع التدابير لقاعدة خصم مدة الحبس الاحتياطي من مدتها لأنها أصلاً غير محددة ولأنها لا تنطوي على إيلام مقصود حتى يقال أن هناك تعادلاً بين هذا الإيلام وإيلام  الحبس الاحتياطي[10].
13-              ثانياً : شروط تطبيق التدابير الاحترازية  (الخطورة الإجرامية) :
14-              تمهيد :
     لقد اختلطت السياسة العقابية الحديثة لنفسها منهجاً واقعياً قوامه حماية المجتمع من الاتجاهات الخطرة للمجرم. ولهذا لم يعد أساس الجزاء يتمثل فيما قد وقع من جرم ، متمثلاً في الواقعة الإجرامية ، بهدف التكفير والإيلام أو حتى الردع العام و الخاص. وإنما أصبح أساس الجزاء الجنائي في شق منه يقوم على الخطورة الإجرامية La dangerosité criminelle الكامنة في الشخص ، وبقدر توافر تلك الخطورة يمكن إخضاع الفرد إلى جزاء جنائي بهدف التوجه إلى المجرم ذاته للإعادة تأهيله ليتكيف من جديد مع المجتمع.

وعلى هذا أصبح منع المجرم من أن يفضي سلوكه إلى جريمة حقيقية في المستقبل هو الهدف الذي تسعى إليه الدراسات الجنائية العقابية الحديثة ، وكان ذلك هو الدافع إلى ظهور فكرة التدابير الاحترازية كنوع من الجزاء الجنائي بغرض إلى الضرب على عوامل الجريمة الكامنة في شخص المجرم للحيلولة بينه وبين الإجرام المستقبلي.

وكون الخطورة الإجرامية أصبحت أحد الأسس التي يقوم عليها توقيع الجزاء الجنائي المتمثل في التدابير فإنه يجب علينا أن نبدأ بتعريف فكرة الخطورة الإجرامية وتحديد طبيعتها قبل أن نحدد أخيراً أدلة الخطورة الإجرامية.

15-              أ : مضمون الخطورة الإجرامية :
     يتحدد مضمون الخطورة الإجرامية في كونها حالة نفسية يحتمل من جانب صاحبها أن يكون مصدراً لجريمة مستقبلة[11].

ويظهر من هذا أن الاحتمال هو معيار الكشف عن الخطورة الإجرامية وعن مداها وفقاً للمبادئ التي تحكم السببية أو العلاقة بين النتائج والعوامل التي تؤدي إلى حدوثها. فكما يقول بعض الفقه أن سبب نتيجة من النتائج هو مجموعة العوامل التي أدت إلى حدوثها. ويمكن أن تقاس هذه العوامل قياساً سليماً بعد تحقق النتيجة بالفعل ، لكنه قبل تحقق النتيجة بالفعل يصبح الأمر متوقعاً. هذا التوقع يكون "مؤكداً" ما دامت عوامل إحداث الظاهرة معروفة بطريقة واضحة ثابتة ، بحيث تكشف عن إكتمال سائر العناصر المحدثة لها فيكون تحقق النتيجة مؤكداً. غير أن تحقق النتيجة قد يكون ممكناً فحسب إذا انحصرت المعرفة في بعض العناصر التي تسبب النتيجة والتي تجعل توقع حدوثها متساوياً مع توقع انتفائها. أما إذا ذادت العناصر المعروفة عن هذا الحد بحيث أصبح توقع الحدوث طاغياً على توقع عدم الحدوث صار حدوث النتيجة "محتملاً". وعلى هذا فينحصر مضمون الاحتمال في العلاقة السببية التي تربط بين جملة من العوامل الإجرامية وبين الجريمة ذاتها كواقعة مستقبلية[12].
ودراسة الاحتمال كمعيار للخطورة الإجرامية يقوم على دراسة العوامل بمختلف أنواعها التي من شأنها أن تفضي إلى الجريمة في شخص ما. فإذا كانت كثافة هذه العوامل من شأنها أن تؤدي - وفقاً لما توفره تجارب الحياة ووفقاً للمجرى العادي للأمور - إلى احتمال وقوع الجريمة من شخص ما كان هذا الشخص ذو خطورة إجرامية. فجوهر الخطورة الإجرامية هو طغيان الدوافع التي تجعل لدى الفرد ميلاً إلى الجريمة على الموانع التي تصرفه عنها ، أي أنها نقص في الموانع وإفراط في الدوافع[13].

