قاومت الأبنية الحديثة في اليابان الموجات
الزلزالية لأكثر من دقيقتين ولكن
الأبنية التي كانت قائمة على تربة ضعيفة انهارت أو
انقلبت، وما تبقى منها جرفته موجات التسونامي العاتية التي اجتاحت البر إلى عمق كيلومترات
عديدة. كذلك اشتعلت الحرائق بفعل انفجارات الغاز ومستودعات النفط وتوقفت المفاعلات
النووية عن العمل بمجرد حدوث الهزة بطريقة آلية.
ولكن المفاعلات النووية تحتاج إلى مياه لتبريد
التفاعل النووي الذي يظل نشاطه مستمراً حتى بعد توقف المفاعل، ولسوء الحظ أغرقت موجات
التسونامي البحرية أجهزة ومولدات الطاقة التقليدية ومستودعات وقودها، فلم يعد بالإمكان
استمرار ضخ المياه للتبريد، فارتفعت درجة الحرارة، وانفجر البناء الواقي للمفاعل رقم
1 في مفاعل فوكوشيما بفعل انفجار الهيدروجين، وانتشرت الإشعاعات حول المحطة؛ ولكن على
الأرجح أن قلب المفاعل شرع في الذوبان لارتفاع درجة حرارته فأصبح الخطر الإشعاعي أعظم
بإطلاق مواد مشعة كاليود والسيزيوم المشع، الأمر الذي سوف يزيد من المسألة تعقيداً
ويضاعف الإشعاعات النووية في محيط المفاعل، حيث تم إجلاء نحو 200,000 نسمة في دائرة
قطرها 20 كيلومتراً.
وكان
من المستغرب أن توزع الحكومة حبوب اليود على المواطنين بعد الانفجار، إذ كان من المفروض
اللجوء إلى ذلك مبكراً. فإذا كانت الاستعدادات لمواجهة هذه الكارثة في دولة متقدمة
جداً كاليابان على هذا النحو من التباطؤ، فيمكننا تخيل ردة الفعل في الدول النامية
والمتخلفة على الكوراث النووية!
وهذا التباطؤ يعني تعرض الناس إلى إصابات
إشعاعية تؤدي إلى سرطان الغدد الدرقية وسرطان الدم، وبخاصة لدى الأطفال دون سن العاشرة.
وهذا يكشف أيضاً عن مخاطر هائلة في إجراءَات الأمان والوقاية، وبخاصة في دولة متقدمة
مثل اليابان حيث حوادث الزلازل هي نمط حياة، الأمر الذي يجعل من هذه الحادثة درساً
قاسياً للدول النامية التي كانت تتطلع إلى عصر نهضة جديد في الطاقة النووية حول العالم!
وفي مواجهة ذلك، تم استخدام ماء البحر المضاف
إليه بعض المركبات الحمضية Boric Acid لتبريد قلب المفاعل وامتصاص النيوترونات، ولكن، بعد أن تعرت
أنابيب الوقود النووية لتطلق كميات كبيرة من الإشعاعات، عادت لتهدأ قليلاً وانخفضت
شدة الإشعاع من نحو 1500 مايكرو سيفريت إلى دون 200.
وبعض
المفاعلات الأخرى في فوكوشيما واجهت مشكلة مماثلة؛ ولتخفيض الضغط، تم إطلاق بخار الماء
الملوث بالإشعاعات في الهواء الطلق؛ ويبدو أن الأمور كانت مرشحة للتفاقم، وبخاصة في
ضوء ملاحظة مادة السيزيوم Cesium وغيرها من المواد المشعة كمؤشر على ذوبان قلب المفاعل.
إن استخدام ماء البحر لتبريد المفاعل أوقف
المفاعل عن العمل إلى الأبد لخاصيته العالية في تسارع صدأ التمديدات المختلفة وتلفها،
الأمر الذي يعني خسارة على الأقل ثلاثة مفاعلات خسارة شبه تامة. وعلى أي حال فإن المفاعل
رقم 1 في دايتشي Daiichi
عمره أصلاً نحو أربعين
عاماً. وهكذا انقضت أيام عمل أغلب المفاعلات هناك.
إن اعتماد اليابان على نحو 30% من طاقتها
الكهربائية على الطاقة النووية سوف يؤدي إلى شلل اقتصادها وأضرار اقتصادية تقدر بعشرات
المليارات من الدولارات. وقد صرحت شركة الكهرباء هناك بحجم الخسائر التي تبلغ مبدئياً
نحو 245 مليار دولار ونعتقد أن اليابان سوف تتوجه إثر هذه الكارثة إلى بناء محطات لتوليد
الطاقة من المصادر النظيفة والآمنة للطاقة المتجددة، كالرياح والشمس، ومن ثم توزع مراكز
إنتاجها كي يكون الضرر محصوراً في مناطق دون أخرى في المستقبل تجنباً لكوارث مستقبلية
متوقعة في هذه الجزيرة المنكوبة بأعظم زلزال كانوا في انتظاره منذ مئتي سنة على الأقل.
