دور
الجغرافيا في حماية التربة من التلوث والتدهور:
التربة وسط غير متجانس، وتشكل الطبقة السطحية الرقيقة من
القشرة الأرضية، التي تكونت خلال آلاف وملايين السنين نتيجة علاقة معقدة بين
الأغلفة الجغرافية المختلفة: (الجوي والمائي والصخري والحيوي)، وبتأثير العمليات
الفيزيائية والكيميائية والحيوية.
والتربة أيضاً من العناصر الضرورية للحياة وشرط
أساسي لأي إنتاج غذائي، وهي تؤثر وتتأثر بغيرها من العناصر الطبيعية كالماء
والهواء وتؤثر في الدورات الطبيعية المختلفة. والتربة من أكثر الموارد الطبيعية
التي تتعرض للتغير والتخريب والتدهور، من جراء الكثير من أنشطة الإنسان السلبية
المسرفة في استخدام الأرض والقضاء على الغطاء النباتي، وزيادة حدة التعرية والتصحر
وغير ذلك من التغيرات ولأسباب مختلفة.
إن اهتمام الجغرافية بفروعها المختلفة، خاصة تلك
الفروع التي لها ارتباط وعلاقة بالجغرافية التطبيقية بالتربة ومكوناتها يختلف عن
اهتمام الكثير من العلوم الأخرى، لأن الجغرافية تنظر إلى الأرض نظرة محددة باعتبار الأرض هي
المكان الذي يشكل موئل ووطن الإنسان والمؤثر في حياته وحياة أجياله، ولكن الإنسان
بدوره يؤثر في التربة بأشكال مختلفة، فيؤدي إلى تغيير شكل سطح الأرض ومكوناتها هنا
أو هناك، ويتسبب في خفض قدرتها الإنتاجية، وتخريب المكونات الجمالية للتربة
وتعريضها للتلوث والتدهور والتصحر والاستنزاف.
إن
الجغرافية تقوم بدور واضح في دراسة خصائص التربة وشكل سطح الأرض، وتأثير ذلك في
الإنسان ونشاطاته المختلفة، وفي الوقت نفسه تدرس أثر الأنشطة البشرية المتنوعة على
استعمالات الأراضي في الظروف الجغرافية المختلفة، هذه الأنشطة التي تختلف في حدتها
وشدة تأثيرها في تغيير شكل سطح الأرض، ومستوى وحجم هذا التغيير ودوره في تعديل
البيئة والنظام البيئي في مكان معين.
وهذا الدور الجغرافي يمكن أن يتم من خلال وجهة نظر جغرافية
شمولية، للتعرف إلى استخدامات الأرض في المناطق الريفية أو الحضرية، وإعطاء صورة واضحة
وكاملة عنها، وشرح العوامل البيئية الطبيعية أو البشرية، وأثرها في أشكال استخدام
الأرض من النواحي السلبية والإيجابية، بغية معرفة خصائص الاستخدامات الموجودة، وتقرير
إزالتها عندما تكون سلبية، والإبقاء عليها في حال كونها مناسبة وإيجابية، والبحث
في كيفية تنميتها وتطويرها وفقاً لأسس تنموية سليمة، وذلك بالاعتماد على الخرائط
التي ترصد واقع استخدام هذه الأراضي في الماضي والحاضر.
وقد تم وضع خرائط استعمالات الأراضي للكثير من المواقع في
العالم وفي الوطن العربي سواءً بالاعتماد على الطرق التقليدية القديمة، أو
باستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد، ونظام المعلومات الجغرافي، وذلك بهدف التخطيط
السليم لاستخدامات الأرض في المستقبل، ومعرفة الأماكن التي طرأ على منظومتها
الطبيعية خلل ما بسبب الاستخدام العشوائي غير المخطط للأراضي([1]).
كما
أنه وعلى ضوء دراسة استعمالات الأراضي في أية منطقة يتم تقويم النتائج المترتبة
على ذلك، واقتراح الإجراءات الفعالة من أجل التخطيط السليم لهذه الاستعمالات في
المستقبل بحيث يكون هذا الاستخدام أكثر كفاءة للأرض ويساعد في الحصول على إنتاجية
جيدة، وعدم حدوث تدهور للتربة وتأثيرات سلبية في البيئة من جراء ذلك، وهذا يتطلب
دراسة جغرافية دقيقة لطبيعة الأرض وطبيعة التأثير البشري فيها.
