متى كان أول انفعال لي بالجمال الفني ؟
لعل أول مظهر من مظاهره اتخذ صورة التلاوة القرآنية الجميلة؛ وكان ذلك عندما أحضر لي أهلي شيخا يحفظني القرآن. ويظهر أنه كان لي صوت جميل؛ إذ كنت أسمع من يطريه ويثني عليه قائلا: ما أعذب صوت هذا الطفل ! فيزيدني ذلك إقبالا على التلاوة، وتجويدا لها. وشعرت، لأول مرة في قرارة نفسي، بما يشبه الشعور باللذة الفنية.
ثم شعرت، بعد ذلك، بالفن في صورة أخرى، بمناسبة مولد سيدي ابراهيم الدسوقي؛ إذ كان موكبه يمر من تحت نوافذنا، تحف به البيارق والأعلام، والطبول والمزامير، وعربات النقل الكثيرة.
لقد كان نوعا من مهرجان ساذج؛ ولكن تأثيره علي أنا – الطفل – كان عجيبا.
على أن بدء اهتمامي الحقيقي بالفن كان يوم هبطت، بمدينتنا، فرقة مسرحية من تلك الفرق التي تطوف على الأقاليم. ويا لجمال تلك الليلة التي أخذني فيها والدي معه للتفرج عليها ! لم أفهم شيئا كثيرا من تفصيلات المسرحية. كل الذي همني، وخلب لبي هو المبارزات بالسيوف. فكان أول ما صنعت، في اليوم التالي، أن كسرت يد المكنسة، وجعلتها سيفا، وطلبت إلى المبارزة خادما كان عندنا.
أما الذي جعلني أعيش القصص بكل وجداني فهو ظرف مرض والدتي؛ فقد كانت، في رقادها الطويل، تضطر إلى شغل الوقت بقراءة قصص ألف ليلة وليلة، وعنترة، وحمزة البهلوان، ونحوها.
وما تكاد تنتهي من قصة حتى تقصها علينا عندما نجتمع حول فراشها. ثم بدأت أقرأ معتمدا على نفسي. صرت أبحث عن القصص والروايات التي كنت أراها في يد والدتي، فأستخرجها من صناديق قديمة، وأعكف على قراءتها. لعل هذا ما ساعدني على إجادة اللغة العربية قبل التحاقي بالمدرسة.
83 (بتصرف). - 1 ص. ص. 77 . توفيق الحكيم، حياتي، ط. 1974

Post a Comment

أحدث أقدم