ويثبت
ذلك تظاهر عشرات الآلاف في شوارع طوكيو في مطلع حزيران عام 2011 لوقف المفاعلات النووية،
كما يثبت ذلك قرار الحكومة اليابانية بسن قانون يلزم كافة الأبنية الحديثة باستخدام
اللوحات الكهروضوئية لتوليد الكهرباء.
وفي أثناء الكارثة كان اليابانيون يأملون
أن تستمر الرياح في عصف التلوث الإشعاعي إلى المحيط؛ ولكن كانت هناك تقارير عن مخاطر
اتجاه الغيمة المشعة صوب الفيليبين، ولكن ماذا كان سوف يحدث إذا تغير اتجاه الهواء
باتجاه اليابان نفسها، وما الذي كان من الممكن أن يحدث للناس والطبيعة بمجملها؟ وبالرغم
من ذلك فإن حادثة فوكوشيما باتت كارثة بكل المقاييس.
لم
يلحق المفاعلات الستة في منشأة فوكوشيما النووية أذى مباشر يذكر جراء الزلزال الذي
ضرب اليابان يوم الجمعة 11/3/2011، ولكن إغراق موجات المد البحرية للمنشأة أعطبت التمديدات
الكهربائية ومولدات الكهرباء التي تعمل بالنفط؛ ولما كانت المفاعلات المتوقفة قد حجبت
الكهرباء عن المنطقة، فلم يعد للتمديدات الكهربائية فائدة. لقد أصبحت المنطقة كلها
على أعتاب كارثة نووية ربما لم يشهد لها العالم مثيلاً من قبل!
ولكن
المفاعل بعد أن يتوقف عن العمل، فإن التفاعل النووي الانشطاري يستمر بقدرة بسيطة ولا
يتوقف فجأة، لذلك كان لابد من استمرار تبريد المفاعل. ولكن المضخات التي توقفت عن العمل
أدت إلى ارتفاع درجة حرارة المفاعل وحدثت إنفجارات غاز الهيدروجين المتتالية في المفاعلات
الأربعة الأولى، كما نشبت حرائق في المفاعل الرابع، الأمر الذي أصاب نظام التبريد بالتدمير
الجزئي وزاد المشكلة تعقيداً.
وعندما
بدأت المضخات تعمل بعد أيام كان الضرر كبيراً، فلم تصل المياه إلى أحواض تبريد الوقود
المستنفذ أو إلى قلب المفاعل، الأمر الذي سارع من الانصهار الجزئي في المفاعلات 1،
2، 3 وإطلاق المواد المشعة في الجو، فيما كانت الأعين مركزة بصورة خاصة على المفاعل
الثالث الذي يستخدم البلوتونيوم مع اليورانيوم والذي ربما يكون قد أطلق أشد المواد
إشعاعاً وخطورة.
وما
لبثت الحكومة أن أعلنت عن جفاف البرك التي تبلغ من العمق 15 متراً والتي تحتوي الوقود
المستنفذ في المفاعل الرابع، الأمر الذي حفز إطلاق المواد المشعة في الجو وأصبح الاقتراب
من هذه المواقع مجازفة حقيقية.
لا
شك أن العاملين في الموقع قد تعرضوا لإشعاعات كبيرة ومركزة، وسوف يموت بعضهم في غضون
أيام أو ربما أسابيع، أما الضرر على الأمد البعيد فعظيم جداً، بدءَاً من الشدة الإشعاعية
التي تعرض لها الناس وفقاً لقربهم من المصدر المشع وشدته والفترة الزمنية التي تعرضوا
فيها للإشعاع، فضلاً عن خطر استنشاق المواد المشعة أو دخولها إلى الجسم عبر الجهاز
الهضمي أو بتناول الغذاء الملوث أو شرب الماء الملوث.
لقد
منع الأطفال من شرب مياه الصنابير في طوكيو، لأنهم الأكثر عرضة للإصابة بالغدة النخامية
وسرطان الدم. كما أعلن عن خطورة تناول الحليب والسبانخ وبعض الخضروات المزروعة بالقرب
من المفاعل. ولا شك أن أغلب المواد الغذائية ستكون مشعة، حيث حظرت مبيعات المواد الغذائية
المنتجة في دائرة قطرها 100 كيلومتر، وذلك بتاريخ 19/3/2011، حيث تتضح من هذا القرار
الأبعاد الكارثية للمفاعلات النووية التي لا ريب أنها سوف تتكشف أكثر بصورة تدرجية
بمرور الزمن.
إنّ
أشد نظائر السيزيوم إشعاعاً هو سيزيوم 137، وينجم عن التفاعل الانشطاري لليورانيوم
والبلوتونيوم؛ والسيزيوم هو من المعادن السائلة عند درجة حرارة الغرفة الطبيعية، ونصف
عمره الإشعاعي حوالي 30 عاماً، ويطلق أشعة ألفا وبيتا ليتحول في النهاية إلى باريوم.
والخطر الأعظم منه هو ملامسة هذه المعادن المشعة وإدخالها عبر الفم أو تنفسها لتدخل
إلى الجسم فتؤثر إشعاعات ألفا مباشرة على الخلايا الحية والمادة الوراثية وخلايا الدم
البيضاء والغدد اللمفاوية وما إليها، فتؤدي إلى الإصابة بالسرطان واختلال وظائف خلايا
الجسم المختلفة.
Post a Comment