ثمرات الإيمان بالقضاء
والقدر على وجهه الصحيح:
وللإيمان بالقضاء
والقدر الكثير من الثمرات والفوائد العظيمة، التي تعود على المؤمن بالنفع والصلاح في
الدنيا والآخرة، كما تمتد آثارها إلى المجتمع بأسره، وقبل أن نذكر تلك الثمرات تفصيلا،
نود أن نشير إلى أمرين مهمين:
الأول: أن كل ما
يترتب على الإيمان بالقدر من فوائد وثمرات لا يمكن أن يتحقق إلا لمن آمن به على الوجه
الصحيح، الموافق للكتاب والسنة، والبريء من إفراط الجبرية أو تفريط القدرية، وجمع بين
إثبات القدر من جهة، والأخذ بالأسباب من جهة أخرى، مع التوكل الكامل على الله، والاستسلام
لحكمه وتفويض الأمر إليه في كل أموره وشئون حياته، أما من أخل بتلك الوسطية الجامعة
بين إثبات قضاء الله وقدره، وبين إثبات اختيار العباد وقدرتهم على أفعالهم، فهو أبعد
الناس عن الاستفادة من تلك الثمرات، وما أقربه حينئذ من طائر مهيض الجناح، عاجز تماما
عن التحليق أو الجولان في أجواء الفضاء.
الثاني: أن هذا الجانب
العملي من الكلام عن القدر، والذي يعنى بذكر الثمرات والآثار النافعة التي يحصلها المؤمن
بالقدر في دينه وقلبه وسلوكه هو الجانب الأولى والأحق بأن يركز عليه كل من يتكلم عن
هذا الموضوع، أو يكتب في قضاياه، بعد أن يفرغ من ذكر الأصول النظرية الحاكمة لهذا الباب،
والمستقاة من الكتاب والسنة، مع عرضها بأسلوب واضح وموجز، ودون إغراق في الجدل والخوض
فيما لا يجدي نفعا.
وللأسف الشديد فإن
المطالع لما كتبه معظم المتكلمين في هذا الباب يجده في الأعم الأغلب شبه خال من الكلام
عن ثمرات الإيمان بالقدر وفوائده، وقد استعاضوا عن ذلك بالانشغال التام بتشقيق الحجج
والأدلة، والرد على شبه الخصوم وشبهاتهم، بحيث يخرج القارئ بكثير من الحيرة والإرهاق
للعقل وبقليل من الرقة وتأثر القلب وتزكيته، وحتى لا نقع في هذا المسلك المنتقد، فسوف
نشير فيما يلي إلى طرف من ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر، والتي ينبغي لكل مؤمن أن يحرص
على الاستفادة منها، وتحويلها إلى معرفة قلبية راسخة تستقر في الوجدان ثم تنطبع آثارها
على سائر الجوارح.
ومن ثمرات الإيمان
بالقدر ما يلي:
1- أن يعرف الإنسان قدر نفسه وحقيقته، وأن يتيقن
من محدودية قواه وقدراته وإمكاناته، ومن ثم فلا يبطر أو يفخر، ولا يتعالى أو يتكبر،
فهو عبد مربوب لربه وخالقه، وناصيته ومقاليد أمره بيد الله، ولا يعلم المستقبل والغيب
إلا العليم الخبير سبحانه، وإذا كان الإنسان اليوم قويا أو غنيا أو صحيحا، فلا يعلم
ما يحمله الغد في طياته، ولا ما تأتي به المقادير إلا الله، وكم من قوي صار ضعيفا،
وغني صار فقيرا، وصحيح صار سقيما.
وإذا ترسخت تلك الحقيقة
في نفس الإنسان، فسوف يبرأ قلبه من العجب والغرور والاختيال ويتواضع لربه وللخلق، ويرى
أن ما تحت يديه من نعم وآلاء فإنما هو من فضل الله ورحمته وإذا فرح بشيء من ذلك فلكونه
من فضل الله كما يعلم أنه مستـخلف في تلك النعم كي يؤدي حق الله فيها
وإذا قام المكلف
بطاعة أو عبادة مهما عظمت أو كثرت، فلا مجال لتسرب العجب أو الغرور إلى قلبه، لأنه
يعلم أن الله سبحانه هو الذي قواه وأعانه على فعل هذه العبادة ويسر له سبل الهداية،
وأزال عنه الموانع والصوارف دونها ولولا هدايته وتوفيقه وتزكيته ما استطاع العبد أن
يفعل شيئا، وقال النبي ^: «لن يُدْخِل أحدا عملُه الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: «لا ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة، فسددوا وقاربوا».
2- ومن ثمرات الإيمان بالقدر أنه ينجي المؤمن من
الوقوع في الفتن وأسباب الضلال وسوء الخاتمة، إذ يجعله دائما على حذر من الانتكاس والرد
على عقبيه بعد إذ هداه الله إلى الاستقامة والرشاد، لأنه يعلم أن قلوب العباد دائمة
التقلب والتغير، وأنها بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولا شك أن حذره
هذا سوف يثمر المجاهدة الدائمة على الاستقامة، والإكثار من الصالحات، ومجانبة المعاصي
والموبقات، كما يبقى القلب معلقا بخالقه يدعوه ويرجوه ويستعينه، ويسأله الثبات على
الحق والتسديد والرشاد.