وبحسب (الشمراني)، فإن دراسة استعمالات الأراضي في الحضر
تتميز بأنها لم تعد قاصرة على المهندسين فحسب، حيث أثبت الجغرافيون قدرتهم في
إجراء الدراسات الحقلية المتعلقة بمسوح استعمالات الأراضي وتحليلها، وإعداد
الخرائط التفصيلية اللازمة لها إلى جانب الإسهام في التخطيط المستقبلي لاستعمالات
الأراضي في المدن والريف على حدٍ سواء. وتجدر الإشارة إلى أن دراسة استعمالات
الأراضي في المدن والريف معاً تعد من أهم العوامل التي دفعت بعلم الجغرافية ليصبح
في مقدمة العلوم التطبيقية، ذلك أن الخرائط الناجمة عن دراسة استعمالات الأراضي
أصبحت ضرورية ولا غنى عنها في عمليات التخطيط للنمو الحضري([2]).
وتشكل
التربة وسطاً معيشياً مناسباً لعددٍ كبيرٍ من الكائنات الحية الدقيقة، والكائنات
الحية الأخرى ويختلف دور كل ٍمن هذه
الكائنات وعلاقتها بالبيئة والإنسان، وهنا يظهر أيضاً دور الجغرافية وأهميتها في
دراسة العلاقة بين التربة وعناصرها وبين صحة
الإنسان، وهذا ما تقوم به وتتصدى له الجغرافية البيئية والطبية بفروعهما المختلفة.
والجغرافية
تدرس ما يسمى بالتغذية الاسترجاعية للأرض - وهي أن الأرض تعمل وفق نظام مفتوح، لكل
فعل فيه رد فعل - وقد تكون التغذية الاسترجاعية مدمرة للمنظومة البيئية، وهي ترتبط
بعدة عوامل تعد في صميم الدراسة الجغرافية، ومن هذه العوامل([3]):
1-
النمو السريع للسكان.
2-
الزراعة التي تتجاوز حدودها المتاحة من قبل البيئة.
3-
الرعي الجائر.
4-
الحرق الجائر للأنواع الخشبية من النباتات للحصول على الوقود.
5-
غياب فترات الراحة، وعدم إتاحة الفرصة
للنباتات كي تستعيد نموها.
كما أن للجغرافية دور هام في دراسة الوضع
المعاصر والوضع السابق للتربة، والتنبؤ بمدى كفايتها في المستقبل لتأمين الغذاء
والكساء والمسكن للأعداد المتزايدة من السكان، وهو دور لا يضاهى وينبع من معرفة
أهمية التربة ومعرفة أهم التغيرات التي تتعرض لها، من تلوث وتدهور يرتبط بالظروف
الجغرافية المختلفة، فإذا علمنا أن مساحة الأراضي في العالم تبلغ نحو 13392 مليون
هكتار ومساحة الأراضي الصالحة للاستغلال تبلغ نحو 8608 مليون هكتار، بينما مساحة
الأراضي المزروعة فعلاً فلا تتجاوز 1.5 مليون هكتار، وكل مولود جديد يحتاج إلى نحو
0.5 هكتار
لتأمين حاجته من المواد الغذائية، ويحتاج إلى نحو 800 متر من أجل السكن والطرق.
ومع استمرار زيادة عدد السكان فهذا يعني تناقص حصة الفرد من هذه الأراضي.
كما
أن التربة تتعرض للتلوث بطرائق وأشكال مختلفة، بسبب زيادة استخدام المبيدات
الكيميائية والأسمدة المعدنية، وزيادة الفضلات المنزلية والنفايات الصناعية
والمواد الإشعاعية وغيرها، وهذا التلوث يؤدي إلى حدوث عواقب سلبية على الكائنات
المختلفة، وإلى التأثير في صحة الإنسان، وهذا ما يجب أخذه بالحسبان عند القيام
بأية دراسة تتعلق بذلك.
وتعد
التربة أو المظهر العام لها، أو المنظر الطبيعي للمكان، مجالاً للسكن والعمل، ومجالاً
للراحة وتجدد نشاط الإنسان، لأن طرائق استخدام المكان وتنظيمه مهمة جداً، وفترات
الراحة والاستجمام لها دور كبير جداً في زيادة القدرة الإنتاجية للإنسان، وفي نشر
المعرفة، وتحسين الحالة الصحية والتقليل من التعرض للمرض، وتخفيف الخسائر
الاقتصادية الناجمة عن ذلك، وهذه كلها من الأهداف التي تسعى الجغرافيا لدراستها
وتحقيقها، وتحقيق التوازن بين حاجات الإنسان وإمكانات التربة والطبيعة.
إرسال تعليق