يرجع بزوغ البنائية وتعاظمها منذ بداية التسعينات لأسباب
كثيـرة أوجزهـا رضـي (1998م : 4-5)
في
التالي :
1- الثورة
المعلوماتية والانفجار المعرفي ساعدت على ظهور اتجاهات تربوية تدعم التركيز على
المعرفة والعمليات العقلية .
2- نتائج
البحوث التربوية المرتبطة بالمهارات العقلية العليا والعمليات المصاحبة لعملية
التعلم أعطت قوة دافعة للبنائية .
3- علم
النفس المعرفي والتطورات الحادثة فيه، خاصة ما قدمه العالم السويسري بياجيه ، حيث
أدت إلى تطبيقات تربوية تستند إلى جذور معرفية وسيكولوجية.
4- ثورة
الحاسوب في مقدرته على محاكاة العقل البشري وتطور الإدراك المعرفي الذي ساعد في
إعطاء تصورات حول كيفية تعامل الفرد مع المعلومات واستخدامها.
5- التطورات
في تقنية الحاسوب ، ساعدت في إنتاج برامج متقدمة تمكن المتعلم من فحص واستقصاء
قاعدة ضخمة من البيانات وحل المشكلات ، ومن جهة أخرى قدمت للمنظرين الأدوات
اللازمة لتصميم النظم التعليمية البديلة .
وقد ظهر
اهتمام كبير منذ نهاية الثمانينات لتجريب العديد من الطرق غير التقليدية في علميتي
التدريس والتعلم، وقد انبثقت بعض هذه الطرق من النظرية البنائية التي يشتق منها
عدة نماذج تدريسية متنوعة ومفيدة ولها قيمة كبيرة في عملية التعليم والتعلم ، حيث تؤكد
ذلك سلطانة الفالح (2003م : 85) التي ترى بأن البنائية الحديثة قد ظهرت منذ أكثر
من عشرين عاماً وسادت بالتدريج الأفكار البنائية وانتشرت، وأدى ذلك إلى تطبيق هذه
الأفكار في مجال تدريس العلوم ، لذا تعتقد طائفة كبيرة من التربويين في عالمنا
المعاصر في فكرة أن المعرفة يتم بناؤها في عقل المتعلم بواسطة المتعلم ذاته. حيث
تمثل هذه الفكرة محور الفلسفة أو النظرية البنائية، في حين يرى صادق ( 2003م :
155) أن النظرية البنائية ظهرت كنظرية بارزة للتعلم في العقد الماضي نتيجة لأعمال
ديوي وبياجيه وبرونر وفيجوتسكي ، والذين قدموا سوابق تاريخية للنظرية البنائية
والتي تثمل نموذج للانتقال من التربية التي تستند على النظرية السلوكية إلى
التربية التي تستند على النظرية المعرفية
.
وقد ظهرت البنائية الحديثة حديثاً في أواخر
القرن الماضي حيث تؤكد ذلـك منى سعـودي (
1998م : 779 ، 784 ) بقولها " أن البنائية الحديثة قد ظهرت منذ أكثر من عشرين سنة على يد مجموعة من الباحثين أمثال:
أرنست فون، جلاسر سفيلد ، ليس ستيف ، نيلسون جودمان ، وبالتدريج سادت الأفكار
البنائية وانتشرت إلى أن تم تعديل للنموذج البنائي في صورته الحديثة القائم على
الفلسفة الحديثة بواسطة سوزان لوك هورسلي 1990م ، وتعتبر الفلسفة البنائية من
الفلسفات الحديثة التي يشتق منها عدة طرق تدريسية متنوعة ، وتقوم عليها عدة نماذج
تعليمية متنوعة ، وتهتم الفلسفة البنائية بنمط بناء المعرفة وخطوات اكتسابها
" .
