الانحرافات والشبهات في باب القدر:
هناك انحرافات عديدة يقع فيها كثير من الناس في باب القدر، كما تـخطر في ذهن بعضهم الكثير من الشبهات ومن نماذج تلك الانحرافات والشبهات ما يلي: -.
1- الاحتجاج بالقدر على الذنوب والمعائب، فهناك من يحتج بالقدر على المعائب، واستمراره على فعل المعاصي أو ترك الطاعات، فإذا قيل له مثلاً لِمَ لا تصلي؟ قال: ما أراد الله لي ذلك! وإذا قيل له: متى ستتوب؟ قال: إذا أراد الله لي ذلك!.
ولا شك أن هذا خطأ وانحراف في الفهم، لأنه إن كان يقصد بالإرادة هنا الإرادة الشرعية التي هي بمعنى المحبة فقد أعظم الفرية على الله ؛ لأن الله عز وجل أحبَّ الطاعة ورضيها وأمر بها، وشرعها، وإن كان يقصد بها الإرادة الكونية التي هي بمعنى المشيئة، وأن الله لم يُقَدِّر له كذا وكذا من الطاعات، أو قدَّر له كذا وكذا من المعاصي، فهذا خطأ أيضاً ذلك أن قدر الله سر مكتوم، لا يعلمه أحد من الخلق إلا بعد وقوعه، وإرادة العبد سابقة لفعله ؛ فتكون إرادته غير مبنية على علم بقدر الله؛ فادعاؤه مردود، واحتجاجه باطل؛ لأنه ادعاء لعلم الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله؛ فحجَّته إذاً داحضة؛ لأنه لا حجة للمرء فيما لا يعلم.
والغريب حقا أن المحتج بالقدر على الذنوب والمعاصي والتقصير في أمر الله لا يفعل الشيء نفسه في أمور دنياه ومصالح معيشته، وكان عليه لو كان متسقا مع مذهبه هذا ألا يأكل إذا جاع، وألا يشرب إذا عطش، وألا يتداوى إذا مرض، وألا يلوم من يؤذيه أو يأخذ حقه من البشر، لكن الواقع يشهد أن مثل هذا النوع من الناس لا يقصرون مثقال ذرة في حقوقهم الدنيوية، أما حقوق الله وواجباته دينه فهم أكثر الناس تقصيرا فيها احتجاجا بالقدر.
2- يخطئ بعض الناس في فهم قضية الشر الموجود في العالم وهل ينسب إلى الله أم لا، وخلاصة موقف أهل السنة في هذه المسألة أن الشر لا ينسب إلى الله مباشرة، بل هو منفي عنه سبحانه كما في دعائه ^: «والشر ليس إليك» وليس في أفعال الله شر محض، وإن كان الشر موجودا في بعض المفعولات، ومعنى ذلك أن الله لا يخلق شرا محضا لا خير متعلق به بأي وجه من الوجوه، بل إنه تعالى عندما يقدر ويخلق شرا فإنه يخلقه ويقدره لما يترتب على ذلك من خير منفصل عنه يكون ذلك الشر سببا له.
ويتضح ذلك جليا إذا علمنا أن المرادات نوعان مراد لذاته، أي أراده الله لذاته لما به من الخير والهدى من الذوات كالأنبياء والملائكة والمؤمنين، ومن الأعمال كالإيمان والعمل الصالح، ومراد لغيره أراده الله لما يترتب على وجوده من مصالح غير مباشرة، وهذا النوع لا يضاف إلى الله مباشرة، وإنما يضاف بصيغة العموم ومن الأمثلة على المراد لغيره عند الإنسان شرب الدواء المر مع كراهيته له رغبة في الشفاء، وقطع العضو المتآكل من جسم الإنسان لما في ذلك من حفاظ على حياته وبقاء سائر الأعضاء الأخرى.
3- ومن أخطر الانحرافات في باب القدر ترك بعض الناس الأخذ بالأسباب بحجة التوكل على الله والتسليم لقضائه وقدره، وأنه لا يقع في ملكه شيء إلا بمشيئته،وذلك كحال بعض الصوفية الذين يرون أن ترك الأخذ بالأسباب أعلى مقامات التوكل.فهذا الأمر مما عمت به البلوى، واشتدت به المحنة، سواء على مستوى الأفراد، أو على مستوى الأمة، حيث اختلط الأمر على كثير من المسلمين فجعلوا من الإيمان بالقضاء والقدر تكأةً للإخلاد إلى الأرض ومسوغاً لترك الحزم والجد والتفكير في معالي الأمور، وسبل العزة والفلاح.
والحقيقة أن هذا خلل خطير، أوقع الأمة في هوة سحيقة من التـخلف والانحطاط، وسبب لها تسلط الأعداء، وإلا فالأخذ بالأسباب لا ينافي الإيمان بالقدر، بل إنه من تمامه؛ فالله  عز وجل أراد بنا أشياء، وأراد منا أشياء، فما أراده بنا طواه عنا، وما أراده منا أمرنا بالقيام به، فقد أراد منا حمل الدعوة إلى الكفار وإن كان يعلم أنهم لن يؤمنوا،، وأراد منا أن نكون أمة واحدة وإن كان يعلم أننا سنتفرق ونختلف، وأراد منا أن نكون أشداء على الكفار رحماء بيننا، وإن كان يعلم أن بأسنا سيكون بيننا شديداً وهكذا فالخلط بين ما أريد بنا، وما أريد منا هو الذي يُلبس الأمر، ويوقع في المحذور ثم لا ريب أن الله _ عز وجل _ هو الفعال لما يريد، الخالق لكل شيء، الذي بيده ملكوت كل شيء، الذي له مقاليد السماوات والأرض، ولكنه  تبارك وتعالى جعل لهذا الكون نواميس يسير عليها؛ وقوانين ينتظم بها، وإن كان سبحانه قادراً على خرق هذه النواميس وتلك القوانين.
فالإيمان بأن الله قادر على نصر المؤمنين على الكافرين، لا يعني أنه سينصر المؤمنين وهم قاعدون عن الأخذ بالأسباب؛ لأن النصر بدون الأخذ بالأسباب مستحيل، وهو مناف لحكمةِ الله، وقدرته عز وجل، وليس معنى أن الله قادر على الشيء، أن الفرد أو الجماعة أو الأمة قادرة عليه؛ فقدرة الله صفة خاصة به، وقدرة العبد صفة خاصة به، فالخلط بين قدرة الله والإيمان بها، وقدرة العبد وقيامه بما أمره الله به هو الذي يحمل على القعود، وهو الذي يخدر الأمم والشعوب.

Post a Comment

Previous Post Next Post