والخطورة الإجرامية قد تكون عامة ، حين تنذر بوقوع أي جريمة من أي نوع ، وقد يكون طغيان دوافع الجريمة متجهاً نحو نوع معين من الجرائم وحين إذا توصف الخطورة بأنها خاصة (كالتخصص في النصب أو النشل أو سرقة المنازل ...الخ).

وبذات التقسيم يمكن أن تتدرج الخطورة الإجرامية ، فنسبة الميل للجريمة تتنوع من شخص إلى آخر. فقد يكون طغيان عوامل الإجرام كبير إلى حد الدفع للارتكاب جرائم جسمية كالقتل العمد ، وقد تكون هذه العوامل غير  متأصلة في الشخصية الإنسانية فتدفع إلى ما يسمى إجرام الصدفة أو إجرام اللحظة كالسب والقذف. وفي العادة تتحدد درجة الخطورة الإجرامية بنوع العوامل الدافعة للجريمة. فحينما تكون تلك العوامل أقرب للعوامل الجينية أو الوراثية كانت درجة الخطورة أشد وأعظم منها حين تكون تلك العوامل مستندة إلى أساس اجتماعي أو بيئي.



[1] J. Pradel, op. cit., p. 429.
[2] د. محمد زكي أبو عامر ، المرجع السابق ، ص453 ، د. محمد عيد الغريب ، المرجع السابق ، ص114 ، د. محمود نجيب حسني ، المرجع السابق ، ص137 وما بعدها ، د. أحمد شوقي أبو خطوة ، المرجع السابق ، ص516.
[3] في ذات المعنى د. محمد زكي أبو عامر ، المرجع السابق ، ص452 453 ، د. أحمد شوقي أبو خطوة ، المرجع السابق ، ص 517 ، د. عبد الفتاح الصيفي ، الجزاء الجنائي ، المرجع السابق ، ص 132 وما بعدها.
[4] راجع بصفة عامة :
 J. Vérin, Les rapports entre la peine et la mesure de sûreté, RSC. 1963, p. 529 ; L. Jiménez de Asua, La mesure de sûreté, sa nature et ses rapports avec la peine, RSC. 1954, p. 21.
[5] د. يسر أنور علي ود. آمال عثمان ، المرجع السابق ، ج5 ، النظرية العامة للتدابير ، ص799800.
[6] د. يسر أنور علي ود. آمال عثمان ، المرجع السابق ، ص 8.  في ذات المعنى د. محمد زكي أبو عامر ،  المرجع السابق ، ص456.
[7] د. يسر أنور علي ود. آمال عثمان ، المرجع السابق ، ج5 ، النظرية العامة للتدابير ، ص804-805 ، د. محمد زكي أبو عامر ، المرجع السابق ، ص462.
[8] R. Schmelck et G. Picca, op. cit., p. 76 et s.
[9] د. أحمد عوض بلال ، المرجع السابق ، ص 208 وما بعدها. وقد أخذ القضاء المصري بفكرة الأثر المباشر في شأن تدبير المراقبة المنصوص عليه بالقانون 98 لسنة 1945 المصري وبالقانون 110 لسنة 1980 ، راجع د. يسر أنور علي ، الاشتباه والخطورة الاجتماعية في الفقه والقضاء ، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية ، س10 ، ع1 ، ص205 وما بعدها.
[10] د. أحمد شوقي أبو خطوة ، المرجع السابق ، ص522 ، د. محمد زكي أبو عامر ، المرجع السابق ، ص463 ، د. محمد عيد الغريب ، المرجع السابق ، ص118.
[11] راجع في ذلك د. أحمد فتحي سرور ، نظرية الخطورة الإجرامية ، مجلة القانون والاقتصاد ، س34 ، 1964 ، ص500 ، د. محمد زكي أبو عامر ، المرجع السابق ، ص377 ، د. محمود نجيب حسني ، المرجع السابق ، ص128 ، ولذات المؤلف ، القسم العام ، المرجع السابق ، ص990 وما بعدها ، د. جلال ثروت ، المرجع السابق ، ص107 وما بعدها ، أ. علي بدوي ، حالة المجرم الخطر ، مجلة القانون والاقتصاد ، س1 ،1931 ، ص32 وما بعدها . د. أحمد شوقي أبو خطوة ، المرجع السابق ، ص511.
[12] د. محمد زكي أبو عامر ، المرجع السابق ، ص377– 378 ، د. محمود نجيب حسني ، المرجع السابق ، ص990.
R. Vienne, L’état dangereux, RIDP. 1951, p. 495.
[13] د. محمد زكي أبو عامر ، المرجع السابق ، ص379.

Post a Comment

أحدث أقدم