حرية الاجتهاد في الاسلام
كفل الإسلام لأفراده حرية  الاجتهاد وابداء الرأي وأحاط ذلك بسياج قوي من الدعم والتوجيه ، وبنظرة سريعة للفقه الإسلامي نجد أن الفقهاء ـ رحمهم الله ـ قد اعتبروا الاجتهاد مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي ، والاجتهاد هو : استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس بالعجز عن المزيد عليه(1)
وحيث أن في الاجتهاد في الأحكام الشرعية توقيعا عن رب العالمين فقد اشترط في المجتهد شروط عدة لكي يتسنى له الاجتهاد (2) ، فليس في الشريعة تحجير للعقول وكبت للآراء بل في الأمر تيسير وسعة خاصة فيما يستجد من أمور الحياة ومتطلباتها وما يعرض للناس من أقضية وأحكام .
وتؤيد نصوص الكتاب والسنة ذلك الاجتهاد في مواضع كثيرة ، يقول سبحانه وتعالى : { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ، ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين } [ 78 ، 79 ] ففي الآية الثانية اختص الله عز وجل سليمان عليه السلام بالفهم ثم أثنى على داود وسليمان عليهما السلام بالحكم والعلم ، أما ابن كثير فيقول : فأثنى الله على سليمان ولم يذم داود (3)
أي كأن الله سبحانه وتعالى قد أقر كلا منهما على اجتهاده ، وثبت عن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا حكم الحاكم فاجتهد الحاكم ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر [ البخاري : 4 /372 ]
ويرى الباحث أن تقرير هذه النصوص من الكتاب والسنة حث لكل عبد على الاجتهاد فيما يستطيعه من الأمور التربوية أو الاجتماعية أو غيرها ، فإذا ما واجه الفرد قضية من القضايا التي لا نص فيها من الشرع وتأكد من ذلك ، أمكنه أن يعمل فكره ويشحذ ذهنه لإحراز الصواب .
أمثلة للاجتهاد من حياة الرسول وأصحابه :
وإذا تتبعنا السيرة النبوية نجد أمثلة كثيرة لاجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام منها :
1ـ قبوله عليه السلام للفداء من أسرى بدر فأنزل الله معاتبا إياه على ذلك قال تعالى : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } [ الأنفال : 67] فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في قضية أسرى بدر . [ مسلم : 3 /1385 ]
2ـ ما وقع منه عليه السلام من الإذن للمعتذرين أن يتخلفوا عن غزوة تبوك فأنزل الله معاتبا : { عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين } [ التوبة : 44 ] وهنا يعاتب الله نبيه في اجتهاده في الحكم على المتخلفين عن غزوة تبوك .
3ـ قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ، فصلى بعضهم في الطريق اجتهادا منهم ولم يصل البعض الآخر حتى وصلوا إلى بني قريظة ولم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا منهم لاجتهاده . [ مسلم : 3 / 1391 ]
4ـ قصة بعث معاذ بن جبل  ـ رضي الله عنه ـ إلى اليمن ولما سأله عليه السلام بم تحكم قال : بكتاب الله ، قال : فإن لم تجد ، قال : بسنة رسول الله ، قال : فإن لم تجد ، قال : أجتهد رأيي ولا آلو ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله . [ أبو داود : 4 /19 وأخرجه الترمذي وقال : وليس إسناده عندي بمتصل ].
قال ابن القيم تعليقا على الحديث : وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا على اجتهاد رأيه فيما لم يجد فيه نصا عن الله ورسوله .


(1) الأحكام في أصول الأحكام (370 ) : أبو الحسن علي الآمدي ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1400هـ ، 4 أجزاء ، 4 /218
(2) شرح الكوكب المنير : ابن النجار ، تحقيق محمد الزحيلي ونزيه حماد ، مكة ، جامعة أم القرى ، مركز البحث العلمي ، 1400 هـ ، 4 أجزاء ، 4/459
(3) تفسير القرآن العظيم : إسماعيل بن كثير دار المعرفة ، بيروت ، 1400 هـ ، 4 أجزاء

Post a Comment

أحدث أقدم