تطور علم البيئة
إن علم البيئة باعتباره علماً مستقلاً هو علم حديث الظهور بالرغم من أسسه القديمة، إذ إن دراسة البيئة والاهتمام بها مسألة ليست حديثة العهد، فقد حظيت البيئة وعناصرها المتنوعة باهتمام كبير من قبل الكثير من المفكرين والفلاسفة والعلماء لدى اليونان والرومان والعرب والروس والفرس والصينيين والهنود وغيرهم. ويمكن القول: إن العلاقة بين الإنسان والبيئة وأثر البيئة على التجمعات البشرية شغلت أذهان الجغرافيين على مر الزمن حيث تغيرت النظرة البحتة لهذه العلاقة على مدى القرون الثلاثة الأخيرة لتستقر في النهاية على مضمون التفاعل العضوي الإيكولوجي بين العنصرين([1]).
وكان لتأخر ظهور هذا العلم بوصفه علماً محدداً أسباب عديدة، ويوصف بأنه علم معقد، ويعد طريقة تفكير مجملة لمشاكل فيها عدد من المعطيات والمجاهيل غير قابل للقياس، ودراسته ليست تابعة لاختصاص محدد([2]).
وإذا كان علم البيئة قد بقي محصورا ضمن إطار عدد محدود من العلماء والمثقفين، وبخاصة في الأوساط الأكاديمية لمدة قرن من الزمان، وبعد ذلك أخذ بالانتشار والتوسع وزادت معرفة الإنسان بالمشكلات البيئية، سواء ما يتعلق منها بتلوث الهواء أو الماء أو التربة، والتلوث البارامتري (الفيزيائي)، والتلوث بالنفايات الصلبة والقمامة، والانفجار السكاني، والقضاء على الغطاء النباتي والحيواني، وغير ذلك من المشكلات البيئية والعواقب الناجمة عنها. وجميع هذه التأثيرات تؤدي إلى تدهور البيئة وتغيير معالمها الطبيعية وتخريب اللاندشافت (شكل سطح الأرض)، مما يجعل الغلاف الحيوي لكوكب الأرض الذي يشكل أفضل مكان لحياة الإنسان وتطوره في خطر، ويهدد مقومات توازنه والإخلال بهذا التوازن.
انطلاقا من هذا الواقع ومن هذه الأهمية فقد أخذ علم البيئة يحظى باهتمام كبير ومتنام في السنوات الأخيرة،


(1) يسرى الجوهري، فلسفة الجغرافية، الناشر، مؤسسة شباب الجامعة، الاسكندرية، 2001م، ص 82 .
(2) جان دوست، قوة الحي، مبادئ في علم البيئة، ترجمة المهندس ميشيل خوري، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق 1998، ص 162 .

Post a Comment

Previous Post Next Post