3- والإيمان بالقضاء والقدر يغرس في نفس المؤمن
حقائق الإيمان المتعددة فهو دائم الاستعانة بالله والتوكل عليه، مع فعل الأسباب، وهو
دائم الافتقار إلى ربه يستمد منه العون والثبات، وهو دائم الانكسار والذل لربه، لعلمه
أن الخير كله في يديه والشر ليس إليه، وأنه إن وكل العبد لنفسه فقد خسر خسرانا مبينا.
كذلك فإن الإيمان
بالقدر يثمر الكثير من أنواع العبادات الصالحة والصفات الحميدة، لاسيما ما تعلق منها
بأعمال القلوب وتزكيتها، كالإخلاص لله، والخوف منه، والرجاء وإحسان الظن به، والصبر
وقوة الاحتمال ومحاربة اليأس، والرضا بالله، وإفراد الله بالشكر والفرح بفضله ورحمته
والتواضع لله عز وجل، وترك الكبر والخيلاء، ويثمر الإنفاق في أوجه الخير ثقة بالله،
والشجاعة والإقدام، والقناعة وعزة النفس، وعلو الهمة، والحزم والجد في الأمور.
4- والإيمان بالقدر يثمر الشجاعة والإقدام، والقدرة
على مواجهة الصعاب والمخاطر بقلب ثابت ونفس أبية، لا تتهيب ولا تضعف، لأن العبد إذا
آمن بأن كل ما يصيبه مكتوب، وآمن أن الأرزاق والآجال بيد الله، فإنه يقتحم الصعاب والأهوال
بقلب شجاع وهامة مرفوعة، وكيف لا وهو يوقن أنه لن يصيب الإنسان إلا ما كتب له، سواء
كان قاعدا في بيته، أو كان يتقلب في ساحات القتال من معركة إلى معركة،
5- والإيمان بالقدر
يكسب صاحبه قوة الشكيمة ومضاء العزيمة، إذ من اطمأنت نفسه إلى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه،
وما أخطأه لم يكن ليصيبه، خلت جميع أعماله من الحيرة والتردد وانتفى من حياته القلق
والاضطراب، لأنه بمجرد أن يترجح لديه الإقدام على أمر ما فسوف يقدم عليه دون خوف ولا
وجل ولا تهيب، ولن يحزن على ماض ولن يغتم لحاضر، ولعل من أحسن ما يعبر عن هذا المعنى
ويوضحه قول النبي ^: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير،
احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا
وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان»([233]).
6- والمؤمنون بالقدر هم أزكى الناس خلقا، وأسلمهم
قلبا، وأصفاهم نفسا في تعاملهم مع كافة الناس من حولهم، كما أن الإيمان بالقدر يقضي
على كثير من الأمراض التي تعصف بالمجتمعات وتزرع الأحقاد بين المؤمنين، ومن ذلك مثلا
رذيلة الحسد والحقد، وتمني زوال النعمة عن الآخرين، فالمؤمن لا ينظر بعين الحسد والحقد
إلى من حباه الله بمنة أو نعمة، لأنه يعلم أن الله هو الذي رزقه وقدر له ذلك، وهو حينما
يحسد غيره فإنما يعترض في الحقيقة على المقدور،
كذلك فإن الإيمان
بالقدر يعتبر من أهم الأسباب التي تعين المسلم على تحسين خلقه في تعامله مع سائر الناس،
فحينما يقصر أحد في حقه أو يسيء إليه أو ينال من عرضه بغير حق فسوف يعفو ويصفح ويكظم
غيظه ويدفع السيئة بالحسنة، لأنه يعلم أن ذلك مقدر، وأن من عفا وأصلح فأجره على الله،
مع ضرورة الانتباه إلى أن ذلك الموقف إنما يصلح في التعامل مع حقوق الإنسان نفسه أما
ما يختص بحقوق الله ودينه وحدوده، فلا يجوز العفو ولا التعلل بالقدر، لأن القدر يحتج
به في المصائب لا في المعايب.
8- والإيمان بالقدر أعظم عصمة تقي المؤمن من الوهن
والجزع، أو الحزن والاكتئاب عند حلول النوائب ونزول المصائب، لأن الإنسان عرضة دائماً
لأن تصيبه النوائب والأحداث، وهذه سنة الله في الأرض، ومن شأن المصائب أن تهز النفوس
وتزلزل الأفئدة، وطبع الإنسان كما وصفه الله أنه يحب الخير لنفسه ويهلع ويجزع إن نزل
به الشر
ولكن التأثر بالأحداث
شيء والوهن والجزع عند حلولها شيء آخر، وقد تأثر رسول الله ^ لفقد ولده إبراهيم، ولكنه
قال: «إنَّ العَيْنَ لتَدْمَعُ، وإنَّ القَلْبَ ليَحْزَنُ، ولا نَقُوْلُ إلا ما يُرْضِي
ربنا، وإنا عليك يا إبراهيمُ لمحزونون»([234]).
فأما الوهن الذي
يفتِّت العزيمة، ويقعد بالإنسان عن معاودة النشاط والانطلاق في الحياة فهو الأمر المذموم،
وهو الذي يتعرض له الإنسان حين لا يؤمن بالقدر ولا يسلم له
إرسال تعليق