والنظرية البنائية مشتقة من كل من نظرية بياجيه
( البنائية المعرفية ) ونظرية فيجوتسكي (البنائية الاجتماعية) وبذلك فالتعليم
ينحصر في رؤيتين ذكرتهما سحر عبد الكريم (2000م :205) في التالي :
1- رؤية
بياجيه التي تشير إلى أن التعليم يتحدد في ضوء ما يحصل عليه المتعلم من نتائج
منسوبة لدرجة الفهم العلمي .
2- رؤية
فيجوتسكي التي تشير إلى أن التعلم يتحدد في ضوء سياق اجتماعي يتطلب درجة من التمهن
في معلم مادة العلوم .
والنظرية
البنائية تستند على فكرة أن هناك دافع إنساني يقود الفرد لفهم العالم، بدلاً من
استقبال المعرفة بشكل سلبي، وهذا ما يؤكده صادق ( 2003م : 156) حيث يرى أن
المعرفـة تبنى بنشاط المتعلمين بواسطة تكامل المعلومات والخبرات الجديدة مع فهمهـم
السابـق ( المعلومات السابقة )، في حين يرى الوهر ( 2002م : 96) أن النظرية
البنائية تنظر إلى التعلم بأنه عملية بناء مستمرة ونشطة وغرضية ، أي أنها تقوم على
اختراع المتعلم لتراكيب معرفية جديدة أو إعادة بناء تراكيبه أو منظومته المعرفية
اعتماداً على نظرته إلى العالم ، والتعليم ليس عملية تراكمية للمعرفة، بل عملية
إبداع تحدث تغييرات ثورية في التراكيب المعرفية الموجودة لدى المتعلم .
وتعتبر
البحوث التي أجراها جان بياجيه في نمو المعرفة هي التي وضعت الأساس للنظرية
البنائية، حيث وضع بياجيه نظرية متكاملة ومنفردة حول النمو المعرفي، ولهذه النظرية
شقان حددهما مكسيموس ( 2003م : 50 ) في التالي :
الشق الأول يختص بافتراضات بياجيه عن العمليات
المنطقية وبتصنيفه لمراحل النمو العقلي للطفل بناء على تلك العمليات إلى أربع
مراحل أساسية ، والشق الثاني يختص بمسألة بناء المعرفة وأوضح فيه بياجيه مبدأ
بنائية المعرفة بمعنى أن الفرد يبني معرفته بنفسه وليس وعاء فارغاً تسكب فيه
المعرفة حسب الإرادة .
والمذهب الرئيس في النظرية البنائية يشير إليه زيتون
( 1998م : 84) في أنه يتمثل في استخدام الأفكار التي تستحوذ على لب المتعلم لتكوين
خبرات جديدة ، والتوصل لمعلومات جديدة ، ويحدث التعلم حين تعدل الأفكار التي بحوزة
المتعلم ، أو تضاف إليه معلومات جديدة ، أو بإعادة تنظيم ما هو موجود من أفكار
لديه ، أي أن التركيز في التفكير البنائي يشمل كل من البيئة والعمليات التي تتم
داخل المتعلم ، وذلك في إطار يمثل كلا من السياق المجتمعي والتفاعلات الاجتماعية .
ويمثل الفكر البنائي توليفاً أو تزاوجاً بين
ثلاثة مجالات أشار إليها زيتون (2002م : 212 ) هي : علم النفس المعرفي ، وعلم
النفس النمو ، والأنثروبولوجيا، فقد أسهم المجال الأول بفكرة أن العقل يكون نشطاً
في بناء تفسيراته للمعرفة ويكوّن استدلالته منها ، كما أسهم المجال الثاني بفكرة
تباين تركيبات الفرد في مقدرته على التنبؤ تبعاً لنموه المعرفي ، أما المجال
الثالث فقد أسهم بفكرة أن التعلم يحدث بصورة طبيعية باعتباره عملية ثقافية مجتمعية
يدخل فيها الأفراد (كممارسين اجتماعين) إذ يعملون سوياً لإنجاز مهام ذات معنى
ويحلون مشكلاتهم بصورة ذات مغزى .
Post a Comment